التخلف المنهجي، مثله كمثل التخلف السياسي والتخلف الاقتصادي، احد مظاهر التخلف الحضاري الذي هو خلل حاد في المركب الحضاري والقيم الاخلاقية والسلوكية الحافة به.

والتخلف المنهجي عبارة عن خلل يصيب العنصر الخامس من عناصر المركب الحضاري وهو العلم. فالمنهج العلمي او العقلية العلمية هي الحالة الحضارية السليمة ويقابلها التخلف المنهجي وهو الحالة غير الحضارية، او الحالة غير السليمة.

المنهج هو نظام الاشتغال، والمنهج العقلي هو نظام اشتغال العقل، والتخلف المنهجي هو خلل في نظام اشتغال العقل.

اشتغال العقل هو حركة العقل من المعلوم الى المجهول من خلال العمليات التي يجريها في المعلومات الحاضرة من اجل الوصول الى المطلوب وفق خطوات وقواعد "منطقية"، والتخلف المنهجي هو عدم اتباع وتطبيق هذه الاجراءات والخطوات اثناء اشتغال العقل الامر الذي سوف يؤدي الى اخطاء منهجية او معرفية او عملية.

في المجتمع المتخلف حضاريا يكتسب الافراد عادات عقلية او منهجية غير منطقية، غير علمية، وبالتالي غير سليمة، لا تمكن الفرد من استخدام عملياته العقلية للوصول الى المجهول، باستخدام المعلومات الحاضرة، لان الخلل المنهجي ضرب هذه المعلومات وطريقة التحقق منها وطريقة استخدامها للوصول الى نتائج سليمة. لا يتعود الافراد في المجتمع المتخلف حضاريا على طرائق التفكير العلمي. بداية الخلل تكون في تعاطي الافراد مع "المعلومات" التي تصلهم عن طريق وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي واحاديث الناس المختلفة وهي معلومات قد تكون صحيحة او غير صحيحة، وقد تكون مجرد اشاعات، او تسريبات كيدية الخ.

لا يقوم الافراد المصابون بالتخلف المنهجي بالتحقيق في هذه المعلومات والتأكد من صحتها، فيسارعون الى تصديقها وتداولها ونشرها بدون تحقيق. ولا يعمد هؤلاء الافراد الى اللجوء الى اهل الخبرة والاختصاص للتاكد من صحة المعلومات، او حتى للتأكد من صحة ترويج المعلومة التي قد تكون صحيحة، لكن ليس من الصحيح نشرها وترويجها.

ومن ابرز صفات الفرد المصاب بالتخلف المنهجي الحديث او اصدار الحكم او التصرف بدون الاستناد الى علم اكيد بالموضوع، فتكون النتيجة ارتكابه الخطأ في الحكم او التصرف او الموقف.

ومن اعراض التخلف المنهجي التسرع بالاستنتاج بدون التاكد من توفر المقدمات اللازمة والصحيحة لهذا الاستنتاج. وتنتشر طاهرة التعميم في احاديث الافراد فيستخدمون صيغة الجمع وال التعريف لتكون احكامهم شاملة للكل حيث يحترق الاخضر بسعر اليابس.

ويصاحب ذلك الشخصنة، وهي استدعاء الخبرة الشخصية في تقييم الفكرة او المعلومة، او استدعاء الصفات الشخصية للمتحدث واستخدامها في الحكم على ما يقول.

وتعوز هؤلاء الافراد القدرةُ على تفكيك القضايا التي تتطلب ذلك، اضافة الى عدم القدرة على المحافظة على وحدة الموضوع اثناء النقاش او التفكير.

ويسارع هؤلاء رفض المقترح بدون القدرة على تقديم البديل، او يقعون في خطأ منهجي اخر هو الانشغال بالمعوقات التي قد تعترض الفكرة او المقترح قبل التفكير بالمقترح ذاته.

وسرعان ما يختلف هؤلاء الافراد فيما بينهم بسبب الضعف المنهجي في القدرة على اكتشاف نقاط الاشتراك فيما بينهم فيقعون في مرض التنازع في نقاط الاختلاف وعدم القدرة على التصالح في نقاط الاشتراك. ويكون من نتائج ذلك التفرق والتمزق المجتمعي و عدم القدرة على اللقاء والعمل المشترك وهذا من اسباب الكثرة المفرطة في عدد الاحزاب السياسية في العراق، رغم مساحات الاشتراك الواسعة بين الافراد وقلة نقاط الاختلاف.

ويعاني بعض هؤلاء الافراد من ظاهرة استدعاء الماضي في الحكم على الحاضر والتعامل مع الافكار المطروحة، الامر الذي يمنعهم من رؤية الافكار كما هي، بل رؤيتها بعين الماضي.

......................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1