مصطلحات الحق والباطل والحرية والعبودية، هي ابرز عناوين الإنسانية الان، فكل البشرية تبحث عن الحق وتسعى لتحقيقه كعنوان معلن، والكل متفق على محاربة الباطل، وجعله نمط تربية وتفكير، مع أن البواطن في الأغلب خلاف ذلك لمؤسسات التي تحكم العالم، أن أهم مميزات عصرنا الحالي هو الصراع القائم ما بين الأحرار الحقيقيين والعبيد، وما محاور الحياة الا كتجسيد لحقيقة البشر ما بين حر وعبد، هكذا هي حياتنا الان في الألفية الثالثة.

وهذه المصطلحات الأربع، عندما نبحث عن أبرز صور تجسدها تاريخيا فاننا ولا ريب نراها واضحة المعالم في كربلاء في عام 60 للهجرة.

اكبر موقف تجسد فيه الحق والحرية، هو موقف الامام الحسين في معركة كربلاء، ضد أفضل من جسد الباطل والعبودية عبيدالله بن زياد وعمر بن سعد ويزيد بن معاوية، حيث اظهر الامام الحسين شجاعة وثبات على العقيدة بجمع قليل من أهل بيته وأصحابه، أمام جيش دولة متغطرسة، ولم يكن الأمر مفاجأ بل الأمام الحسين يدرك ما سيفعله جيش يزيد من ظلم وابتعاد عن كل القيم الإنسانية، فكان يزيد وزمرته شر متكامل وعبودية تامة للشهوات والجهل، فجيش الرذائل ماذا يمكن أن يصدر منه غير القبائح، وعبيد يزيد الفاجر ماذا نتوقع منهم الا الانحراف والظلم والفجور، فتحول دم الثائرين ضد الباطل الى مشعل نور تستضيء به الأمم.

● الأمام الحسين وأعاد الروح لأحاديث الرسول الأعظم

أسس الأمام الحسين قاعدة مهمة، ونافعة لكل المجتمعات الإنسانية، الباحثة عن الحق والحرية حيث قال: أيها الناس أن رسول الله قال (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالآثم والعدوان فلم يغًير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله)، الا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالغي واحلوا حرام الله وحرموا حلاله.

ها هو الامام الحسين وبعد خمسين عاما من رحيل الرسول الأعظم، يعيد الروح لسنة الرسول الأعظم (ص)، عبر تذكير الأمة بحديث مهم يعتبر أساس للثورة وإزاحة كل حاكم ظالم، بعد أن عمل أتباع السقيفة وما ظهر من طبقة مستفيدة، على طمس الأحاديث المهمة، عبر منع تدوين الحديث، واعتبار تدوين الحديث جريمة يعاقب صاحبها اشد العقاب، كي تضيع مع الزمن أحاديث الرسول، فهي لو ظهرت للأمة في تلك الأوقات لأحدثت ثورة ضدهم، وتعريهم أمام المجتمع الإسلامي، فانظر لعظمة وخطورة دور الأمام الحسين، فإخفاء الحديث النبوي باطل وظلم وعبودية للشهوات، بالمقابل كان العمل على اظهار الحديث الممنوع من أحاديث الرسول الأعظم، شجاعة كبيرة، وحق وحرية في الفكر والعمل، ومع التضحية الكبيرة خلدت كلمات الحسين لتكون مشعل النور للأمم وليس للمسلمين حصرا.

● تضحية مقابل الخلود

قبل معركة كربلاء كانت الفرصة متاحة للأمام الحسين لو كان طالب دنيا، كان من الممكن أن ينسحب ويصيب بعض المكاسب الدنيوية، بل ويتحصل على مكانة في دولة يزيد، لكن الامام الحسين ليس بالرجل الباحث عن السلم والأمان والدنانير، بل هو يبحث عن إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وإعادة الروح لجسد الأمة، وكان الأمر عظيما.

خمس عقود ما بعد الرسول الأعظم فعل فيها خط المنافقين والحاقدين الكثير، والمصيبة هي تحول مواقع السلطة اليهم، فاندمج الحقد بالنفاق بالسلطة، وأصبح فعلهم الأهم أن يحافظوا على مكاسبهم وكراسيهم، ويثبتوا أمرهم على حساب الحق والعدل، فلكي يدوم الباطل يحتاج لكمية كبيرة من الظلم، وهو ما فعلوه طيلة فترة سطوتهم على الخلافة.

تصحيح الأمر احتاج لصدمة لذاكرة الأمة، فعل لا تنساه الجماهير، عمل يكون الفيصل والواضح الأثر بين خط الحق وخط الباطل والنفاق، فكانت تضحية الأمام الحسين بنفسه وعياله وأصحابه على ارض كربلاء في أروع صور التضحية الإنسانية’ وتم تعرية الظالمين أمام الأمة، ويمكن تشبيه ما عمله الأمام الحسين كصيحة ونداء عظيم لذاكرة الأمة النائمة (أيها النائمون هبوا من نعاسكم فقد قامت السلطة الغاشمة بقتل ابن الرسول للحفاظ على عرشهم).

* كاتب واعلامي عراقي

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1