لم يدَع المعارضون لسياسة اوباما في مكافحة الارهاب في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، اي فرصة تمر من دون توجيه المزيد من الانتقادات لاستراتيجيته التي اعتمدها منذ تصاعد وتيرة التطرف في المنطقة والتي انتقلت تهديداتها الى الدول الغربية، بعد سلسلة من الاعتداءات نفذها موالون لتنظيم القاعدة او تنظيم داعش في استراليا وفرنسا وبلجيكا والدنمارك وغيرها من الدول الاوربية، وآخر هذه الانتقادات جاءت عقب رفض اوباما لربط التطرف والارهاب بالإسلام، والتي تشير في معناها الباطني بان الغرب يخوض حربا مع الاسلام والمسلمين وهي "كذبة قبيحة، وكلنا بغض النظر عن معتقداتنا علينا مسؤولية رفضها"، وزاد اوباما من وتيرة تحدي منتقديه بالإشارة الى التطرف الذي حمله من ينتمون الى المسيحية ابان "الحملات الصليبية" حيث قال "لنتذكر إنه خلال الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش التي أقيمت للمسلمين في الأندلس، ارتكب البعض أفعالا شنيعة باسم المسيح، وفي بلدنا جرى استخدام المسيحية لتبرير العبودية وفرضت قوانين التمييز العنصري"، والتي اعتبرها بعض المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية القادمة بانها "إهانة لجميع المؤمنين".

المنطقي واللامنطقي

خلال زيارة وزير الدفاع الامريكي "آشتون كارتر" الى الكويت، اثار اثناء حديثه الانتقادات التي وجهت الى الرئيس الامريكي حول قضية الاسلام والمتطرفين، وبعد ان دافع عن وجه نظر الرئيس قال "من الضروري الحذر والتمييز، وأن النقطة التي قالها الرئيس تعتبر منطقية جدا"، والمنطق الذي اعتمد عليه الرئيس الامريكي يختلف كثيرا عن منطق خصومه، خصوصا من المحافظين (الجمهوريين) داخل الولايات المتحدة الامريكية، وخارجها من اليمين المتطرف (اسرائيل، وبعض دول اوربا)، ففي الوقت الذي حث الكثير منهم (معارضو اوباما) على استخدام اسلوب القوة والتدخل المباشر في ازمات الشرق الاوسط، اضافة الى ربط الاسلام بالتطرف، يحاول اوباما عدم التدخل بصورة مباشرة والتركيز على ادارة الازمات بتشكيل التحالفات والصبر الاستراتيجي، ويعتقد ان القوة العسكرية قد ارهقت الولايات المتحدة الامريكية كثيرا، وزادت من خطر تعرضها لهجمات ارهابية اكثر من السابق، سيما وان التجارب السابقة (حرب العراق وافغانستان) لم تنهِ التطرف والارهاب تماما في العالم، وان اعداء جدد للولايات المتحدة الامريكية قد ظهروا نتيجة لاستخدام القوة المباشرة (القوات البرية والتدخل الامريكي المباشر في الازمات).

يبدو ان هناك خيطا رفيعا بين الافعال المنطقية واللامنطقية بين اوباما ومعارضيه، فكل فعل يعمل على تنفيذه الرئيس الامريكي يعتبر لا منطقيا بالنسبة لمعارضيه والعكس صحيح، وهو امر يدلل على الفوضى التي يشعر بها "الاصدقاء والحلفاء المختلفين فيما بينهم" لمواجهة خطر التنظيمات المتطرفة التي ترفع شعار الاسلام في مواجهة الجميع وبدون استثناء، والغريب ان "بول وولفويتز"، نائب وزير الدفاع السابق، وأحد أركان الإدارة الأمريكية بحقبة الرئيس السابق جورج بوش والمستشار الحالي لشؤون السياسة الخارجية لشقيقه المرشح للرئاسة جيب بوش قال "أنا أتفهم بعض الشيء دوافعه للقيام بذلك، فهو لا يريد منح المسلمين المتطرفين فرصة الهيمنة على هوية العالم الإسلامي، ولكنني أظن أن الادعاء بعدم وجود صلة للإسلام بالمشكلة القائمة هو أيضا أمر خاطئ، علينا أن نقول بأننا نتعامل مع لأفكار تسلطية تستغل الإسلام، خاصة وأن العديد من أصدقائنا وحلفائنا في الحرب ضد هذه الأيديولوجيات هم من المسلمين أيضا، الناس تدرك بأن الإسلام مرتبط بشكل ما بالأمر الذي نحاربه هنا، وعندما ننكر ذلك نخسر بعض الدعم والتفهم من الشعب الأمريكي"، واعتقد ان هذا الكلام يوضح مدى التداخل بين الافكار المنطقية واللامنطقية التي يحاول اثباتها الطرفين، مثلما يحاول طرف ثالث العمل على تقسيم المسلمين الى "متطرفين" و"معتدلين".

المهم ان الرئيس الامريكي يحاول من خلال استراتيجيته اثبات التالي:

1. ان الصراع بين الشرق والغرب من جهة وبين الغرب نفسه والشرق نفسه، صراع قديم ومعقد للغاية، وان ربط التطرف بمسميات دينية او قومية قد يزيد من تعقيد الامور ولا يصب في مصلحة أحد سوى زيادة العداء والتنافر بين الحضارات.

2. التحالف الدولي الذي تعول عليه الولايات المتحدة الامريكية لمكافحة التطرف والارهاب في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، يجب ان لا يستثني الدول العربية والاسلامية، وان ربط التطرف بالمسلمين قد يؤدي الى خسارة جزء مهم من هذا التحالف.

3. العمل على مكافحة الافكار المتطرفة المحسوبة على الاسلام والمسلمين لا يمكن العمل عليها من دون التعاون مع مختلف المرجعيات الدينية للعالم الاسلامي (وهو ما اشار اليه وزير الخارجية الامريكي بعد ان اوضح أنه على مدى الشهور المقبلة ستنقل الولايات المتحدة ودول أخرى المعركة إلى فصول المدارس ودور العبادة والمجتمعات المستضعفة في كل أنحاء العالم)، اضافة الى تعاون الدول الاسلامية، وفي حال اعتبار التطرف جزء من الاسلام، فان مثل هكذا تعاون محكوم عليه بالفشل مسبقا.

4. ان ربط الاسلام بالمتطرفين يعطي المنظمات الارهابية فرصه كبيرة للمناورة، ويضفي عليهم الشرعية الدينية، سيما وان الانجذاب الديني من قبل الشباب المتطوعين للقتال مع هذه التنظيمات الارهابية، يعد من اهم الاسباب التي اكسبتهم المزيد من الزخم والقوة.

5. عودة موجة العداء للولايات المتحدة الامريكية من لدن المسلمين (كما حدث عقب غزو الولايات المتحدة الامريكية لأفغانستان والعراق)، وهي موجة لا يمكن توقع نتائجها المستقبلية على امن الولايات المتحدة الداخل والخارجي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2