برزت في العراق بعد نيسان 2003 عدة ظواهر متناقضة، بعضها يعكس وجها جيدا وبعضها يفرز العكس، وهذا امر متفق عليه، حيث غالبا ما تتبع التغييرات الكبيرة في بلد ما، ظواهر كثيرة وافرازات متنوعة، وقد جاءت زيارة أربعينية الامام الحسين عليه السلام كتعبير عن الوجه والجوهر الجديد لعراق ما بعد التاريخ المذكور اعلاه، على الرغم من انها طقس او شعيرة دينية مرت عليها وعلى احيائها مئات السنين، لكن نتيجة للقمع السياسي، تعرضت هذه الشعيرة للمنع والتطويق والملاحقة من قبل انظمة قمعية كثيرة آخرها النظام السابق الذي حاول القضاء كليا على هذه الشعيرة والشعائر الاخرى بشتى السبل والاساليب.

واليوم ونحن نعيش انتعاشا صحيحا وواضحا للحريات الدينية في العراق، اصبحت زيارة الاربعين من اهم المظاهر المعبرة عن جوهر الحريات التي يتمتع بها العراقيون، لذلك تأتي هذه الزيارة كتعبير دقيق ومهم لطبيعة الحريات المتاحة للعراقيين في ظل النظام السياسي الجديد، على الرغم من الاخفاقات في مجالات اخرى لا يسع المجال هنا للخوض فيها.

وطالما ان زيارة الاربعين باتت شعيرة متاحة للجميع من دون مضايقات او ملاحقة او تكميم، بل اصبحت الاجهزة الامنية والخدمية الحكومية في خدمة الزائرين وحمايتهم، لذا اصبح من الواضح ان هذه الزيارة تشكل اليوم تعبيرا تحرريا واضحا للشعب العراقي، ولكي يتأكد هذا الامر ويصبح حقيقة واقعة لابد للحكومة ولمؤسسات الدولة الدستورية ان ترعى الحريات جميعا، بمعنى واضح لابد أن تهتم الحكومة العراقية ومؤسساتها التابعة بما يلي، كتعبير عن الحريات التي تشكل زيارة الاربعين مظهرا لها:

- ان تكون جميع الحريات مقدسة.. علما ان زيارة الاربعين تمثل ظاهرة ايجابية لأنها تؤكد التحول الديمقراطي في المنهج والمسار السياسي للعراق الجديد، ولذلك ينبغي أن تُسبغ القدسية على جميع الحريات والحقوق دونما استثناء.

- وفي هذا الاطار ينبغي أن تُصان بشكل تام وحقيقي حريات المؤسسات كافة، لاسيما المؤسسات التي تقدم خدمات لعموم الشعب بصورة مستقلة وبعيدة عن تدخل الحكومة الاتحادية او الحكومات المحلية في المحافظات.

- صيانة حرية الاحزاب السياسية في التأسيس والقيام بالانشطة المتنوعة التي تعبر عن جوهر الحرية الحقيقية للمواطن العراقي.

- صيانة حرية المنظمات المختلفة الاهلية والحكومية، والتي تقدم خدمات فكرية او مادية متنوعة، تهدف الى مساعدة الناس على العيش بيسر وكرامة، لاسيما الطبقات الكادحة التي تحتاج الى رفع الوعي الثقافي وسواه فضلا عن توعيتها بخصوص الحريات.

- لابد أن تتخذ الدولة اجراءات حاسمة ودقيقة ورادعة بخصوص معالجة ظواهر الفساد المالي والاداري والمحسوبية، وسوى ذلك من ظواهر تسيء للمظهر والجوهر الذي يظهر به العراق الجديد، ليس شكلا وانما ممارسة حياة وحريات حقيقية تصون الانسان.

- يجب احترام الكفاءات كافة في عموم مجالات العمل الحكومي وسواه، وذلك من خلال استنهاض قيم التقدم وبثها في مفاصل المجتمع العراقي كافة، لان الكفاءات تمتلك الدور الحاسم لتطوير البلد واستقراره، لذا فإن عدم احترامها او عدم مراعاتها سيؤكد زيف الادعاء بخصوص التمسك بالمنهج الديمقراطي.

- وكذلك لابد ان تكون هناك حملات منظمة ومدروسة ومدعومة بجهد حكومي كبير وواضح لمكافحة افكار التخلف، مثل ظواهر العنف والدكتاتورية والروتين والمحسوبية وغيرها من الظواهر التي تسيء للنظام الديمقراطي الحر.

وهكذا نتفق بالنتيجة على ان زيارة الاربعين بما تنطوي عليه من مؤشرات ايجابية كثيرة، تشكل تعبيرا جديدا ومهما وواضحا عن العراق الجديد، شريطة أن تتنبّه جميع الجهات المعنية لا سيما الحكومية منها، الى التطبيق الفعلي لاحترام الحريات كافة، وتنقية البلد من جميع الظواهر التي لا تتسق مع قيم زيارة الاربعين، وتتناقض مع المبادئ التي افرزها الفكر الحسيني الهادف الى احترام حرية الانسان، والعمل على صيانتها من لدن الجهات المعنية كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1