هل بالضرورة أن يرتبط الحديث عن مقاطعة اقتصادية لبلد وشعب مسلم، بالسياسة؟ وهل بالضرورة ان يرتبط الخلاف بين دولة كبرى ومتنفذة في العالم، مثل الولايات المتحدة، وبين الحكومة الايرانية، لأي سبب كان، مع مصير الشعب الايراني؟

لا ننسى أننا نكتب ونتحدث من بلاد العالم الثالث بانظمة حكم تحاول ان تكون ديمقراطية في بعض المواصفات والممارسات، بيد اننا لن نصل الى بلاد العالم التي لا يتخذ الرئيس ولا الوزير قراراً يلحق الضرر بابناء شعبه بأي شكل من الاشكال، بل يُعد الكذب او التهرّب الضريبي او أي نوع من الفساد والانحراف، حتى الخُلقي والسلوكي، وصمة عار، ربما تطيح به من قمة المسؤولية، ثم تلاحقه وصمة العار طيلة حياته وبعد مماته.

وهذا يجعلنا ننظر الى القضية من زاوية حضارية وانسانية، وإلا في منطق السياسة، فان "من له الغُنم عليه الغُرم"، وهنالك رأي سائد بان ايران التي تصر على طموحاتها العسكرية والسياسية لاثبات جدارتها أمام الغرب وتحديداً الولايات المتحدة، وأنها ليس البلد الذي يمكن استفزازه او ابتزازه بسهولة، وهو يتميز على سائر دول المنطقة، بل والشرق الاوسط برمته، بعمقه الحضاري وقدراته البشرية وامكاناته الهائلة، مقابل كل هذا، عليها أن تتحمل مشاق المواجهة مع واشنطن، وهو المنطق الذي يتحدث به قادة ايران طيلة السنوات الماضية، فهم مستعدون لكل شيء من اجل تلكم الاهداف والمبادئ.

ولكن؛ علينا ان لاننسى حقيقة أخرى؛ بان المتضرر الوحيد والاكبر في هكذا مواجهات في بلادنا، ومنها ايران، هو جماهير الشعب، وتحديداً الشرائح المتضررة اساساً بفعل السياسات الاقتصادية الخاطئة، والتي تقف على حافة الفقر، بل دونه، ولذا نجد في تصريحات المسؤولين الايرانيين وفي الطليعة؛ رئيس الجمهورية حسن روحاني وآخرين، بأن الرد على العقوبات الاميركية سيأتي من الشعب الايراني وليس من الحكومة والنظام السياسي القائم – مضمون كلامه- ويقول ان الشعب الايراني يقف في خط النار الاول في هذه المواجهة دفاعاً عن حقوقه وكرامته في امتلاك التكنولوجيا المتطورة وان يكون بلداً متقدماً وفاعلاً في المنطقة والعالم.

هذا هو المنطق السياسي السائد في معظم بلادنا الاسلامية، ومن العبث الحديث عن تغيير هذا المنطق، أو إغراق هذا الرئيس او ذاك، بالاتهامات الشديدة بسوق الناس الى الهلاك، لان القضية لا تتعلق برؤية خاصة لزعيم سياسي في هذا البلد او ذاك، إنما هي منظومة فكرية واجتماعية تولد زعماء وأنظمة سياسية من هذا النوع.

ثم لا ينسى المتابعون للشأن السياسي بأن العقوبات الاقتصادية لم تهدد أي نظام سياسي في بلادنا الاسلامية مطلقاً، بقدر ما هددت لقمة العيش في بيوت الناس وتسببت في هلاك مرضاهم وتعكّر صفو العيش لديهم، ومثالنا في ذلك؛ باكستان عام 1998 عندما أصرت حكومتها آنذاك على تحمّل مآلات العقوبات الاقتصادية التي فرضتها ادارة الرئيس الاميركي بل كلينتون، من اجل تحقيق حلمها القديم بامتلاك القنبلة النووية، وهو ما حصل فعلاً، والمثال الأقرب لنا؛ في نظام صدام، الذي تابع الاميركيون تحديداً في تسعينات القرن الماضي، كيف ان قوافل الموتى من الاطفال بسبب المرض وسوء التغذية، والتعبئة الاعلامية حول العالم للتوريج لما كان يسمى "الحصار اللااخلاقي"، تسبب في إطالة عمره السياسي، وإلا كانت الاطاحة به مجرد مسألة وقت ليس إلا، فضمن له عمر سياسي جديد من بعد حرب عاصفة الصحراء وتوغل الجيش الاميركي الى جنوب العراق، عام 1991، وحتى عام 2003.

الرد جماهيرياً قبل ان يكون سياسياً

عندما نظر علماؤنا الى واقع الامة ومآلات الهزيمة والتخلف فيها، فقر وبطالة وكبت للحريات، وجهوا خطابهم الى ابناء هذه الامة التي تعيش هذا الواقع المأساوي، قبل ان تخاطب السياسة وأحزاب السلطة او الزعماء المسكونين بالديكتاتورية والاستبداد، وفي طليعة هؤلاء؛ سماحة الامام السيد محمد الشيرازي - طاب ثراه- فدعا للعودة الى مبادئ الاسلام الحضارية، والتي من شأنها ان تعيد للأمة عزتها وكرامتها، فضلاً عن حل جميع مشاكلها مهما كانت.

وفي عديد مؤلفاته وأحاديثه يكرر سماحته الى تلكم المبادئ العامة والاساس، وهي؛ إلغاء الحدود الجغرافية المصطنعة بين الشعوب الاسلامية، وتبني القوانين الاسلامية، وإطلاق الحريات المشروعة، وايضاً؛ العودة الى الأخوة الاسلامية، وهذه الفقرة الاخيرة هي الأكثر امكانية للتحقق على يد الشعوب، فهو قرار جماهيري وداخلي بحت، لا علاقة له بالسياسة، فاذا عدّ الايراني، الافغاني أخاً له، ولو بمستوى معين، هل بوسع الحكومة الايرانية – مثلاً- معاقبة الايراني على فعله؟ والامر ينسحب على أي انسان مسلم في أي بقعة من هذا العالم الاسلامي الفسيح.

وعندما نقول: القرار جماهيري، فان التطبيقات العملية تكون مهمة المؤسسات الدينية (الحوزة العلمية) والمؤسسات الثقافية والاجتماعية في توجيه هذه المشاعر الأخوية لمواجهة تأثيرات الصراعات السياسية بين الحكومات، وحتى بين الرموز السياسية بين هذه العاصمة وتلك.

لذا نجد سماحة الامام الشيرازي في كتابه "من مأساة بلاد الاسلام" وفي الفصل المتعلق بالعلاج، عندما يتحدث عن الأخوة، فانه يدعو ايضاً الى "شورى الفقهاء والمراجع"، بان يكون هنالك مجلس شورى يجمع الفقهاء والمراجع ويكون "المرجع الاعلى للمسلمين في الامور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعسكرية وغيرها، فيجتمع مراجع تقليد الامة الاسلامية في وحدة واحدة وتشكل شورى المرجعية لتكون هي السلطة العليا للبلاد"، كما يدعو الى تشكيل "احزاب اسلامية حرة" منبثقة من المؤسسة المرجعية، يكون دورها استيعاب قدرات وكفاءات الشباب المسلم وتوجيهها لخدمة الامة وتطورها الاقتصادي والعلمي، وحتى السياسي.

ومن خلال هذه الاحزاب والمؤسسات والاتحادات، او ما يسمى اليوم بمنظمات المجتمع المدني، يمكن تجاوز الأطر السياسية الخانقة ومد يد العون الى أي شعب يواجه حصاراً اقتصادياً او عقوبات جائرة من النوع الذي تفرضه الادارة الاميركية على الشعب الايراني، والذي يترك اثراً بالغاً على الحياة العامة للناس، حيث ترتفع أسعار السلع الاساسية وأكثرها أهمية؛ الغذاء والدواء.

ولمن يسأل عن امكانية تحقيق هذا الطموح وانتقاله من التنظير الى التطبيق العملي، يكفي الاشارة الى فقرة الحدود الجغرافية المصطنعة التي طالما سفهها الامام الشيرازي، وعدّها من وسائل تعزيز الانظمة السياسية الحاكمة طيلة العقود الماضية، فعندما عجزت الشعوب ومن يقف في صفها من مفكرين ومثقفين وعلماء، عن المساس بها، ظهر اليوم زعماء في العالم ويطأوا هذه الخطوط المرسومة على الارض، كما لو انها غير موجودة، فهذا اردوغان في تركيا، وطريقة تعامله مع سوريا والعراق، وقبله ما فعله الزعيم الروسي بوتين مع اوكرانيا بضمّه شبه جزيرة القرم الاوكرانية الى روسيا، بذريعة ان غالبية السكان ناطقين بالروسية، والاختراقات العديدة في دول العالم لهذه الحدود المصطنعة بدافع الحصول على المياه او النفط او الموقع الاستراتيجي.

فاذا كان الحكام أقدر من غيرهم على التلاعب بالحدود المرسومة استعمارياً، فان الشعوب – من جهتها- أقدر على إعادة الروح الى مبدأ الأخوة التي ارساه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، قبل اربعة عشر قرناً من الزمن، وكان سبباً (هذا المبدأ) من جملة اسباب وعوامل لرقي وتقدم الامة الاسلامية علمياً وسياسياً وعسكرياً.

وهذا المبدأ الحضاري في توثبه وانطلاقته من شأنه ان يكون رسالة بليغة الى حكام البلاد الاسلامية من أنهم لن يكونوا بعد اليوم قادرين على مصادرة قرار الجماهير وحريتها في الفكر والعقيدة، وليست وحدها في تقرير مصير الشعوب،وهذا ما فعله الامام الشيرازي عندما ألف الكتاب المشار اليه عام 1999، أي في الايام الاخيرة من حياته المباركة والمعطاءة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2