من بين ما سمعته وانا صغير، حكاية تتغنى بصبر بدوي، انتظر أكثر من عشرين عاما قبل ان يأخذ بثأر له من رجل اخر، وبعد ان انتهى البدوي من مهمته الثأرية، وقف وقال؛ كم انا مستعجل! وهذه العبارة الاخيرة، هي خلاصة ما يريد ناقلوا الحكاية ان يوصلوه، وهو ان الثأر يبقى حيا مع الانسان ولن يموت الا بموته!

لا شك ان هذه الثقافة، وليدة حقب الانحطاط الثقافي والحضاري، وغياب الدولة والقانون التي مرت بها بلداننا قبل قرون واكثر، واصبحت قارة في نفوس الكثيرين ممن ظلوا يتغنون بها، وكان ينبغي ان تنتهي او تخف، في الاقل، بعد ان سادت ثقافة الدولة وقوانينها، لكن هذا لم يتحقق بشكل كاف، لاسباب كثيرة، ابرزها قصر المدة الزمنية التي خرجنا منها من ظلام الجهل الى الحداثة، وكثرة المشاكل التي رافقت مشروع التحديث نفسه، لاسيما الحروب والازمات الاقتصادية والخلافات السياسية التي استدعت ثقافة الثأر، ولو باشكال جديدة، بعد ان ترحلت من لاوعي نخبنا السياسية والثقافية لتستوطن واقعنا الجديد، وهنا يكمن مازقنا الكبير الذي لا نعرف كيف نتخلص منه.

علاقة العراق اليوم بدول الجوار، تحاصرها الثقافة البدوية تلك، ومن خلال قوى سياسية عملت على تعميمها وتعميقها، ليس بالضرورة بقصد الاخذ بالثأر، بل لتوظيف هذه الثقافة لتحقيق اهداف سياسية. فلا احد من العراقيين لا يعرف مقدار المشاكل مع معظم او جميع دول الجوار. ولو عدنا بالذاكرة الى مطلع القرن الماضي والى وقت قريب لوجدنا كما هائلا من المشاكل والخلافات العميقة وغير العميقة، التي تحول بعضها الى حروب ودماء ومقاطعات وغيرها. لكن السؤال الكبير هو، هل يبقى العراق وشعبه حبيس تلك الخلافات والمشاكل، وينتظر الفرصة او يصنعها لكي يأخذ بالثأر بعد كل عشرين او ثلاثين او خمسين عاما، ليصفي خلافاته؟ اعتقد ان هذا يتنافى مع منطق الدولة ومع الرؤية الحديثة للعلاقات الدولية، ويقطع الطريق على اية فرصة للنهوض، وهو امر نعتقد ان الكثيرين يعرفونه، لكنهم وفي اطار سعيهم لتحقيق اهداف سياسية خارج تطلعات الشعب، يجندون اليوم جيوشا الكترونية وغير الكترونية، للقيام بهذه المهمة، ونقصد بها، التأكيد على الثأر من الدول التي لنا خلافات سابقة معها، او رفض اقامة اية علاقة معها قبل ان نصفي ثأرنا، ولسان حالهم يقول؛ نحن غير مستعجلين على ذلك، فلنقوى اكثر، عسكريا واقتصاديا لنبدأ بجولة جديدة من الحروب الثأرية، او هذا ما يريده هؤلاء، وكإننا بلد لا ينظر الى المستقبل، وانما مشدود الى الماضي، او يراد لنا ذلك، من خلال الاستدعاء المستمر للخلافات التاريخية، الدينية والسياسية وغيرها، لتعتاش عليها قوى سياسية محلية معينة، وظفت جهدا اعلاميا وثقافيا كبيرا يهدف لتحقيق هذا الغرض، خدمة لاجندات غير وطنية، وبذلك نغدو وطنا وشعبا ادوات بيد الاخرين، نستخدم في صراعاتهم علينا ومن خلالنا ايضا وعلى ارضنا، وهذه مفارقة لم تكن موجودة حتى في الثقافة البدوية وحكايتها الطويلة مع الثأر!

العراقيون يريدون اليوم السلام، ويريدون الخدمات الاساسية التي تكاد تكون معدومة، ويريدون التفاعل الايجابي مع محيطهم الانساني كله، بما يحقق لهم الاستقرار، اكثر من حاجتهم للثأر من اية جهة، حتى اذا كانت سابقا قد اخطأت وتريد ان تصحح مسار علاقاتها معنا، او نحن اكتشفنا السبيل الصحيح للوصول اليها وبدء علاقة ايجابية معها، لا فرق، المهم ان الهدف الذي يطمح اليه الشعب يتحقق، ونتجاوز عقد الماضي، التي تريدها جهات معينة، وسيلة لتحقيق اهداف سياسية باستخدامها ثقافة الثأر والاشتغال عليها اعلاميا اليوم، لتوظيفها في الانتخابات القادمة وقبلها وبعدها ربما. وربما نحن نستخدم وسيلة لثأر دول الاقليم او غيرها ضد بعضها البعض وعلى ارضنا وبابنائنا، لان الثأر يبقى غريزة ومن الصعب التخلص منها. لكن العالم عرف كيف يسربها بطرق حضارية، كإن تثأر دولة منتجة للالكترونيات من دولة اخرى منافسة، بانتاج جيل اكثر تطورا لتجعل بضاعتها بائرة في الاسواق! او تطور البلدان فرقها الرياضية لتثأر من بعضها بالفوز عليها في ميادين الجمال والمتعة هذه، بدلا من ميادين الموت والقتل. اليس هذا الاسلوب افضل واجدى للثأر من الاخرين بدلا من الاساليب التي يراد لنا ان نتبعها في اخذ ثأراتنا القديمة، التي يراد لنا ان نبقى عالقين فيها؟

نامل ان يكف محركو الجيوش الالكترونية المشتغلة بقوة هذه الايام على تعبئة الشارع للانتقام من هذه الجهة او تلك، لان هذا لا تريده الناس ولا حاجة لها به.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1