عند قراءتي كتاب "الاشتراكية البريطانية"، الذي يروي قصة نشوء وتأسيس حزب العمال البريطاني، توقفت عند خطبة لاحد النقابيين البريطانيين، ممن كانوا متذمرين من واقع العمال المزري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لقد وقف كيرد هاردي، او هكذا اعتقد اسمه، خطيبا، قبيل الانتخابات النيابية، التي لم يكن هناك حزب اشتراكي ينافس فيها، لان حزب العمال تأسس لاحقا، وقال بما معناه، ان لا جدوى من هذه اللعبة، ففي كل مرة، حين يفوز حزب المحافظين، يكون حزب الاحرار في المعارضة، واثناء حكم الاول، يبقى الاخير يهاجم خصمه ويعد الناس بتغيير احوالهم، اذا ما انتخبوه في الدورة القادمة، لان المحافظين لم يغيروا الواقع البائس، فتنجذب الجموع الفقيرة لهذا الخطاب، وتنتخب الاحرار، ومن ثم تعاد الكرة، اذ يعجز الاحرار عن تحقيق وعوده الانتخابية للناس، فينتهزها خصمه، حزب المحافظين، ويبدأ بتأليب الناس ضده. هكذا تبقى الناس معلقة على وعود احزاب برجوازية غير قادرة على تغيير الحال، وان الحل، كما يرى هاردي، الذي يذكر مؤلف الكتاب، انه لم يقرا حرفا واحدا لماركس، يكمن في ان يمسك العمال بالسلطة، لانهم الاغلبية المسحوقة والمستلبة، التي ينظر اليها عند كل دورة انتخابية على انها مجرد ارقام جاهزة لا اكثر.

من تلك الارهاصات، توقع المراقبون، ان الثورة الاشتراكية ستقع في بريطانيا وليس في روسيا.

قبل ايام تناقلت وسائل الاعلام المختلفة، خبرا يتحدث عن نية مجلس النواب العراقي، مناقشة مسالة العشوائيات التي انتشرت بكثافة بعد العام 2003، ويقال ان هناك اصواتا حزبية او ممثلي بعض الاحزاب في مجلس النواب الحالي، يتسابقون في الاعلان عن دعمهم لتشريع قانون لتمليك المجمعات العشوائية تلك لشاغليها. ويقال ايضا ان عدد العشوائيات في بغداد والمحافظات، بات كبيرا جدا، حسب الاحصائيات الرسمية الاخيرة، ما يعني ان فرصة الحصول على اصوات هؤلاء باتت سانحة من خلال تشريع القانون الذي ستدعي كل جهة، في حال اقراره، انها صاحبة الفضل فيه، والاحق طبعا في الحصول على اصوات المستفيدين منه.

لقد سمعنا قبل اكثر من عشر سنوات، ان هناك مشروعا اسكانيا كبيرا شرقي العاصمة، سمي "عشرة في عشرة" أي عشرة مجمعات كبيرة تنجز في عشر سنوات، سيبدأ العمل به، بعد اكمال التصاميم، وصارت الفضائيات المحلية تعرض لنا باستمرار، مجسمات متحركة لتصاميم هذا المشروع الذي خلب الالباب، وجعل الكثيرين يعيشون في احلام يقظة وردية. الاّ ان صراع الاحزاب فيما بينها وخشية بعضها من ان يجيّر المشروع لصالح هذا الحزب على حساب ذاك، جعل الحلم الذي لو بدأ العمل فيه منذ ذلك الوقت، لانتهت ازمة السكن في العاصمة الان، لاسيما في الرصافة التي تعيش واقعا سكنيا مزريا حقا.

نعود ونقول، سواء ناقش المجلس قانون العشوائيات او لم يناقشه، فان مجرد اثارته قبيل الانتخابات، يكشف مدى تردي الرؤية المستقبلية للتنمية في بغداد والمحافظات، والتي يجب ان يكون الاسكان في مقدمتها، لان ذلك يؤشر خللا كبيرا في التخطيط العمراني، والاعتياش السياسي على مشاكل الناس وهمومها الكثيرة الملحة، والتي يكثر الحديث عنها والمطالبة بتحقيقها عند قرب كل دورة انتخابية.

الشيء الذي يجدر ذكره، انه خلال الدورتين الانتخابيتين السابقتين، أي قبل اكثر من ثماني سنوات، جرى الحديث عن حكومة الاغلبية السياسية، لكن هذا لم يتحقق، لان الاصطفافات الطائفية، والحفاظ على المكاسب الحزبية والشخصية، تحول دون تحقيق ذلك، ويبقى الجميع في الحكم والمعارضة معا، وان الجميع يتحدث عن ضرورة القضاء على الفساد والقصاص من الفاسدين مع قرب الانتخابات، بينما المواطن العراقي يبقى مشدوها وهو يستمع لهذه الاصوات التي تعلن براءتها من الفاسدين، وتدعوه بصلافة، لإعادة انتخابها للقضاء عليهم!

هل يمكن عد الحديث عن تمليك العشوائيات لشاغليها نوعا من الفساد؟ نعتقد ان الكلام الذي دار مؤخرا عن تورط بعض الاحزاب في المتاجرة بهذه الاراضي التابعة للدولة، خلال السنوات الماضية، في ظل الفوضى التي عصفت بالبلاد، ومن ثم الحديث عن تمليكها، امر يستحق التوقف عنده، وان مناقشة مسألة العشوائيات يجب ان يتم، لكن ليس في مجلس النواب بل في اروقة القضاء، لان الاستمرار في سرقة المال العام باسم الانسانية ومن ثم المتاجرة به لأغراض انتخابية، جريمة مزدوجة، وان الحكومة القادمة مطالبة بفتح هذا الملف، بعد ان صار الحديث عنه يدور على السنة اعلى المسؤولين في الدولة. وان شرط تحقق القصاص يكمن في عدم اعادة انتخاب من سرق اموال الناس واراضيهم وحلمهم في سكن وعيش كريمين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4