ثمة ضرورات معرفية واجتماعية كثيرة، تتعلق ببذل الجهد العلمي والمعرفي في عملية تأصيل القيم والمفاهيم، التي تساهم في إدارة حالة التنوع والتعدد في المجتمعات الإنسانية؛ لأنه لا يمكن دفع المجموعات البشرية المتنافسة أو المتصارعة نحو خيار آخر مختلف، إلا بإقناعهم ثقافياً ومعرفياً بالخيار المختلف، بحيث لا تشعر المجموعات البشرية أن خضوعها أو التزامها هذا الخيار الجديد يشكل عبئاً اجتماعياً ونفسياً عليها. لذلك تنبع الحاجة إلى استمرار التأصيل المفاهيم التي تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجموعات البشرية التي تعيش في إطار وطني واحد.

ولعل من أهم هذه المفاهيم، التي تحتاج إلى تأصيل وتظهير معالمها في التجربة الإسلامية التاريخية الخالدة، هو مفهوم التعايش السلمي.. حيث ينطلق أو يتأسس هذا المفهوم من عدة مقدمات نظرية أساسية يمكن بيانها من خلال النقاط الآتية:

أن جميع المجتمعات الإنسانية تعيش حالة التعدد والتنوع الأفقي والعمودي، وإن حالة التنوع تخلق حالة من التنافس في أحسن الحالات، أو حالة من الصراع المفتوح بين هذه المجموعات البشرية. ولا ريب أن خضوع حالة التنوع إلى مقتضيات الصراع يعني المزيد من الفوضى، وعدم قدرة أي مجتمع على صيانة وحدته واستقراره الداخلي.

ولكن مفهوم التعايش يسمح لكل المجموعات البشرية أن ينافس بعضها بعضاً إلا أنها جميعها محكومة بصيانة وحدتها الوطنية والاجتماعية، من خلال منظومة قيم التعايش السلمي.

إن التعايش بين الأطراف والأطياف ليس حالة سلبية، وإنما هو نزعة وحالة إيجابية، تعمل على تظهير المساحات المشتركة والعمل على تفعيلها في الفضائيين الاجتماعي والثقافي، فالتعايش لا يساوي التساكن، وإنما الانفتاح والتفاعل في صناعة المستقبل والمصير المشترك.

إن قيمة التعايش قيمة مضادة لحسم التنافسات أو التباينات بين المجموعات البشرية بوسائل قسرية وعنفية، وعليه فإن قيمة التعايش تساهم في إبراز البعد المدني من الصراعات والتنافسات الاجتماعية والسياسية. فمن حق الجميع أن يختلف مع الجميع، ولكن هذا الاختلاف يدار بوسائل سلمية حضارية، وأي محاولة لحسم الاختلافات والتباينات بوسائل عنفية هي حالة مضادة لقيمة التعايش السلمي في المجتمع والوطن الواحد.

انطلاقاً من هذه المقدمات النظرية يمكننا أن نقترب من التجربة النبوية فيما يتعلق بتعزيز قيمة التعايش السلمي في ظل مجتمع جديد، وجاء أفراده من بيئات متعددة ويحملون قيماً اجتماعية وأعرافاً، ليست بالضرورة متناغمة بعضها مع بعض.. فالتجربة النبوية تعلمنا أن قيمة التعايش السلمي لا تبنى إلا باحترام المختلف والمتنوع بصياغة نظام قادر على استيعاب الجميع من دون نزعات الغلبة والمغالبة.

فحركة الأنبياء ورسالاتهم السماوية، هي مصداق خارجي إلى تلك القيم والأفكار الحية، التي جاءت لنقل الناس من الظلمات إلى النور، ومواجهة كل تلك الأفكار والتوجهات، التي تلغي دور الإنسان في الحياة، وتميت دوره ووظيفته في الحياة.

فالتجربة النبوية بكل مراحلها وأطوارها هي تعمل في آن واحد من أجل:

* استنبات قيم الخير والصلاح وغرسها في نفوس الناس وعقولهم وفي الفضاء الاجتماعي، بحيث تكون حركة الإنسان فرداً وجماعة متسقة ومعنى الخيرية والصلاح والعبادة بالمعنى العام قال الله تعالى: [قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين].

* طرد كل الأفكار التي تجمد الإنسان وتجعله أسير التقاليد البالية أو ترفعه إلى ممارسة العنف والقتل ومقاومتها. فالأنبياء جميعاً جاؤوا من أجل تهذيب النفس والعقل، وإخراج الإنسان من ربقة الأفكار الميتة والأفكار القاتلة.

وحينما يتحرر الإنسان من هذه الأفكار ويجسد كل مستلزمات الأفكار الحية، فإنه يتحول إلى طاقة إيجابية خلاقة، تتجه باستمرار صوب البناء والعمران.

* صياغة نظام حياة ومصالح ترعى خصوصيات الأفراد والجماعات الفرعية، من دون أن يتغافل عن مقتضيات الجماعة ونظام مصالحها.

ولعل نظام العيش الواحد أو المشترك هو الأقدر في ظل التنوع والتعدد الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية لضمان مصالح الجميع من دون افتئات أي طرف على الآخر. وهذا النظام لا يساوي المساكنة السلمية بين المختلفين والمتنوعين، وإنما يعني العمل الجمعي باتجاه بناء نظام مصالح يضمن حقوق الجميع من دون إلغاء للمكونات الخاصة أو محاربتها.

فالتنوع الاجتماعي ليس عيباً يجب إخفاؤه، وإنما هو جزء من الناموس والطبيعة البشرية، وأي جهد - فردي أو جماعي - لإلغاء هذا الحقيقة الناموس، أو محاربتها، فإن مآل كل هذه الجهود الفشل والإخفاق؛ لأن حقائق المجتمع بطبعها حقائق عنيدة وضاربة بجذورها في عمق التاريخ والاجتماع، ومحاولات الاستئصال والإلغاء، تزيد هذه الحقائق رسوخاً في الوجود الاجتماعي العالمي.

فكثير من الحروب الدينية والمذهبية والقومية في عدد من البلدان، يعود إلى طبيعة الخيارات السياسية المستخدمة، التي تلجأ إلى القوة والقهر لدحر هذه الحقائق المجتمعية لمصلحة حقيقة واحدة، أو نسق أيدلوجي واحد. وأصحاب هذه الحقائق مهما كانت الضغوطات التي تواجههم، فإنهم سيتشبثون بخصوصياتهم وعناوينهم وحقائقهم الذاتية. فالعجز عن إقامة نظام سياسي واجتماعي وثقافي يستوعب جميع هذه الحقائق والخصوصيات، هو أحد الأسباب العميقة التي تنتج ظاهرة الحروب الدينية والمذهبية والقومية.

ولا مناص إذا أرادت مجتمعاتنا الخروج من نفق الحروب والتوترات والأزمات الطائفية والمذهبية، إلا الاعتراف بهذه الحقائق، وبناء نظام مصالح مشترك، يستوعب هذه الحقائق ويحميها من كل المخاطر والتعديات.

والتجربة النبوية في المدينة المنورة، تعلمنا هذه الحقيقة، فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يلغ حقائق المجتمع، ولم يعمل من أجل دحر خصوصيات فئات ومكونات المجتمع، وإنما عمل على بناء نظام سياسي وإداري وقانوني متكامل يضمن خصوصيات الجميع، ويزيل كل عناصر الجفاء والتوتر بينها، ويعمل على بناء متحد اجتماعي مستند إلى احترام التنوع في سبيل بناء وحدة صلبة.

ومدونة المدينة المسماة ب (صحيفة المدينة) هي الوثيقة النبوية التي تؤكد هذا الخيار وتشرعه، وترى أن الوحدات الاجتماعية، لا تبنى بمخالفة حقائق التنوع ومعاندتها، بل باحترامها وتقديرها وحمايتها قانونياً وسياسياً.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق