صعود الجماعات الإسلامية في العالم العربي ونزولها قصة طويلة في العالم العربي والإسلامي، يتحكم في مقدمات كل مرحلة سياسية عوامل داخلية وخارجية، قد تساهم في نجاحها أو في نزولها إلى مستويات متدنية، والتي كان آخرها فوز حزب النهضة التونسي بقيادة الشيخ راشد الغنوشي في الإنتخابات البلدية التي جرت لأول مرة في تونس منذ نجاح الثورة التونسية بالإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في عام 2011.

وكذلك فوز حزب الله اللبناني بزعامة السيد حسن نصر الله، وحركة أمل بقيادة نبيه بري بعدد كبير من المقاعد في الإنتخابات النيابية بعد مرور تسعة أعوام على آخر إنتخابات نيابية. ولمعرفة سر تقدم الجماعات الإسلامية، يمكن لنا أن نقسم تجارب الجماعات الإسلامية على المستوى السياسي إلى المحاور الآتية:

أولاً: تجارب سياسية فاشلة

مرت الجماعات الإسلامية بتجارب فاشلة في مراحل تاريخية مختلفة والمعيار في تصنيف الإخفاق، ومن ثم الفشل في إدارة المواقع السيادية من الدولة وعدم الاستمرار في الحكم أو سوء إدارة الدولة، والضعف في معالجة متطلبات المجتمع وعزلها بعد ذلك عن السلطة بشكل كامل، وتبني العنف والإغتيال، وإضطهاد الحريات، وغياب البرامج والرؤية الواقعية، ففي الفترة المعاصرة يمكن أن نشير إلى تجربة حركة طالبان في أفغانستان، وتجربة حزب الفضيلة بقيادة نجم الدين أربكان في تركيا، وتجربة حزب الحرية والعدالة (الإخوان المسلمين) بقيادة محمد مرسي الرئيس المصري المخلوع، وهناك فشل جزئي لتجربة حركة حماس بقيادة إسماعيل هنية، وتجربة أحزاب الإسلام السياسي السني والشيعي في العراق.

ثانياً: تجارب سياسية ناجحة

يمكن الإشارة إلى تجارب الأحزاب والجماعات الإسلامية الناجحة في أكثر من بلد عربي وإسلامي والمعيار في ذلك القدرة على إدارة الدولة، وتحقيق تقدم سياسي وإقتصادي، والإيمان بالتداول السلمي للسلطة، والتعايش مع الأحزاب والجماعات الداخلية، والتفاعل البراغماتي مع المجتمع الدولي، ومن أبرز هذه التجارب هي: تجربة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا، وتجربة حزب النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوشي في تونس.

ثالثاً: تجارب سياسية متصارعة

هناك تجارب سياسية لأحزاب وتيارات إسلامية لاتزال تتراوح بين الفشل والنجاح، ومعايير الاعتماد في هذا التصنيف هو الصراع الداخلي على السلطة، وفشل في مشاريع ونجاح في أخرى، وتداخل بين ما هو وطني وما هو إقليمي، وما يزال قسما كبيرا من هذه الأحزاب تحظى بمقبولية من لدن جمهورها لحسابات أمنية وسياسية وإقليمية، وأبرز نماذج هذه الأحزاب، هم حزب الله بقيادة حسن نصر الله في لبنان، وحركة أنصار الله (الحوثيين) بزعامة عبد الملك الحوثي، وعدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية والعسكرية في العراق.

رابعاً: تجارب سياسية إرهابية

يدخل في هذا التقسيم كل الجماعات الإرهابية التي تومن بالعنف والرعب الشديد إتجاه الآخر الأعزل المختلف سياسيا ودينيا، ومعيار التصنيف في تجربة هذا القسم من الجماعات الإسلامية تتبنى العنف المطلق (الإرهاب) وتكفير كل القيم الحضارية والإنسانية والدينية التي لا توافق ومنهج الجماعات الإرهابية، وتطبيق نمط فقهي ماضوي منغلق (سلفية قتالية) لا يتوافق مع الفقه والقانون الدستوري، وشرعية الأنظمة السياسية الحديثة، وأبرز نماذج تجارب الجماعات الإرهابية هما تنظيم داعش في العراق وسوريا، وجماعة النصرة (القاعدة) في سوريا وجميع فروع تنظيم داعش في عدد من الدول العربية والإسلامية.

ومع بيان تصنيف حركة النهضة في تونس ضمن قسم الأحزاب السياسية الإسلامية الناجحة وكذلك يظهر تصنيف حزب الله في لبنان ضمن الأحزاب الناجحة التي لا تزال تخوض معترك الصراع المرتبط بالصراعات الإقليمية، نشير إلى أن نجاح أي حزب سياسي أو فشله سياسيا وإجتماعيا يتوقف ومستوى منهاجه وبرنامجه السياسي والإقتصادي، لذا فهذه الأحزاب ومنها الأحزاب والجماعات الإسلامية قد تحتل مكانة مختلفة (نصر أو هزيمة) بعد كل انتخابات.

أما عن سر تقدم حزب النهضة في الانتخابات البلدية الأخيرة والتي جرت 6 مايو من عام 2018 يرجع إلى سبب أساسي، وهو أن حزب النهضة جدد على برنامجه السياسي واهتم براغماتيا بمعالجة المشاكل التنموية في تونس، وعدم تصادمه فقهيا وسلوكيا مع الحريات، وبات أقرب إلى المدنية منه إلى منهاج حركة الإخوان المسلمين الأم ومنظريها الأساسيين كحسن البنا، وسيد قطب، ومحمد مهدي عاكف وغيرهم، وبات الحزب في تونس مشارك في التحالف الحكومي، وآمن بالتعددية السياسية والفكرية والدينية، بل أنه قدم لائحة تضم أشخاص من غير المسلمين وهو ما أثار جدل كبير في تونس وخارجها كون الأدبيات الفقهية التقليدية تحصر حق التشريع والحكم بالجانب الإسلامي فقط.

أما عن سبب تقدم حزب الله وحليفه أمل في لبنان في الانتخابات النيابية، يعود إلى تقدير جمهور حزب الله والجمهور الشيعي في بيروت وضاحيتها الجنوبية إلى جهود حزب الله في محاربة الجماعات الإرهابية على الحدود اللبنانية السورية وفي الداخل السوري، في ظل تصعيد دولي وإقليمي تجاه ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة بقيادة إيران وحلفائها، حيث سيمكن هذا الإنتصار في الانتخابات من لعب حزب الله دور تعزيزي مريح في صنع القرار في الحكومة اللبنانية المقبلة وتقسيم المناصب السيادية والوزارية، وتعزيز موقعه في تحالفه مع النظام السوري والحفاظ على سلاحه ولجم خصومه السياسيين الداعين إلى إنهاء ملف سلاح الحزب أو ما يسميه تحالف سعد الحريري المتراجع في الانتخابات بسياسة النأي بالنفس في إشارة إلى الصراع الإقليمي، إيران من جهة وإسرائيل وبلدان خليجية كالسعودية ومن خلفهما الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2018Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0