إِذا أَردتَ أَن تعرفَ كم هي المسافةُ بين الدَّولة، أَيَّة دولة، ومفهوم المُواطنة، فما عليكَ إِلَّا أَن تبحثَ في حقيقةِ المعايير التَّالية، وما إِذا كانت موجودة على أَرض الواقع أَم أَنَّها مسحوقةٌ بشَكلٍ مُنظَّمٍ؛

أَوَّلاً؛ القانون؛

١/ هل يوجدُ قانونٌ أصلاً؟! أَم أَنَّهُ حِبرٌ على وَرقٍ؟! أَم أَنَّ الفوضى تضرِب بأَطنابِها في كلِّ مفاصلِ الدَّولةِ والمُجتمع؟! أَم أَنَّ قانون العشيرة والحزب والمُعمَّم فَوْقَ قانون الدَّولة؟!.

٢/ وما إِذا كانَ القانونُ فَوْقَ الجميع من دونِ استثناءٍ؟! أَم أَنَّهُ فَرَجٌ ورحمةٌ للكبارِ والمُتنفِّذين والأَقوياء والمحمييِّن والمدعُومين وشِراكٌ وشِباكٌ لاصطيادِ الضُّعفاء والمساكين؟!.

يَقُولُ رَسُولُ الله (ص) (إِنَّما أُهلِكَ مَن كان قَبلكُم أَنَّهم كانُوا إِذا سَرَق فيهِمُ الشَّريف [المَدعُوم] تركُوهُ، وإِذا سرَقَ فيهِمُ الضَّعيف [غَير المدعُوم] أَقامُوا عليهِ الحدَّ).

أَمَّا أَميرُ المُؤمنينَ (ع) الذي سعى لإِعادةِ معيارِ المُواطنةِ النَّبوي الى أَرضِ الواقعِ، فيقولُ (وَأَنْ تُكُونُوا عِندِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً) فلا أَحدَ فَوْقَ القانون مهما كانَ قُربهُ مِن الحاكمِ (ووَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَة، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا).

ثانياً؛ تكافُؤ الفُرص؛

١/ هل تخلقُ الدَّولةُ فُرصاً للنَّاسِ أصلاً؟! في التَّعليمِ والعمَل والمُشاركة بالشَّأن العام وتسنُّم المناصبِ والمواقعِ في إِطار التَّنافُس الحقيقي لتحقيقِ مبدأ [الرَّجُل المُناسبِ في المكانِ المُناسبِ]؟!.

٢/ واذا كانت تفعلُ ذَلِكَ فهل هي متاحةٌ لكلِّ المُواطنين؟! أَم أَنَّها محجوزةٌ لفِئةٍ دُونَ أُخرى؟!.

أَم أَنَّها تفتحُ النَّوافذ الإِليكترونيَّة للتَّقديمِ العامِّ للتَّنافُسِ على موقعٍ ما فينتهي الأّمرُ إِلى أَن يتمَّ التَّعيينِ بالغُرفِ المُظلمةِ وتحتَ الطَّاولةِ وبتوصياتٍ خاصَّةٍ! كما حصلَ ذَلِكَ مؤَخَّراً في إِحدى المُلحقيَّات العسكريَّة العراقيَّة في [عاصمةٍ عربيَّةٍ] عندما نشرت إِعلاناً على صفحتِها الرسميَّة عن حاجتِها لموظَّفٍ محلِّيٍّ! ليتمَّ تعيينِ واحدٍ [مدعومٍ] من بغداد بتوصِيةٍ خاصَّةٍ! وهو لم يُقدِّم أَساساً على الوظيفةِ!.

٣/ وأَنَّ من أَوَّلِ علاماتِ تكافُؤ الفُرص هي عدم وجودِ المُحاصصةِ! لأَنَّهما على طَرفَي نقيضٍ لا تُجمَعُ!.

إِنَّ المُحاصصةَ حجزٌ مُسبقٌ للفُرص المُتاحة! أَمَّا التَّكافُؤُ فحجزٌ للفُرصِ نتيجةَ تنافُسٍ حقيقيٍّ في إِطارِ معاييرَ وضوابط مُحدَّدة مُتاحةٌ للجميعِ بِلا استثناءٍ!.

المُحاصصةُ إِستئثارٌ للفُرصِ لا تستقيمُ مَعَ التكافُؤ! يَقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) مُحذِّراً ومتوعِّداً (وَإيَّاكَ وَالاْسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ).

والمُحاصصةُ ضدَّ الإِنصاف التي وردَ فيها عن رَسُولِ الله (ص) (مَن لا إِنصافَ لَهُ لا دينَ لَهُ) والتي يوصي بها أَميرُ المُؤمنينَ (ع) الحاكم بقولهِ في عهدهِ للأَشترِ لمَّا ولَّاهُ مِصْرَ (أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ).

والإِنصافُ يجب أَن يشمِلَ النَّاسَ وليس فئةً دُونَ أُخرى، وهذا هو مفهوم المُواطنةِ، على اعتبارِ أَنَّ الفُرصَ واقتناصها واغتنامها حقٌّ للنَّاسِ كلَّ النَّاسِ وليسَ لحفنةٍ دُونَ غيرِها!.

وصدقَ الله تعالى الذي قَالَ (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ).

ثالثاً؛ العدلُ والمُساواة؛

١/ والذي يتبيَّن من خلالِ وجود القضاء المُستقل غير المُنحاز والنَّزيه غَير الفاسد والمُرتشي.

٢/ عندما تكون المُواطنة والإِنتماء والولاء للوطن هو المعيار الوحيد في القانون والقضاء، ولذلكَ وردت كلمة النَّاس في آية القضاء لأَنَّ العدل للجميعِ بلا تمييز (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) أَمَّا معايير الإِنتماء الدِّيني والمذهبي والإِثني والعشائري والمناطقي والحزبي فلا يمكنُ أَن تحقِّق العدل والمُساواة في الدَّولةِ والمُجتمع أَبداً!.

لا يمكنُ أَن يحقِّقَ القضاءُ العدلَ إِذا كان القانون غير عادلٍ كأَن يقسِّم النَّاس على أَساس إِنتماءاتهِم وأُصولهِم أَو مدى قربهِم أَو بُعدهِم عن الحاكم والزَّعيم والحزب وما إِلى ذلكَ!.

إِنَّ فلسفة البِعثة تقومُ على أَساس تحقيق العدل والمُساواة كما في قولهِ تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فإِذا كان جَوهر البعثة وقيمتها هوَ تحقيقُ العدل والمُساواة، فماذا ستكونُ قيمة الدَّولة وكلَّ أَنظمتها وقوانينها وتشريعاتها إذا لم تحقِّق ذلكَ في المُجتمع؟!.

كما أَنَّ هذا المِعيار يتَّضح في؛

١/ الحقُوق والواجبات، بينَ الحاكِم والمحكوم وبين النَّاسِ أَنفسهُم، فلا يتضخَّم حقٌّ ويضمحلَّ واجبٌ، أَو بالعكس!.

فهل هي ساريةٌ للجميعِ وعلى الجميعِ؟! أَم يتمتَّع بالحقُوق المسؤُول ويتحمَّل المُواطن عبء الواجبات فقط؟!.

هل يتمتَّع المُواطن بحقِّ الأَمن والتَّعليم والصحَّة والسَّكن وتأمين لُقمة العَيش [العمل أَو الإِعانة الإِجتماعيَّة] قبل أَن يُطالَب بواجباتهِ؟!.

هل يتميَّز إِبن الزَّعيم عن أَبناء الغلابة؟! وإِذا مرِضَ فهل يرقُدُ إِلى جانبِ إِبن الفقير في نفسِ المُستشفى؟! وهل يجلسُ على نفس الرَّحلة التي يجلس عليها أَولاد الفُقراء والمعوزين؟!.

هل هو محميٌّ في المنطقةِ الخضراء وإِبنُ الفقيرِ في المنطقةِ الحمراء؟! وهل أَنَّهُ يعاني من فوضى المرور عندما يمرُّ بسيَّارتهِ كبقيَّة النَّاس؟!.

إذا أَردنا أَن نستوعبَ جَوهر الحقُوق والواجبات بشكلٍ صحيحٍ وحقيقيٍّ من دونِ خداعٍ تعالُوا نقرأَ سويَّةً هذا النصِّ العظيم الوارد عن أَميرِ المُؤمنينَ (ع) (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الاَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَيَجْرِي لاَحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لاَحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ).

ويضيفُ (ع) (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ، عَلَى الْوَالِي، فَرِيضةً فَرَضَهَا اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ لِكُلّ عَلَى كُلّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لاُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ.

فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الاَعْدَاءِ.

وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الاِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الاَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِل فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الاَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الاَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ الْعِبَادِ).

هذا يعني أَنَّ أَيَّ خللٍ في ميزانِ الحقُوق والواجبات المُتبادَلة يختلُّ بسببهِ النِّظام فلا يُرتجى منه العدل ولا يأمل منهُ الإِستمرار!.

وهذا هوَ الواقعُ المر الذي نعيشهُ؛ حقوقٌ متنمِّرةٌ ومتغوِّلةٌ للمسؤُول وواجباتٌ مضخَّمةٌ على المُواطن!.

‏ nazarhaidar1@hotmail.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0