فالثورة الحسينية تمثل الضمير الأخلاقي الذي يوقظ الشعوب كلما انحرفت السلطة عن مقاصدها، بينما يمثل الدستور الأداة القانونية التي تنظم الحياة العامة وتحول القيم إلى مؤسسات وقواعد ملزمة. ومن ثم فإن استلهام المبادئ الحسينية في فهم الدستور لا يعني إخضاع القانون للتاريخ، بل يعني إحياء القيم الإنسانية التي تجعل...
بقلم: فاروق ريسان النصار-مدرس مساعد

تُعدّ الثورات الكبرى في التاريخ الإنساني محطاتٍ مفصلية أعادت تشكيل الوعي الجمعي للشعوب، ولم تكن الثورة الحسينية حدثًا عابرًا ارتبط بزمانه ومكانه فحسب، بل مثّلت مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا متجددًا يتجاوز حدود التاريخ ليغدو مرجعًا للقيم التي تتأسس عليها المجتمعات العادلة. 

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بوصفه وثيقة قانونية تسعى إلى تنظيم الدولة والمجتمع على أسس من الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهي قيم تتقاطع في جوهرها مع المبادئ التي قامت عليها الثورة الحسينية.

لقد انطلقت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من رفض الاستبداد السياسي والانحراف عن مقاصد الحكم الرشيد. فلم يكن اعتراضه على شخص الحاكم بقدر ما كان اعتراضًا على منظومة تُفرغ السلطة من مضمونها الأخلاقي وتحوّلها إلى أداة للهيمنة والإقصاء. ومن هنا تتجلى الفلسفة العميقة للثورة الحسينية بوصفها دفاعًا عن الإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة، وعن القيم قبل أن تكون مواجهة عسكرية. فالحرية في الفكر الحسيني ليست امتيازًا يمنحه الحاكم، بل حقًا أصيلًا ينبع من كرامة الإنسان ووعيه بذاته ومسؤوليته تجاه مجتمعه.

وعند تأمل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 نجد أنه يؤكد في ديباجته ونصوصه الأساسية على مبادئ الحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة. وهذه المبادئ لا تبدو منفصلة عن الإرث الفكري والأخلاقي الذي رسخته الثورة الحسينية في الوجدان العراقي. فالدستور، بوصفه عقدًا اجتماعيًا، يسعى إلى منع عودة الاستبداد عبر توزيع السلطات وضمان الرقابة المتبادلة بينها، بينما سعت الثورة الحسينية إلى ترسيخ مبدأ عدم الخضوع للحكم الذي يفقد شرعيته الأخلاقية ويعتدي على حقوق الناس.

ومن زاوية فلسفية، يمكن القول إن العلاقة بين الثورة الحسينية والدستور العراقي المعاصر هي علاقة بين القيمة والنص؛ فالثورة تمثل المصدر الأخلاقي للقيم، بينما يمثل الدستور الإطار القانوني الذي يحول تلك القيم إلى قواعد ملزمة. وإذا كانت الثورة الحسينية قد رفعت شعار الإصلاح في الأمة، فإن الدستور يهدف إلى إصلاح بنية الدولة من خلال تنظيم السلطات وتحديد الحقوق والواجبات. فالغاية في الحالتين واحدة، وإن اختلفت الوسائل والأدوات.

كما أن العدالة تمثل نقطة التقاء مركزية بين الطرفين. فالعدالة في المشروع الحسيني ليست مجرد تطبيق للقانون، بل هي تحقيق للتوازن بين الحقوق والواجبات وصيانة لكرامة الإنسان. أما الدستور العراقي فقد جعل العدالة أساسًا لبناء الدولة الديمقراطية، وأكد على مبدأ المساواة بين المواطنين دون تمييز. وهنا تتجلى الفلسفة السياسية الحديثة في انسجامها مع المبدأ الأخلاقي الذي نادى به الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ لا قيمة لأي نظام سياسي إذا لم يكن الإنسان محور اهتمامه الأول.

وفي سياق آخر، تؤكد الثورة الحسينية أهمية المسؤولية الجماعية في مواجهة الانحراف، وهو ما ينعكس دستوريًا في مبدأ المشاركة الشعبية والانتخابات وحرية التعبير. فالمواطن في الدولة الدستورية ليس متلقيًا سلبيًا للقرارات، بل شريك في صناعة المستقبل، كما أن الإنسان في الرؤية الحسينية ليس كائنًا محايدًا أمام الظلم، بل مسؤول أخلاقيًا عن مقاومته والدفاع عن الحق.

إن القراءة المتأنية لمبادئ الثورة الحسينية ودستور جمهورية العراق لسنة 2005 تكشف أن كليهما يسعيان إلى بناء مجتمع يقوم على الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وإن اختلفت طبيعة كل منهما. فالثورة الحسينية تمثل الضمير الأخلاقي الذي يوقظ الشعوب كلما انحرفت السلطة عن مقاصدها، بينما يمثل الدستور الأداة القانونية التي تنظم الحياة العامة وتحول القيم إلى مؤسسات وقواعد ملزمة. ومن ثم فإن استلهام المبادئ الحسينية في فهم الدستور لا يعني إخضاع القانون للتاريخ، بل يعني إحياء القيم الإنسانية التي تجعل من النص الدستوري وسيلة لتحقيق الخير العام وصيانة حقوق الإنسان.

وبذلك تبقى الثورة الحسينية رمزًا خالدًا للرفض الواعي للظلم، ويبقى الدستور إطارًا حضاريًا لترجمة قيم الحرية والعدالة إلى واقع عملي، لتلتقي الرسالة الأخلاقية مع الشرعية القانونية في مشروع واحد غايته بناء الإنسان وصون كرامته وتحقيق المصلحة العامة.

اضف تعليق