الانقسام، وليس الوحدة، هو الاصل في السياسة. وتاتي الديمقراطية لتنظم وتدير هذا الانقسام، بطريقة سلمية، كما ان التعددية الحزبية، وليس الحزب الواحد، هي الاساس في النظام الديمقراطي الذي ينظم تداول السلطة سلميا بين هذه الاحزاب. ومن هنا يكون البلد ديمقراطيا اذا كان بمقدوره تغيير حكومته بدون اراقة دماء، كما يقول كارل بوبر.

هذا هو الدرس الاساس في الديمقراطية السليمة. الديمقراطية التوافقية، والمحاصصة الفئوية، وتقاسم السلطة على اساس المكونات، كل اولئك انحرافات عن الديمقراطية. وهذه كلها ظواهر سلبية وعيوب تاسيس يعاني منها النظام السياسي الحالي في العراق، وهي عيوب جعلت منه نظاما هجينا وليس نظاما ديمقراطيا.

الايجابي في المشهد السياسي الحالي العراقي الان، رغم كل سلبياته، انه يخطو خطوة الى امام في طريق تفكيك التوافقية والمحاصصة والاشتغال السياسي باسم المكونات. لم يعد بمقدور حزب سياسي ان يدعي تمثيل مكون من المكونات. الكل منقسم على نفسه. انتبه البعض الى هذا التحول، ومن هؤلاء الصديق القديم عزت الشابندر الذي قال في حديث تلفزيوني مؤخرا ان هذا الانقسام السياسي طبيعي وعلامة صحة، وهو يعني ان الحالة العراقية غادرت دائرة التوافق بين المكونات الطائفية والعرقية، لتدخل في سباق سياسي للفوز بالسلطة عبر تشكيل كتلة اكبر سوف يُكلف مرشحها بتشكيل الحكومة. وهذا تشخيص سليم وصحيح ويتفق مع معايير واليات وقواعد اللعبة الديمقراطية.

لكن ما ينتقص من الطبيعة الديمقراطية لهذا الانقسام السياسي انه يدور حول "الشخص" وليس حول "الموضوع"؛ بمعنى ان النقاش يدور حول الشخص المرشح وليس حول البرنامج العملي والخدمي للحكومة. ليس عندنا، كما في بريطانيا، من يختلف حول بقاء البلد في الاتحاد الاوروبي او الانسحاب منه، ليس بين الكتل السياسية المتسابقة نقاش حول موضوع سياسي او خدمي يشغل البلد، وما اكثر هذه الموضوعات، انما النقاش هو من هو مرشح الكتلة المطلوب تاسيسها، وهل هو رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي او غيره، ومن غيره؟

ربما سوف نشهد هذه الدرجة الاخرى من التطور بعد الانتخابات المقبلة خاصة اذا تمت على اساس الانتخاب الفردي وليس القائمة.

.........................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1