(الأرض لم نرثْها من آبائنا بل اقترضناها من أبنائنا)
مثل صيني

 

في القضايا التي تتعلقُ بمصيرِ الأمم ِوالشعوب، يديرُ السياسي المعاصر حوارا مسؤولا بين ابناء الأمة الراحلين وابنائها القادمين، بين اولئك الذين غادروا هذه الدنيا من عشرات و مئات والاف السنين، بأحلامهم ومشاريعهم وأرواحهم ودماء محاربيهم وظروفهم التي المّت بهم وانتهى الحاضر الذي تركوه على ماهو عليه.

وبين من لم يتكونوا في الظهور والارحام بعد؛ الاجيال القادمة التي ستتسلم الارضَ من سكانها المؤقتين الذين هم نحن. فليس من حق السياسي المعاصر أن يتخذ اجراءً فردياً تحتمه فرصٌ طارئة أو قوة مرحلية أو تحالفات وموازنات معينة لاتخاذ قرار مصيري حتى لو كان ذلك تغيير اسم جبل أو شجرة أو نهر أو محافظة. والا لأصبح مثل صدام حسين يُهدي أرض (الرويشد) العراقية للأردن ويهدي (منطقة الحياد) للسعودية في لحظة عسل عروبية مارقة، في وقت يحرّك جيش البلاد لاحتلال الكويت لأنه شاهدها على خارطة قديمة بلا حدود !

ولذلك يتجنب اي شخص او حكومة او جهة تحمل المسؤولية المباشرة في تاريخ انفصال الدول أو اتحادها. فطالما تعمد الشعوب سواء في المقاطعات التي تريد الانفصال او الدول التي تريد الاتحاد الى تفعيل حراك التأييد والمعارضة داخل المجتمع الواحد، هناك اعلام وآليات وقادة للمعارضة، وهناك اعلام واليات وقادة للتأييد، وبذلك تجد الشعب ينتخب بحرية مخيرا بين الاحلام المشتركة العليا وبين الظروف والفوائد والمكاسب خاصة المستقبلية، فالحياة والدولة والارض ليست ملك لمن يصوتون انما هي ملك للقادمين الذين يريدون فرصا لحياة افضل من حياة ابائهم.

الحتمية التاريخية الثورات المسلحة التي قامت بها الشعوب، أو تأسيس حركات او انفصالات، كله مرتبط بحتميات تاريخية تتيح لها ذلك، تبدأ من المزاج الدولي الى طبيعة الاحداث الى ظروف العالم التي لن تقف عند قناعة واحدة على مدى التاريخ، فتجد عرفات (الارهابي )، ضيفا على الامم المتحدة وشريكا لرئيس اميركا التي اعتبرته كذلك، وترى مانديلا السجين الخطير الشهير رئيسا لبلاده، والعكس كذلك.

وترى ربيعا لموجة الانقلابات العسكرية ضد الانظمة الملكية كما حصل في خمسينيات العالم العربي، او اعاصير الثورة عليهم كما يحصل اليوم. ولذا ترى الشعوب التي ارادت الانفصال مثل الاسكوتلنديين في المملكة المتحدة والكيبيك في كندا، الكتولنيين في اسبانيا، والايرلنديين الشماليين الذين القوا السلاح وتفاوضوا مع الحكومة البريطانية المركزية عام 2005 بعد نضال مسلح طويل من اجل الاستقلال، مرتبطة نتائج استفتاءاتهم بعوامل الخوف من المستقبل في عالم يميل الى التحالفات والانضمام للتكتلات بدل انفلات دول منفردة جديدة في عالم يغلي ويتغير واقتصادات غير مأمونة العواقب مع تبدلات الطاقة واسعارها وتغير انظمة الاتصالات واسواق العمل وظهور انواع عجيبة من الارهاب وثقافات العنف ضد الاقليات وغير ذلك من حروب ومؤامرات الكبار الغامضة.

استفتائستان

مايحدث في اقليم كوردستان يعد في ظل هذه الحتميات والتفاصيل، اضعف نماذج الانفصالات والاستعداد لها:

اولا: لاوجود لفعاليات كوردية منافسة لدعاة الانفصال، وهو امر غير طبيعي مع شعب عاش لمئة سنة متداخلا مع قوميات متنوعة في البلاد. حيث يحكم قرار الانفصال او اجراء الاستفتاء مزاج فردي شخصي وسط وجوم عام، واتهام بالخيانة القومية لمن يقف ضد القرار.

ثانيا: الاسباب المساقة للانفصال تمثل خلافات مع سلطة متغيرة وتجاذب سياسي لشركاء سياسيين عربا واكرادا وغيرهم ولديهم جميعا مشاكل مع اقوامهم، وهم مسؤولون جميعا عما يحصل لكونهم شركاء في المقدمات التي ادت اليه.

ثالثا: قرار ضم الاقليم ليس عراقيا، لان العراق غير موجود أساسا حين تقرر ذلك، وان الدساتير العراقية الدائمة والموقتة كلها تشير الى ان هذه الدولة مكونة من قوميتين رئيستين هما العرب والكورد، وكلمة (رئيستين) لحفظ حقوق الاقليات الاخرى ضمنا.. اجراء الاستفتاء وانفصال الكورد انما يجعلهم يتخلون عن أرض هي لهم قانونيا ودستوريا !، وان اقليم كردستان سيكون اكثر استقلالا وقوة وفرصا للنمو في المستقبل مما يمكن تسميته بـ (استفائستان)، الدولة التي تقوم على استفتاء قلق في شرعيته ومقبوليته وتوقيته.

رابعا: مظاهر الاستفزاز السطحية والسوقية من جميع الاطراف واشراك اسرائيل في الموضوع بصورة مهلهلة وشتم المقدسات او التهديد المقابل بالحرق والموت وغير ذلك. يعد فشلا ذريعا في توفير الارضية المعتادة لهكذا اجراءات تستوجب رسائل الطمأنة واحترام التاريخ المشترك على اية حال.

خامسا: بغض النظر عن التصريحات والتوصيفات المعلنة. قد يجد الاستفتاء والانفصال له موطئا على خارطة المنطقة الاقليمية، اذا كان قد تم بتنسيق دولي واقليمي منسجم مع خرائط المنطقة الجديدة. اما اذا كان قرارا ذاتيا فان خروج كردستان من العراق يشبه دخول صدام للكويت/مغامرة ومقامرة والقاء ٍبالنفسِ الى التهلكة.

حياة افضل

الخروج من هذا المأزق بحاجة الى شجاعة، الى الترفع عن ركام الاخطاء والازمات والاستفزاز، المجتمع العراقي والدولي الان ينتظر اية اشارة من السياسيين الكورد كي يتعامل معها بإيجابية، والعكس كذلك. فعلى الجميع لإن ارادوا خيرا وإن جاء متأخراً؛ ان يديروا حوارا بين أبناء الارض الراحلين والقادمين، بين اولئك الذين غادروا هذه الدنيا من عشرات ومئات والاف السنين، بأحلامهم ومشاريعهم وأرواحهم ودماء محاربيهم وظروفهم التي المّت بهم وانتهوا الى الحاضر الذي تركوه على ماهو عليه. وبين من لم يتكونوا في الظهور والارحام بعد؛ الاجيال القادمة التي ستتسلم الارضَ من سكانها المؤقتين الذين هم نحن.

فالحياة والدولة والارض ليست ملكا لمن يصوتون اليوم انما هي ملك للقادمين الذين يريدون فرصا لحياة أفضل من حياة آبائهم.

*عبد الحميد الصائح، كاتب واعلامي، عضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2