يمكن القول أن المحطة الأخيرة التي شهدتها العلاقات الأمريكية-السعودية عادت بمزايا للبلدين، وإن كانت قد تفاوتت حسب أهميتهما وظرفهما الحالي الذي يمران به في ضوء المعطيات التي تمر بها المنطقة.

فبالنسبة للولايات المتحدة، وهي المستفيد الأكبر بحكم كونها اللاعب الأكبر، فقد كسبت فوائد عدة لعل أبرزها:

١- المبلغ المالي الضخم الذي كسبته بفضل الصفقات التي عقدتها مع السعودية. وهو ما لم تحصل عليه إدارة أميركية خلال عقود.

٢- وذلك ما يحسب لصالح الرئيس ترامب الذي أسرع في تنفيذ وعده لناخبيه ومواطنيه بابتزاز دول الخليج.

٣- الحل السريع والمضمون لكثير من مشاكل الولايات المتحدة الاقتصادية، سيما في مجال التوظيف والقضاء على البطالة، وهو ما عبر عنه الرئيس ترامب اختصاراً بقوله: وظائف، وظائف، وظائف.

٤- إعادة رسم الخطة الاستراتيجية الاقتصادية لصالح الولايات المتحدة التي كانت تتوقع أزمة اقتصادية خانقة تطالها في العام ٢٠٤٠، متزامنة مع نضوب النفط وتراجع أهميته كمصدر رئيس للطاقة، مما يعني تراجع أهمية الخليج الاستراتيجية أمريكياً لصالح شرق آسيا.

٥- ضمان التبعية السعودية للسياسة الأمريكية، بفضل الحماية الأمريكية المفترضة لها.

٦- إظهار أهمية السعودية كزعيمة للعالمين العربي والإسلامي، واستثمار تأثيرها على بلدانهما.

٧- ضمان الدور السعودي في تنفيذ السياسة الخارجية الإسرائيلية في المنطقة، سيما بعد إعلان العداء الرسمي السعودي لقوى المقاومة، والإسهام المباشر في تدمير سوريا، حيث أن سلاماً إسرائيلياً مع سوريا قوية يتطلب تنازلاً إسرائيلياً مقدماً عن الجولان، وهو ما أسهمت السعودية بشكل مباشر في إبعاده.

٨- كما لا يستبعد إسهام السعودية المباشر في التنازل مستقبلاً عن إسلامية القدس وعروبتها لصالح الكيان الإسرائيلي، ومن منطلق زعامتها للعالمين العربي والإسلامي، وإسهاماً منها في إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي ما زالت القدس عقبته الأساس، ليتم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي كـ "دولة يهودية" وفق رؤية نتنياهو.

أما المزايا التي تعود بالفائدة على السعودية، فيمكن إدراج أهمها على النحو الآتي:

١- إدراك السعودية بأن صراعها الحالي هو صراع مصير ووجود دفعها إلى تقديم كل التنازلات لأجل بقاء العرش السعودي في مواجهة تيار ما بات يعرف بـ "الربيع العربي"، وبضمانة أمريكية.

٢- إدراك السعودية بأن المبلغ الذي دفعته إلى إدارة الرئيس ترامب، ستدفعه بالمحصلة إذا ما فعل (قانون جاستا) الذي أقرته إدارة الرئيس أوباما.

٣- الصراع داخل العرش السعودي دفع ولي ولي العهد السعودي إلى تقديم التنازلات إلى الولايات المتحدة أملاً في دعمها له في حال قيامه بانقلاب داخل الأسرة السعودية لصالح فرعها السلماني. وهي ذات المحاولة التي قام بها عمه الأمير فيصل وتكللت بنجاح انقلابه على أخيه الملك سعود وتوليه العرش بعدها. وذلك بعد أن قدم التنازلات المالية، وكرس عداءه لـ (مصر العروبية الناصرية)، لا (إيران الفارسية الشاهنشاهية) قبل نصف قرن تقريباً.

٤- إدراك السعودية لفشلها في سياستها الخارجية الإقليمية، نتيجة تصورها بانحسار النفوذ الأميركي في المنطقة وسعيها لملئ الفراغ الذي خلفه ذلك الانحسار. فكانت التدخلات في العراق، والبحرين، وسوريا، ومصر، واليمن، وغيرها، والتي لم يكتب لها النجاح في المحصلة.

٥- التنافس الخليجي-الخليجي في المنطقة أثر سلباً على أداء السياسة الخارجية السعودية في المنطقة، سيما التنافس مع قطر، ودخول الإمارات حيّز التنافس لاحقاً، خصوصاً في أزمة اليمن.

٦- إبعاد الصورة السلبية التي تكونت لدى الرأي العام الأمريكي والأوربي حول السعودية والوهابية وعلاقتها بالإرهاب، وانتهاك حقوق الإنسان وغيرها.

٧- نجاح الدبلوماسية السعودية في استجلاب معظم زعماء العالمين العربي والإسلامي أبرزها بمظهر الزعامة لهما، وهو ما يحسب لها.

٨- إطلاق يد السعودية في تصفية مشكلاتها مع خصومها الداخليين والخارجيين دون مساءلة أمريكية أو دولية. وهو ما تجلى جانب منه لاحقاً في أحداث العوامية، والدراز، والعلاقة مع قطر.

ومع ذلك، تبدو العلاقة قلقة وحرجة في هذه المرحلة، لأسباب أهمها:

١- عدم قدرة الطائفية السعودية على مواجهة البرغماتية الأمريكية في المنطقة.

٢- اتساع رقعة المصالح الأمريكية مقارنة بالمصالح الأمريكية قد تدفع بالولايات المتحدة إلى تغيير بعض تكتيكاتها في المنطقة، مما قد يلحق الضرر بالمصالح السعودية.

٣- حجم المشكلات الداخلية والخارجية التي تعاني منها العربية السعودية أكبر من أن يحسمها تقارب أو توطيد للعلاقات مع الولايات المتحدة.

٤- لا يوجد مدى محدد للابتزاز الأميركي للسعودية.

٥- عدم الإستقرار في:

أ- المنطقة وما تشهده من صراعات.

ب- شخصية ترامب وما تشهده من تقلبات.

ج- العرش السعودي وما يشهده من نزاعات.

تشكل عوامل أخرى تدفع إلى التكهن بأن ما شهدته العلاقات الأمريكية-السعودية من تقارب ملحوظ لا يرقى إلى مستوى التحالف الاستراتيجي بين البلدين بقدر ما هو مرحلة تمكن من خلالها الطرفان من تجاوز أزماتهما ودفعهما نحو الأمام، وكان للمال الدور الأبرز في ذلك..

* الدكتور انور الحيدري، استاذ العلوم السياسية جامعة بغداد، وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0