انطلقت يوم الأحد القادم 23نيسان/ أبريل الانتخابات الفرنسية، ومع تزايد المنافسة الانتخابية بين المرشحين واقتراب موعد الانتخابات، جاء هجوم الشانزليزيه ليزيد من واقع تلك المنافسة بين المرشحين الفرنسيين، لاسيما بين مرشحي اليمين واليمين المتطرف. وقد حول الهجوم المسلح الذي تعرضت له جادة الشانزليزيه مساء يوم الخميس الماضي المقابلة التلفزيونية بين المرشحين "الأحد عشر" من التركيز على برامجهم الانتخابية إلى الحديث عن "الإرهاب الإسلامي" وطرق مكافحته، لاسيما من قبل مارين لوبان وفرانسوا فيون. فهل سيكون لهذا الهجوم تأثير انتخابي في تغيير قناعة الناخب الفرنسي أم ستكون البرامج الانتخابية للمرشحين هي الفيصل في ترشحهم للجولات القادمة؟

لم يكن الهجوم المسلح الذي ضرب الجادة الفرنسية يوم الخميس الماضي هو الأول من نوعه، بل على العكس من ذلك، فقد تعرضت الشانزليزيه لعدة هجمات سابقة تعود تاريخها إلى عام 1986. ففي هذا العام تعرضت الجادة إلى ثلاثة تفجيرات إرهابية وتبنتها آنذاك جماعة تدعي "لجنة التضامن مع السجناء السياسيين العرب والشرق أوسطيين"، إلا أن هجوم الخميس الماضي الذي تبناه تنظيم "داعش" الإرهابي، قد يكون له تأثيرات أخرى ومختلفة عن الهجمات السابقة. وقد يختلف توقيت هذا الهجوم عن الهجمات الإرهابية الأخرى التي ضربت فرنسا؛ وذلك بسبب تزامنه مع المناظرة السياسية بين المرشحين الفرنسيين، هذا من جهة، واقتراب الانتخابات الفرنسية بشكل عام من جهة أخرى.

وربما ترجح هذه الهجمات كفة مرشح على مرشح أخر، لاسيما وأن أكثر الناخبين الفرنسيين لم يحسموا أمرهم الانتخابي بعد، وقد تدفعهم هذه الهجمات إلى تغيير قناعاتهم الانتخابية صوب بعض المرشحين. هذه القناعات إذا ما تغيرت فبالتأكيد ستكون لصالح اليمين الفرنسي واليمين المتطرف سواء كانت مارين لوبان أو فرانسوا فيون، لاسيما وأن الأخير مرشح اليمين وجد في الهجوم ضالته، وصب جام غضبه على "الإرهاب الإسلامي" وأكد أنه المرشح الوحيد القادر على مكافحته عن طريق "تجفيف منابعه" في الداخل الفرنسي عن طريق تشديد المراقبة على الخطاب الديني ونشر فكر "التسامح" بين المسلمين.

اما مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان فذهبت من جانبها الى تأكيد فرضيتها الانتخابية المتطرفة، ورأت في الهجوم دليل على صحة رؤيتها مؤكدة أن "مثل هذا الهجوم ما كان ليقع تحت عهدتها"، لأنها كانت ستعمل على ترحيل المشتبه بهم أو اعتقالهم كخطوة وقائية وكذلك "استعادة الحدود" الفرنسية التي تقع حاليا "رهينة" اتفاقية "شينغن".

ولهذا يحاول اليمين الفرنسي بشقيه المحافظ والمتطرف أن يحقق مكاسب سياسية وانتخابية من تلك الهجمات عن طريق التأثير على قناعة الناخبين الفرنسيين، لاسيما وأن حوالي ثلث الفرنسيين لم يحسموا أمرهم الانتخابي بعد. وقد تدفع هجمات الجادة الشانزليزيه الناخبين الفرنسين يوم الاحد إلى اختيار رئيس أكثر شراسة وصرامة من المرشحين الأخرين اتجاه قضايا الإرهاب واللاجئين. فخطابات المرشحين ما زالت في غاية التناقض، ولا يعرف أي منها سيقنع الناخبين.

فمرشحة اليمين المتطرف ما كانت لتجد فرصة أفضل من هذه، لتشير إلى صواب رؤيتها بخصوص الإرهاب وقضية الحدود واللاجئين. ومرشح اليمين فرانسوا فيون الباحث عن طوق نجاة لشعبيته التي تضعضعت بسبب اتهام القضاء الفرنسي له باستغلال نفوذه في الحكومة الفرنسية وتوظيف زوجته بطريقة غير شرعية، غيّر مسار خطابه الانتخابي من يميني محافظ إلى يميني متطرف قريب من خطاب ماريان لوبان.

وبموازاة اليمين وشعاراتهم المتطرفة اختار المرشح الوسط المستقل ايمانويل ماكرون النبرة الهادئة التي اعتاد عليها وابتعد عن انتقاد الحكومة وركز على الحلول الاستراتيجية لمكافحة الإرهاب، ويبدو أن ماكرون قد اخفى مخاوفه من أن يصب الهجوم الإرهابي في صالح اليمين المتطرف، لاسيما مع وجود قطاع واسع من الناخبين الفرنسيين الذين لم يحسموا أمرهم الانتخابي بعد، إلا أن ماكرون ما يزال المرشح الأوفر حظاً بالنسبة للمرشحين الأخرين، لاسيما بعد أن تراجعت شعبية فرانسوا فيون بسبب الدعوى القضائية التي لاحقته مؤخراً.

وبغض النظر عن الطروحات الانتخابية للمرشحين الفرنسيين سيبقى المواطن الفرنسي هو الفيصل في ترّشح بعضهم للجولة المقبلة؛ لأن المواطن الفرنسي ينظر إلى البرامج الانتخابية وليس إلى الاشخاص او الاحزاب، لكن ومع ذلك من الممكن أن تؤثر بعض الاحداث على صوت الناخب الفرنسي مثل الهجمات الإرهابية أو التهم القضائية التي توجه لبعض المرشحين، كتلك التي اتهم بها المرشح فرانسوا فيون؛ ولهذا ربما تسفر الانتخابات الفرنسية يوم الاحد القادم عبور مارين لوبان وماكرون، للجولة المقبلة على حساب فرانسوا فيون، على الرغم من أن الأخير يضع في خانة اليمين المحافظ، حتى مع تّغير خطابه السياسي والانتخابي وتحوله من يمين محافظ إلى يمين متطرف بعد التهم القضائية التي وجهت له من قبل القضاء الفرنسي.

إلا أن وسطية ماكرون وتطرف لوبان قد جعل لكل منهما اصوات انتخابية ثابتة نوعاً ما منذ بدء الحملة الانتخابية، على الرغم من ان هذه الاصوات تتعرض لبعض الهزات بين الحين والأخر؛ بسبب الاحداث الإرهابية التي تضرب فرنسا، ولربما ترجح هذه الاحداث كفة اليمين المتطرف وفقاً لبعض استطلاعات الرأي الفرنسية. لكن ومع ذلك ستبقى البرامج الانتخابية وطرق ايصالها للناخب الفرنسي هي الفيصل في تحديد قناعة الناخب في اختياره بين المرشحين الفرنسيين.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0