لم يسبق ان بلغ الصراع بين الكرد والدولة المركزية في العراق حدا حاسما كما بلغه الان، فحديث الساسة الكرد صار علنيا عن قرب اعلان الدولة والمجازفة بكل شيء من اجل رؤية الحلم والطموح القومي الكردي يتحقق بإعلان وحدة سياسية جديدة اسمها جمهورية كردستان.

وسواء تأخر اعلان الدولة من طرف واحد او قرر من يقودون مشروع الدولة الكردية التريث بسبب المعارضة القوية والحازمة من دول الاقليم المجاورة او الدول الكبرى والنافذة في النظام الدولي الحالي، فان الكرد قد صعدوا من سقف الخطاب الانفصالي الاستقلالي لدرجة لايمكن القول معها ان تسويات مؤقتة يمكن ان تقنعهم بالتراجع عن المشروع الحلم، ولهذا لايمثل الاستفتاء وطريقة فرضه في المناطق المتنازع عليها، الا اختبارا متعمدا ومخططا له، لقياس قوة رد فعل الدولة العراقية ومؤسساتها الرسمية وهياكلها السياسية والشعبية.

تبدو الخيارات المتاحة امام الدولة العراقية مدروسة عند مخططي مشروع الاستفتاء والاستقلال، ولهذا سارعوا الى تكرار القول بان جارين جيدين أفضل من شريكين متخاصمين داخل كيان واحد، وللاسباب التالية:

اولا: ان الكرد لم يعودوا يحذرون من رد فعل عسكري من بغداد لعلمهم ان ساسة الدولة العراقية حاليا لايفكرون بتهور ولديهم تجارب تاريخية ماثلة امام اعينهم تذكرهم ان استخدام القوة مهما بلغت حقانيته ومشروعيته ودستوريته لكنه لن ينهي المشكلة ولن يضع حدا للطموح القومي الكردي وسيحمل الشعب العراقي خسائر مادية وبشرية وويلات وكوارث لن تزيد العراق الا خرابا ودمارا وهو مايزال يخوض حرب تحرير اراضيه من براثن الارهاب ويعاني من حرب استنزاف ارهابية في مدنه وحواضره وبناه التحتية، وهو لم يخرج من حالة الحرب حتى الساعة رغم الجهود المضنية والتضحيات العظيمة.

ثانيا: يدرك بعض القادة الكرد ان هناك كوابح دولية ستمنع اندلاع حرب بين السلطة المركزية والاقليم، بفعل العلاقات التي نسجها الكرد مع الدول الكبرى وحصولهم على ميزات ضخمة اصبحت تشكل سياجا حاميا للمشروع القومي الكردي. ورغم المعارضة الدولية الواسعة للاستفتاء لكن بيوت الخبرة وجماعات العلاقات العامة ولوبيات الضغط والمصالح وفرت معطيات لصالح الكرد حفزتهم على المغامرة بدفع الامور باتجاه الاستفتاء ومن ثم اعلان الدولة والانفصال.

ثالثا: نجح الكرد في بناء هياكل الدولة سياسيا واقتصاديا ومؤسساتيا ونجحوا في تعبئة سكان الاقليم معنويا واقناعهم بمزايا الاستقلال والانفصال على البقاء ضمن كيان العراق الفدرالي وماكان دفع الامور باتجاه حافة الصدام واستخدام خطاب قاسي واستفزازي الا لهذا الغرض. بل ان عدم دفع الرواتب رغم تصدير النفط والاستيلاء على نفط كركوك لم يكن الا تمرينا على تعويد المواطنين الكرد على تحمل المقامرة والصبر في سبيل بلوغ هدف الاستقلال.

رابعا: اختار الكرد التوقيت المناسب عالميا واقليميا ومحليا للترويج لمشروع الدولة المستقلة، بسبب الانشغال بالحرب على الارهاب واضطراب اقليم الشرق الاوسط واحتدام صراعات المحاور وتمكن اسرائيل من المشاركة في تصميم خرائط المنطقة بفعل الصراعات المذهبية والطائفية والقومية المستعرة، ونتيجة تعثر دول محورية في المنطقة وبروز خطابات الكراهية الدينية والقومية.

لهذه الاسباب مجتمعة لايبدو ان الكرد يحاذرون من رد فعل قوي من بغداد سواء قيل ان الاستفتاء يسبب حربا اهلية، او قيل ان العراقيين سيدافعون عن وحدة ترابهم الوطني بكل الوسائل المتاحة بما فيها القوة العسكرية، السيد البارزاني ماض في تحدي سلطات بغداد ومحور خطابه (فليجربوا)، ولهذا لايمكن توقع انفراد فصيل او تيار عراقي بالتحرك بمفرده للرد على خطاب التصعيد الكردي، وتبقى خيارات الدفاع عن حقوق الفئات والمكونات العراقية في المناطق المتنازع عليها وفي الاراضي خارج محافظات دهوك واربيل والسليمانية محفوظة وممكنة، ناهيك عن الاستعداد المفترض قانونيا واداريا ومؤسساتيا للتعامل مع فرضية وقوع الاستفتاء واعلان الدولة من طرف واحد، هناك متسع للمؤسسات والدوائر القانونية والمالية والادارية لوضع خطط للتعامل مع الواقع المفروض الجديد ولو على حساب الاحتمال، فالوقت حرج والارتجال لاينفع في مثل هذه الحالات.

* كاتب وباحث، عضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0