بات واضحاً جدّاً لكلِّ ذي عَينٍ بصيرةٍ وضوحَ الشَّمسِ في رابعةِ النَّهار أَنَّ التَّحدِّي الأَعظم الذي يواجههُ الْعِراق في مرحلة ما بعد الارهاب يتمثَّل بالصِّراع الذي طفحَ كيلهُ على السَّطح خلال الأَيام القليلةِ الماضية بين الدَّولة والكانتونات عندما إِتَّهم [موظفٌ فاسدٌ وفاشلٌ يحتلَّ موقعاً تشريفيّاً في الدَّولةِ لا يهُشُّ ولا ينُشُّ فيهِ حسب الدُّستور] رئيس الحكومة بأَنَّهُ [مُختلٌّ عقليّاً] على خلفيَّة الموقف الرَّسمي لِلعراق من إِتِّفاق [مُحور المُقاومة والمُمانعة] مع الارهابيِّين!.

كما أَن صدور بياناتٍ ورسائل مُشابهة من عدَّة أَطرافٍ [رسميَّة] حملت على موقف رئيس الحكومة يؤكِّد بأَنَّنا أَمام تحدٍّ خطيرٍ بين فكرتَين متناقضتَين! فكرة بناء الدَّولة وتقوية مؤسَّساتها وإِستعادة هيبتها وتوكيد سيادتها وتوحيد خطابها السِّياسي الرَّسمي وبين فكرة الكانتونات التي تقسِّم البلاد الى جزُرٍ سياسيَّةٍ [حزبيَّةٍ وعشائريَّةٍ في جوهرِها] منتشرةً في كلِّ مكانٍ لها علمٌ وشعارٌ ولها [قائد ضرورة] وزعيم تاريخي! تتمنَّى أَبواقهُ أَن لو يُصارُ إِلى إِستنساخهِ مثل [النَّعجة دولِّي]!.

ولقد بدا واضحاً كذلك من خلال تفاصيل صراع التَّصريحات الأَخير أَنَّ الذي يقود البلاد نحو فكرة الكانتونات هو الفريق الذي خسِر السُّلطة وطُرد منها والذي يُحاولُ إِثارةِ الفوضى بكلِّ الطُّرق والأَساليب من أَجْلِ إِفشال مشروع الدَّولة! لصالح أَجندات خارجيَّة يهمُّها جدّاً إِفشال مشروع الدَّولة! بتحوُّل هذا الفريق إِلى ظهرٍ يُركب وضرعٍ يُحلب!.

وإِلّا فكلُّنا نتذكَّر جيِّداً كيف أَنَّ هذا الفريق [الفاسد والفاشل] كان يضغط ويهدِّد كلَّ الشُّركاء في العمليَّة السّياسية لتبنِّي موقفهِ الضيِّق بعد كلِّ أَزمةٍ يثيرها ضدَّ هذا الطَّرف الشَّريك أَو ذاك الاقليمي يَوْمَ أَن كان [القائد الضَّرورة] هو رئيس الحكومة! أَمّا اليوم فنرى الموما إِليه يُحاولُ أَن يُثيرَ الشُّكوك بوجهِ أَيَّ نجاحٍ تحقِّقهُ الحكومة من خلال التَّشكيك بكلِّ شيءٍ حتَّى وصل بهِ الأَمرُ إِلى أَنَّهُ شكَّك بسلامة عقل رئيس الحكومة الذي لا يبعُد عنهُ [حزبيّاً] أَكثر من عدَّة أَشبار! وهو دليلٌ صارخٌ على أَن [الإملاء] هذه المرَّة كان سريعاً وحاسِماً وشديداً بنبرة التَّهديد والتوبيخ إِضطرَّهُ لمثلِ هذا التَّصعيد الخطير الذي طعن بالدَّولة ومؤسَّساتها وبالانتصارات التي حقَّقتها قوَّاتنا المسلَّحة الباسِلة بالدِّماء الزّاكية! وكلُّ ذلك لحسابِ الصِّراع الحِزبي والمصالح الشَّخصيَّة الضَّيِّقة التي تطبِّل وتزمِّر لها وتُسوِّقها أَبواق وذُيول [العِجل السَّمين] والمنتشرة على شبكة التَّواصل الاجتماعي!.

سنقفُ قريباً على كارثةٍ حقيقيّةٍ إِذا استمرَّ الحالُ أَكثر من هذا لأَنَّ إِنتقال الْعِراقِ إِلى مرحلة التَّوظيف السِّياسي والدِّيبلوماسي للانتصار في الحَرْبِ على الارهاب سيفتح الباب على مصراعَيهِ للأَفواهِ اللَّئيمة التي ظلَّت صامتةً مُرغمةً بسببِ المرحلة الخطيرة التي مرَّ بها الْعِراقِ وهو يقاتلُ أَقذر عصابات إِرهابيَّة إِجراميَّة في التَّاريخ الحديث! أَمّا الآن وقد تجاوز الْعِراق تلك المرحلةِ وفيما نقترب من الاستحقاق الانتخابي النِّيابي الجديد فلا أَشُكُّ بأَنَّ فوضى التَّصريحات المُتناقضة ستتصاعد وتيرتها على حسابِ هَيبة الدَّولة ووحدة قرارها وموقفها السِّياسي ما لم يتمُّ وضع حدٍّ لذلك من خلالِ ما يلي؛

أَوَّلاً؛ تشريع قانون في مجلس النُّوَّاب يُجرِّم هذه الحالة عندما تأتي على لسانِ مسؤولٍ في الدَّولة! خاصَّةً إِذا كان في السُّلطة التنفيذيَّة فليس في العالَمِ اليوم مثلَ ذلك إِلّا في الدُّوَل الفاشِلة!.

ثانِياً؛ حصر مسؤُوليَّة التَّعبير عن المواقف السِّياسية الرَّسميَّة برئيس الحكومة ووزير الخارجيَّة فقط لا غَير! فاذا كُنّا نحترم إِختصاصات الوزارات فلا ينبغي لأَحدٍ تجاوز إِختصاص وزارة الخارجيَّة والذي هو التَّعيير عن المواقف الرَّسمية للدَّولة!.

أَمّا اعتبار فوضى التَّصريحات الرَّسميَّة [حريَّة تعبير] فذلك ما تضحك مِنْهُ الثَّكلى التي فقدت إِبنها الوحيد!.

إِنَّ النَّتيجة الطبيعيَّة لفوضى التَّصريحات هو إِنقسام الشَّارع العراقي على إِثْرِها! ولقد رأَينا كيف انشقَّ العراقيُّونَ لِهذهِ التَّصريحات لدرجةِ السُّباب والشَّتيمة ونشر الغسيل القذِر بعضهُم للبعضِ الآخر حتَّى بات الموضوعُ هو الشُّغل الشّاغل لهم بل أَنَّهُ ضيَّع حتَّى نَشوة الانتصار على الارهاب! وأَشغلهم عن الانتباه للتحدِّيات العظيمة التي يواجهونها.

كما اتَّضح من كلِّ ذلك أَنَّ العراقييِّن مازالوا يتعارَكون مع بعضهِم بالنِّيابة عن الآخرين وتسيل دماءهُم وتُهتَك أَعراضهُم وتُستباح أَسرارهم ويفضح بعضهُم البعض الآخر بالنِّيابة عن الآخرين ودفاعاً عن حُرمة الآخرين وسمعتهُم! أَمّا حُرمة الوطن والمواطن وحرمة دمهِ وشرفهِ وعِرضهِ وسمعةِ بلادهِ فأَبخس عندهُ من الثَّمن الذي دفعتهُ السيَّارة لشراءِ نبيِّ الله يوسف (ع)!.

{دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}.

‏ nazarhaidar1@hotmail.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3