في كل عام، تتجه ملايين القلوب إلى كربلاء، وتُرفع الرايات، وتُستعاد قصة عاشوراء بما تحمله من مشاعر الحزن والوفاء. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا بعد انتهاء المراسيم لا يتعلق بعدد المشاركين أو حجم المواكب، وإنما بما إذا كانت عاشوراء قد نجحت في تغيير الإنسان من الداخل. فهل أصبحت قيم الحسين عليه السلام جزءًا من سلوكنا اليومي...

في كل عام، تتجه ملايين القلوب إلى كربلاء، وتُرفع الرايات، وتُستعاد قصة عاشوراء بما تحمله من مشاعر الحزن والوفاء. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا بعد انتهاء المراسيم لا يتعلق بعدد المشاركين أو حجم المواكب، وإنما بما إذا كانت عاشوراء قد نجحت في تغيير الإنسان من الداخل. فهل أصبحت قيم الحسين عليه السلام جزءًا من سلوكنا اليومي، أم أنها ما زالت محصورة في إطار الذكرى والشعائر؟

الإنسان بطبيعته يبحث عن النموذج الذي يقتدي به. فالأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما بالشخصيات التي تجسد المبادئ في واقع الحياة. ولهذا بقي الإمام الحسين عليه السلام حاضرًا في ضمير الإنسانية، لأنه لم يقدم خطابًا نظريًا عن الحرية أو العدالة، وإنما قدّم حياته وأهل بيته وأصحابه دفاعًا عن تلك المبادئ، فتحولت كربلاء إلى مدرسة أخلاقية مفتوحة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

ولم يكن خلود الحسين نتيجة انتصار عسكري أو سلطة سياسية، وإنما جاء من انتصار الموقف. فقد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يحفظ كرامته حتى وهو يواجه أقسى الظروف، وأن المبادئ الصادقة تستطيع أن تهزم القوة حين تفقد القوة بعدها الأخلاقي. ولهذا لم تعد عاشوراء مجرد حدث تاريخي، وإنما أصبحت ثقافة إنسانية تطرح سؤالًا متجددًا: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش عندما يتعارض الحق مع المصلحة؟

إن ثقافة عاشوراء ليست مجموعة من المشاعر العابرة، وإنما منظومة قيم تبدأ من احترام الإنسان وتنتهي ببناء مجتمع يقوم على العدل والرحمة والمسؤولية. فهي تدعو إلى مقاومة الظلم، وصيانة الحقوق، وحماية الكرامة الإنسانية، وترفض أن يتحول الإنسان إلى أداة في يد القوة أو المصلحة أو التعصب.

ومن هنا يظهر الفارق بين فحوى عاشوراء وتطبيقها. فكثيرون يعرفون قصة الحسين عليه السلام، ويحفظون تفاصيل نهضته، ويشاركون في إحياء ذكراه، لكن المعرفة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى سلوك. فليس المطلوب أن نتحدث عن العدالة، وإنما أن نكون عادلين، وليس المطلوب أن نردد كلمات الوفاء، وإنما أن نمارس الوفاء في بيوتنا وأعمالنا وعلاقاتنا مع الآخرين.

ولهذا فإن الامتحان الحقيقي لعاشوراء يبدأ بعد انتهاء موسمها. يبدأ عندما يجلس القاضي ليحكم بين الناس، وعندما يدخل الطبيب إلى مريضه، وعندما يقف المعلم أمام طلبته، وعندما يمسك التاجر بميزانه، وعندما يتخذ المسؤول قرارًا يمس حياة المواطنين. ففي هذه المواقف اليومية يظهر أثر الثقافة الحسينية، لأنها تتحول من كلمات تُقال إلى مواقف تُعاش.

إن الأزمة التي تعاني منها مجتمعاتنا اليوم ليست أزمة معرفة، فالجميع يتحدث عن الأخلاق، وإنما هي أزمة ممارسة. نسمع كثيرًا عن النزاهة، ونشاهد في المقابل صور الفساد. نتحدث عن احترام الإنسان، ثم نجد من يظلم الضعيف أو يهضم حقوقه. نعلن محبتنا للحسين عليه السلام، ثم ننسى أن أول ما دعا إليه هو صيانة كرامة الإنسان ورفض الظلم مهما كان شكله.

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات هو اتساع الفجوة بين القول والعمل. فحين يتحول الانتماء إلى عنوان اجتماعي، وتغيب آثاره عن السلوك، تفقد القيم قدرتها على صناعة التغيير. أما عندما يصبح الإنسان أمينًا لأنه تعلم الأمانة من مدرسة الحسين، وعادلًا لأنه يرى في العدل جوهر عاشوراء، ورحيمًا لأنه استلهم الرحمة من أخلاق أهل البيت عليهم السلام، فإن الثقافة تتحول إلى قوة حقيقية تصنع مجتمعًا أكثر استقرارًا وإنسانية.

إن الحسين عليه السلام لم يقدّم مشروعًا للإصلاح السياسي وحده، وإنما قدّم مشروعًا لإصلاح الإنسان. فالظلم يبدأ حين يفسد الضمير، والفساد يبدأ حين يتخلى الإنسان عن مسؤوليته الأخلاقية، والإصلاح يبدأ عندما يراجع الإنسان نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير.

ولهذا فإن المجتمع الذي يستوعب ثقافة عاشوراء لا يقيس نجاحه بعدد الشعارات التي يرفعها، وإنما بقدر ما ينجح في بناء إنسان يحترم القانون، ويحفظ الأمانة، ويصدق في قوله، ويخلص في عمله، ويؤدي واجبه بإحسان. فهذه هي الصورة العملية للولاء الحقيقي، وهي الامتداد الطبيعي لرسالة الإمام الحسين عليه السلام.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي حافظت على قيمها استطاعت أن تتجاوز الأزمات، أما التي اكتفت بالاحتفاء بالماضي من دون أن تستثمر دروسه، فقد بقيت تدور في الحلقة نفسها. ومن هنا تبقى عاشوراء دعوة دائمة إلى مراجعة الذات، وإعادة بناء الضمير، وربط الإيمان بالأخلاق، والعبادة بالمسؤولية، والانتماء بالسلوك.

إن أعظم وفاء للإمام الحسين عليه السلام لا يكون في استذكار مأساته فحسب، وإنما في تحويل مبادئه إلى أسلوب حياة. فعندما يختفي الظلم من تعاملاتنا، ويحل الصدق محل الخداع، والرحمة محل القسوة، والعدل محل المحاباة، نكون قد فهمنا الرسالة التي خرج الحسين من أجلها.

وهكذا تبقى ثقافة عاشوراء أكبر من مناسبة، وأعمق من ذكرى، وأوسع من حدود التاريخ. إنها مشروع دائم لصناعة الإنسان، لأن المجتمع الذي يجعل من قيم الحسين منهجًا للحياة، يستطيع أن يبني حاضرًا أكثر عدلًا، ومستقبلًا أكثر استقرارًا، ويثبت أن أعظم انتصار لعاشوراء ليس في بقائها حية في الذاكرة، وإنما في بقائها حية في السلوك والضمير.

اضف تعليق