وفقا للعرف السياسي فليس من حق أحد أيا كان أن ينازع دولة في ثرواتها وقراراتها ومواقفها، وهذا ينسحب على المملكة العربية السعودية التي وقعت إتفاقيات مذهلة مع الولايات المتحدة الأمريكية أسد الغابة العالمي الذي يوزع الأدوار، ويخفف التوتر ويمنح الهبات ويقرر المسار، وكانت القيمة المالية لهذه الإتفاقيات بلغت مايزيد على 400 مليار دولار في مجالات تعاون وإستثمار وتصنيع وتوريد أسلحة وأشكال من الدعم بما فيها 100 مليون دولار للجميلة اليهودية إيفانكا ترامب التي إستاذنت رجل دين يهودي قبل أن ترافق الوفد الأمريكي الى الرياض.

هلل العرب وكثير من المسلمين وخاصة المتدينون منهم لقمة الرياض، وكانت النزعة الطائفية الدافع الأهم في جملة أسباب تجعل من العرب السنة في الغالب وحكومات عربية علمانية وأسرية توجه السنة في العالم تتوجه الى الحامي الأمريكي أهمها الخوف غير المسبوق من البعبع الإيراني، ورغبة طهران في مد نفوذها في إحياء تاريخي لحضارة عظمى وإمبراطورية عفا عليها الزمن، وصارت تستهلك الجهد والوقت وآلاف الشيعة من أجل إستعادة المجد الغابر وهو الأمر نفسه الذي دفع تركيا السنية لأن تتخذ موقفا مشابها للموقف الإيراني من نواح عدة، وكان غيابها عن قمة الرياض العنوان الأبرز الذي خضع لتشريح وتنقيح من محللين ومعلقين سياسيين.

التهليل العربي الحكوماتي، ولدى مواطنين ناقمين على الحركات الدينية السنية تجاهل مايمكن أن يعقب تحولا خطيرا في السياسة العامة للمنطقة والمتمثل في الإرتماء النهائي في الحضن الأمريكي، والتقارب غير الموضوعي مع الكيان الصهيوني على حساب قضية يعتقد المسيحيون واليهود والمسلمون إنها قضية كونية يترتب عليها مستقبل البشرية الديني.

فالقدس هي العاصمة المنتظرة للدولة العبرية، ولدى اليهود النية في حرق العالم لأجل ذلك، بينما تمثل المعالم المسيحية وكنيسة القيامة وموضع إعدام يسوع قيما مسيحية تشبه ما لدى المسلمين الطامحين في الحج الى مكة كل عام، ويحتفظ المسلمون بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة كإرث ديني لايمكن تغييبه، وهناك تفكير بحرب عالمية هرمجدونية لأجلهما عند كل أتباع الديانات والمنظرين ورجال الدين المتعصبين من كل المذاهب والديانات الثلاثة الرئيسية.

إذا كان العرب السنة المهللون هم الذين يميلون الى السلمية ووضع الأمور بيد السياسيين والقادة ورجال الدين المعتدلين والمقربين من الحكومات. فإن الفقر والحاجة والتسلط السياسي والفشل الحكوماتي يدفع الأغلبية الساحقة من العرب والمسلمين الى ترجيح كفة الجماعات الدينية السنية المعتدلة والمتطرفة على السواء. فحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحركة الإخوان المسلمين في مصر التي تحتفظ بعدد كبير من المسلمين كمنتمين ومؤيدين لها هي من تجتذب فئات إجتماعية ناقمة.

وينسحب الأمر ذاته على المسلمين في شمال أفريقيا التي وصلت بعض الحركات الدينية فيها الى مراكز قرار كما في المغرب وتونس، وبعضها يتحفز كما في الجزائر القابلة للإشتعال، وفي بلدان عربية ومسلمة عديدة يتشدد الناس وهم يرون الهيمنة الغربية والأمريكية خاصة، والثروات التي تنهب وتوزع على شكل إكراميات للجميلات في أمريكا وللحكومات في واشنطن ولندن وباريس وروما وبرلين وغيرها من عواصم هدفها تخريب البلاد المسلمة وتقوية شأن إسرائيل التي يدور كل شيء في فلكها، وتعقد الإتفاقيات لتأمين مستقبلها، وهي تتلقى رسائل التطمين والمقترحات من عواصم قرار عربية لإنهاء القضية الفلسطينية، بينما اليمين فيها يرفض كل ذلك ويعمل على إبتلاع كامل فلسطين وطرد الشعب المظلوم منها والى الأبد والمصيبة إن ذلك يتم بالتنسيق مع حكومة رام الله التي تأمل الخير وماتزال من المجنون الأمريكي ترامب المغضوب عليه في بلاده والذي يغرد على تويتر إنه عاد بمئات مليارات الدولارات وفرص العمل، بينما الشعوب العربية تعيش الجوع والقهر والبطالة وتتوجه زرافات ووحدانا الى المجموعات المتشددة والحركات الأصولية.

إنتهت حركة الإخوان المسلمين العالمية من حملة التطهير الكاملة لقطاعات ومؤسسات حكومية في تركيا، وثبتت النظام الديني الأوردوغاني القاهر، وبدعم وتقوية وتنسيق إيراني كامل. فطهران التي يحكمها الأصوليون منذ 1979 كانت بشغف لقيام نظام أصولي جوارها يوفر لها ضمانات القوة في مواجهة خطر واحد إضافة الى منازع مستمر لطموحات الأكراد الذين يهددون وحدتها، وهو الأمر الذي تعاني منه تركيا أكثر. ولايبدو إن الحركات الشيعية في معرض التراجع مع تصاعد النزعة الدينية التي تتوهج في البحرين واليمن والعراق ولبنان مع إمتدادات ناعمة في بلدان عربية وإسلامية وإستمرار الحضور الروسي في سوريا التي تجتذب الحركات المتطرفة والحكومات من مختلف بقاع الأرض.

إيران تتنفس بقوة بعد قمة الرياض والتمرد القطري الصادم الذي جعل من 300 مليار دولار هباءا بالنسبة لما كانت تنتظره السعودية التي وصف الإيرانيون ماتقوم به، إنه خسارات، وهو بالفعل كذلك لأن دولا وحركات سنية كبيرة ومؤثرة ستشعر بالإقصاء والخطر، فليس من المعقول أن توافق حركة الإخوان المسلمين على الإستنجاد بالأمريكيين لمواجهتها دون أن تتحرك في الإتجاه المعاكس، بينما تجد قطر إنها ستنهار في خضم سيطرة السعودية والإمارات والبحرين، وهذه الدول لاتحتفظ بعلاقة جيدة معها، ودخلت في حروب سابقة معها على الحدود، ولم تجد مساندة سوى من طهران التي تلقت إتصالا هاتفيا من تميم بن حمد يعلن خلاله لروحاني مايشبه التحالف العسكري والسياسية، وبدأ سريعا نوع من التحالف التركي الإيراني، وإستقطاب حاد للمنظمات الفلسطينية التي تواجه إسرائيل، بينما ماتزال الحركات الشيعية تمارس دورها في تمتين جبهتها، ويبدو إنها في معرض التحضير لتحالف نوعي موجه من أنقرة وطهران والدوحة مع مثيلاتها السنية.

قمة الرياض منحت العدو الصهيوني الأمريكي مئات مليارات الدولارات، وقدمت السنة على طبق من ذهب الى إيران وأوردوغان والإخوان خاصة في مثل هذه الظروف التي يشعر السنة فيها إنهم مهانون ومهمشون وضائعون بين الأحلاف والحكومات والإحتلالات، وكان يجدر بالحكومات العاقلة أن تتمهل في إتخاذ القرارات قبل الوقوع في مطبات من هذا النوع يصعب الخروج منها ولكن الواضح إن من يتحكم في الأمور هو الأمير محمد بن سلمان الفتى الجامح الذي لايفقه في السياسة، بينما هو يواجه دهاقنة السياسة في إيران وتركيا والمكر القطري، ويظن إن الإرتماء في الحضن الأمريكي الغربي والتقارب مع تل أبيب سيوفر له القوة والحضور، وهو وهم سيكون باهظ الثمن.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1