ارتبط مستوى النمو والتقدم في دول عدّة في العالم بمستوى تطبيقها للديمقراطية ومساحات الحرية للرأي والانتقاد والتصويب، لذا فان مصطلح "المعارضة" في تلك الدول لا تثير لدى الناس المخاوف من الصراعات السياسية والاقتتال للوصول الى قمة السلطة، كما يحصل في بعض البلدان التي تجرب الديمقراطية بصعوبة بالغة، لان فكرة المعارضة نشأت لديها في طقوس المواجهة الساخنة مع الديكتاتورية، وبعد وصولها الى السلطة حملت معها انطباعات تلك الطقوس المشحونة بالعنف بكل اشكالها، لذا فانها تجد نفسها الجدار الاخير في طريق الديمقراطية، وان الزمن توقف على اعتاب هذا الزعيم أو تلك الاحزاب.

ولا يدعي أحد في العالم أن الديمقراطية من حيث النظرية والتطبيق ناجحة مائة بالمئة في العالم، مهما كان حجم الادعاء في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها، لانها تبدي عجزها عن تحقيق مصالح الغالبية العظمى من الشعوب الغربية، ولا احد يجهل ما لقانون الضرائب من اجحاف بحق المواطنين، مما يدفع الكثيرين؛ لاسيما من ذوي اليد الطولى من مشاهير السياسة والتجارة والفن والرياضة، للتهرب الضريبي، كما نشهد إرهاق اقتصاديات هذه الدول بالانفاق الجنوني على التسلّح او خوض الحروب والصراعات السياسية، وليس آخرها سيناريو داعش الذي أفقد الشعوب الغربية الامن والاستقرار لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.

مع ذلك؛ فان "الديمقارطية الاستشارية" كما يفضل ان يسميها المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي- طاب ثراه- في كتابه؛ فقه السياسة، لها الفضل في توفير الحريات ونمو الكفاءات وصقل المواهب والقدرات الانسانية، ثم مراقبة عمل مؤسسات الدولة من خلال وسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية، وهي بمجموعها تمثل احد مصاديق المعارضة السياسية الايجابية، وكلما توفرت الشروط الصحيحة لعمل هذه المعارضة، كلما تحققت نسبة أعلى للنجاح في النظام الديمقراطي، وإلا فان في جميع البلاد الغربية (الديمقراطية) هنالك احزاب معارضة، بيد أنها لم تحُل دون حصول الكوارث والاخطاء الجسيمة في ميادين السياسة والاقتصاد والامن وحتى البيئة التي ضربت هذه البلاد خلال السنوات الماضية.

وهذا يعني البحث عن كيفية تقويم عمل المعارضة (الديمقراطية الاستشارية)، ومن دون وجود معايير تحدد صحة الطريق، نكون قد عدنا الى أوائل القرن العشرين عندما وصف السياسي البريطاني المعروف؛ تشرشل بان الديمقراطية "افضل الخيارات السيئة".

والمعروف عن الاحزاب السياسية، ومعها وسائل الاعلام التابعة لها، انها تتهرب دائماً من الفشل وتسعى لإلقائه على الآخرين، وتبرئ نفسها من أي فاسد او منحرف مهما كانت الادلة، وهذا ما نجده في معظم الدول المدعية تبنيها للديمقراطية، والمثال الأبرز؛ العراق، وبلاد اسلامية اخرى، الامر الذي يغير عمل المعارضة للتصويب والانتقاد البناء، الى الهدم والتسقيط، ومن ثم؛ بقاء البلاد في قاع التخلف رغم وجود الثروات والقدرات الانسانية.

ويشير سماحة المرجع الراحل في كتابه (الفقه السياسة) الى ثغرة اخرى لا تقل خطورة عن الاولى في الديمقراطية الاستشارية، وهي استهانة الناس "بالقانون وبالقائمين بالحكم، وذلك لأن القانون خصوصاً الجزائي منه يمشي في الحكومة الديمقراطية مشي السلحفاة، حيث إن تشابك الحكام بالشعب يقف دون إجراء القانون، فإن الوساطات والصداقات والرشوات تجد في الحكم الديمقراطي سوقاً رائجة". كما يشير سماحته الى امكانية استغلال هذه الاجواء غير المنضبطة من قبل اصحاب الرساميل والمصالح الاقتصادية الكبرى لتحقيق مصالحهم على حساب لقمة عيش الناس وحقوقهم وكرامتهم.

ولذا نجد سماحته يطرح الحل في وجود "الفقيه العادل" الذي يكون "المشرف الأعلى على الدولة حسب ولاية الفقيه، وبذلك يكون هو المرجع الأول والأخير، والمقوم لانحراف الدولة وما إليها"، ومن أبرز محاسن هذا الاشراف، استناد الفقيه وعالم الدين الى قواعد رصينة تمكنه من التفسير والتقويم مع أقل احتمالات الخطأ نسبة الى مساعي الآخرين، فالى جانبه القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة أهل البيت، عليهم السلام، الى جانب رصيده المعرفي والثقافي والعلمي.

واذا نقرأ في تاريخنا الحديث تجارب ناجحة ومضيئة لدور معارضاتي – إن صح التعبير- لمراجع الدين والعلماء في شؤون الدولة والمجتمع، مثل تجربة التصدّي للاستغلال الاقتصادي البريطاني في قضية التبغ الايراني، وفي تجربة التصدّي للاستعمار السياسي البريطاني ايضاً في العراق من خلال ثورة العشرين، وايضاً التصدّي لموجة الإلحاد والغزو الفكري في خمسينات القرن الماضي، فان تاريخ المرجعية والحوزة العلمية طيلة القرون الماضية، حافلٌ بالتجارب الناجحة في تقويم عمل الحكام والولاة وتقديم النصح والمشورة لهم، فضلاً عن رفد الناس بالاحكام الدينية والتوجيهات الاخلاقية في مختلف شؤون حياتهم.

وبما أن المعروف عن علماء الدين الشيعة على مر التاريخ، احتفاظهم باستقلالية القرار ومصادر المال عن الحكام، وابتعادهم عن بلاط السلاطين ودوائرهم. فان الاحتفاظ بهم دائماً كمعيار توزن بها الاعمال السياسية للدولة، من شأنه تعزيز قوة هذه الدولة مما ينعكس على المجتمع والامة بالامن والاستقرار والتقدم، لأن العالم يرى الإصلاح والتقدم من منظار القيم المقدسة والسامية، فاذا كانت تهدد بشيء، فانما تهدد الشوائب والانحرافات التي تطرأ على المسيرة السياسية فيكون الاضطرار لاستئصالها، ويتوجب بالمقابل الصبر والتحلّي بالحكمة والشجاعة وبعد النظر لما بعد عملية التشذيب والتقويم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1