الجميع يتفق على عمق المشتركات التي تجمع العراقيين كنسيج مجتمعي متماسك، والكل يتفق على تجذّر المشتركات في النسيج العراقي، شعبا وأرضا وتأريخا، على الرغم من تعدد المكونات والاثنيات التي تشترك في تكوين المجتمع، لدرجة أن المراقبين والمعنيين بالشأن العراقي أطلقوا مفردة وصفة الفسيفساء على الشعب العراقي، بسبب تنوع وتعدد مكوناته، ومع بداية التحولات التي حدثت في العراق على الصعد كافة، لاسيما في الجانب السياسي وحرية الرأي والاعلام واحترام الحقوق الفردية وما شابه، بدأت هجمة شرسة لتمزيق وحدة هذا الشعب، الامر الذي تطلب من الجميع التماسك والتقارب أكثر فأكثر، من أجل درء خطر التشتت والاحتراب الذي لا يخدم أحدا سوى أعداء العراقيين.

وهكذا تأتي زيارة أربعينية الامام الحسين عليه السلام المليونية (حيث وصل عدد الزائرين حسب الجهات الرسمية بين 17 الى 18 مليون زائر) لتضع أمام العراقيين جميعا خيارا كبيرا ومهما لترسيخ الوحدة وتعميق الروابط بين ابناء البلد الواحد، إذ أن الزائرين قدموا من مدن وأقضية ونواحي وقرى العراق كافة، ناهيك عن آلاف الزوار العرب والاجانب، لذا فإن هذا التجمع على هدف واحد هو احياء الشعائر الحسينية والتعاطي الجاد مع الفكر الحسيني العظيم، يعد خطوة بالغة الاهمية لزيادة اللحمة بين ابناء الوطن الواحد، وتأتي ايضا كدافع ومحفّز للسياسيين وغيرهم من اجل المضي قدما لترسيخ هذه الوحدة الشعبية.

لقد بدت زيارة الاربعين بجموعها الهائلة وكأنها قلب العراق النابض، وقد بيّنت بعض الصور الملتقطة من أعالي الفضاء بواسطة الطائرات، جموع الزائرين الزاحفين مشيا على الاقدام، الى مرقد ابي الاحرار عليه السلام، مدى عمق الترابط المجتمعي بين مكونات الشعب، حتى بدت طرق سير الزائرين وكأنها شرايين تنتشر في جسد العراق بأجمعه، وهي صورة مجازية مدهشة لوحدة الشعب، حيث القلب ينبض في كربلاء المقدسة وحيث الشرايين تنتشر في عموم الجسد العراقي، لذا فإن هذه الصورة المجازية، يمكن أن تتحول الى التجسيد العملي فيما لو تحرك السياسيون وجميع النخب على استثمار هذه المناسبة المباركة بالطرق الصحيحة، من اجل توحيد العراقيين والنهوض بهذا البلد، من خلال الطاقات الكبيرة المادية والمعنوية التي تتوفر فيه، على مختلف الاصعدة والمجالات الحياتية المتنوعة.

إن هذه الزيارة المليونية، أعطت مؤشرا واضحا للجميع على حيوية العراقيين وتوحدهم، وقدرتهم دائما على النهوض مرارا وتكرارا، وعدم استسلامهم للنكبات او الويلات، او المخططات الارهابية المقيتة التي تستهدف لحمة الشعب ووحدته، وتصب في المسارات التي يخطط لها أعداء العراق لجعله بلدا ضعيفا ممزقا، لكن بعد زيارة الاربعين المليونية، لابد أنها أعطت درسا لاعداء العراق، وتصميم هذا الشعب على تجاوز المحن، وافشال المخططات التي تستهدف وحدته وحاضره ومستقبله، وايضا هي مؤشر ودافع لتحريك النخب العراقية كافة على أهمية وحتمية استثمار انعكاسات هذه الزيارة في العمل المتواصل على النهوض بالعراق.

ولابد من الانتباه الى أهمية معالجة المشكلات التي تواجهها البنى التحتية كافة، ليس في كربلاء المقدسة وحدها، بل عموم الجسد العراقي، ففي هذه الزيارة وغيرها من المناسبات الدينية المباركة، يصبح العراق قلبا وروحا وجسدا واحدا من اقصاه الى اقصاه، لذا لابد للنخب المعنية أن تبذل قصارى جهدها، من اجل بناء وتطوير البنى كافة وعلى الصعد كافة ايضا.

ولابد هنا من استذكار الجهود الاستثنائية، والكبيرة التي بذلها المعنيون في كربلاء المقدسة بكل عناوينهم ومسمياتهم وانتماءاتهم، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، فقد كان الجميع خلايا نحل متكاملة قدمت كل ما يمكنها للزوار الكرام، لكن تبقى هذه المدينة المقدسة بحاجة كبيرة وملحة، لتطوير قدراتها على استيعاب الملايين من الزوار بصورة متواترة، ولابد لمن يهمهم الامر النظر الى قضية توفير القدرات والامكانات المادية والمعنوية لهذه المدينة، وأن يضعوها في صدارة اهتمامهم واعمالهم وتوجهاتهم.

لذا كانت زيارة الاربعين وستبقى عامل توحيد لا تفريق بين العراقيين، وهي دافع مهم لجميع المسؤولين على مختلف مسؤولياتهم وعناوينهم، كي يقوموا بما يتوجّب عليهم على أفضل وجه وأسرع وقت ممكن، لكي تبقى هذه الزيارة مناسبة فعلية دائمة، لتوحيد الرأي والكلمة والعمل، ولتعميق أواصر المحبة والتآلف بين مكونات الشعب الواحد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3