أثبتت كربلاء أنَّ معرفة الإمام (عليه السلام) هي تحوُّلٌ جذريّ في وعي الإنسان، ينعكس تسليمًا في القرار، وصدقًا في المحبَّة، ووضوحًا في الموقف، واستعدادًا للتَّضحية. فهي التي صنعت من أولئك النَّماذج الخالدة أرواحًا لا تهتزّ أمام السَّيف، وقلوبًا لا تتراجع أمام الفناء؛ لأنَّها رأت الحقيقة كما هي، لا كما تُزيَّن...
لم تكن كربلاء حدثًا تاريخيًّا عابرًا في صفحات الماضي؛ وإنَّما كانت مختبرًا إلهيًّا كُشف فيه جوهر الإنسان حين يقف أمام الحقيقة الإلهيَّة ممثَّلةً بالإمام المعصوم (عليه السلام). هناك، في صحراء الطَّفِّ، لم تكن الأسئلة تدور حول الحرب والسَّيف فقط؛ وإنَّما حول معنى أعمق بكثير: ماذا يعني أن يعرف الإنسان إمامه؟
وكيف تتحوَّل هذه المعرفة من فكرةٍ في الذِّهن إلى موقفٍ يُبذَل فيه الدَّم؟
إنَّ معرفةَ الإمامِ (عليه السلام) ليست إدراكًا نظريًّا يُحاط بالمعلومات، ولا انتماءً وجدانيًّا يُختزل في مشاعر الحبِّ المجرَّد؛ هي وعيٌ شاملٌ يعيد صياغة رؤية الإنسان للوجود، ويمنحه القدرة على تمييز موقعه بين الحقِّ والباطل، ويضعه على مفترقٍ حاسم يكشف صدق طاعته أو انحرافه عن مسار الهداية الإلهيَّة.
ومن هنا، تأتي كربلاء لتقدِّم النُّموذج الأوضح لهذه الحقيقة؛ فهناك من عرف الإمام (عليه السلام) فكان معه، وهناك من جهله فكان عليه. ولذلك تصبح دراسة مفهوم "معرفة الإمام" مدخلًا لفهم كربلاء نفسها، وفهم معنى الهداية في بعدها القرآني والرِّوائي، وكيف يتحوَّل الإمام (عليه السلام) إلى ميزانٍ تُوزن به حياة الإنسان ومصيره.
المحور الأوَّل: معنى معرفة الإمام (عليه السلام)
معرفة الإمام (عليه السلام) هي وعيٌ يربط الإنسان بمنظومة الهداية، ويمنحه القدرة على التَّمييز بين الحقِّ والضَّلال في أدقِّ مفاصل الحياة. ومن هنا كانت هذه المعرفة ميزانًا حاسمًا للنَّجاة؛ إذ بها يتحدَّد موقع الإنسان بين الارتباط بالإمام (عليه السلام) أو الانفصال عن خطِّ الهداية؛ لذلك، سنسعى إلى استكشاف هذا المعنى الجليل، ثمَّ ننتقل بعده إلى محاور تحاول غرس هذه المعرفة في أعماق النَّفس:
المعرفة لغةً: "العِرْفانُ: العِلْمُ... عَرَفَه يَعْرِفه عِرْفَةً وعِرْفانًا وَعِرِفَّانًا ومَعْرِفَةً واعْترَفَه... وعَرَّفَه به: وَسمه... وعَرَّف الضَّالَّةَ: نَشَدَها. والمَعْرَفُ: الوَجْهُ؛ لأنَّ الإنسان يُعْرَف به... والمَعارِفُ: محاسِنُ الوَجْهِ، وهو من ذلك... ومَعارِفُ الأرضِ: أوْجُهُها وما عُرِفَ منها.
والعَرِيف: القَيِّمُ والسَّيِّد لمعرفته بسياسةِ القومِ... والعِرْفُ: الصَّبرُ. وعَرَف بذنْبِه عُرْفاً واعْتَرف: أقَرَّ.وعَرَف له: أقَرَّ... والعُرْف والمَعْرُوفُ: الجود، وقيل: هو اسمُ ما تَبْذلُه وتُعطيه... وعَرَفَّه: طيَّبَهُ وزَيَّنَهُ..."(1).
وعن طريق هذا المعنى اللغوي يتَّضح أنَّ مفهوم "المعرفة" يتجاوز حدود الإدراك الذِّهني البسيط للمعلومات، ليشكِّل حالة من الوعي الذي يكشف حقيقة الشَّيء، ويُبرز خصوصيته، بحيث يتميَّز المعلوم عن غيره تمييزًا قائمًا على الفهم والبصيرة لا على النَّقل أو التَّقليد. وانطلاقًا من هذا التَّصور، يمكن الانتقال إلى مفهوم معرفة الإمام المعصوم (عليه السلام) بوصفه معرفةً تتجاوز إدراك الشَّخصيَّة التَّاريخيَّة أو العلميَّة، لتصل إلى إدراك هويته الإلهيَّة ومقامه الرَّبَّاني بوصفه حجَّة الله (تعالى) في أرضه وسمائه.
ويتبيَّن من التَّأمل في النُّصوص الشَّريفة أنَّ معرفة الإمام (عليه السلام) تمثِّل حالةً معرفيَّةً مركَّبة تتداخل فيها الأبعاد الاعتقاديَّة والسُّلوكيَّة، بحيث تؤول في نهايتها إلى الإذعان لولايته والانخراط العملي في طاعته (عليه السلام). فالمعرفة هي وعيٌ مُنتِجٌ للالتزام، يكشف عن موقع الإمام (عليه السلام) في منظومة الدِّين بوصفه الامتداد الشَّرعي للنُّبوَّة، والحافظ لمقاصد الشَّريعة، والمرجع الذي تُستمدُّ منه معايير الهداية. وفي ضوء هذا الفهم، يكتسب الحديث النَّبوي الشَّريف: "مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَعرِف إمَام زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِليَّةً"(2)، دلالته العميقة؛ إذ يُراد منه التَّنبيه إلى أنَّ غياب هذا الوعي يُفضي بالإنسان إلى الانفصال عن منظومة الهداية الإلهيَّة، بما يترتَّب على ذلك من اختلالٍ في التَّصوّر والانتماء. فالجاهليَّة هنا حالة تُعبِّر عن انقطاع الصِّلة بالمصدر الحقِّ للهداية، وهو ما يجعل معرفة الإمام (عليه السلام) حدًّا فاصلًا بين نمطينِ من الوجود: وجودٍ مؤسَّس على بصيرة وارتباطٍ بالإمام (عليه السلام)، وآخر يفتقر إلى هذا الامتداد، فيغدو عرضةً للتَّيه والانحراف.
ويجد هذا المعنى امتداده في النُّصوص القرآنيَّة التي تؤكِّد ضرورة الارتباط بالقيادة الإلهيَّة، كما في قوله (تعالى): (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)(3)، حيث يُفهم من الآية أنَّ الإمام (عليه السلام) يمثِّل محور الانتماء الذي تُبنى عليه هوية الإنسان يوم القيامة، الأمر الذي يعكس موقعه المحوري في الدُّنيا أيضًا. وكذلك قوله (سبحانه): (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(4)؛ إذ تشير الآية إلى أنَّ الإمامة موقعٌ ربَّاني يرتبط بالفعل الإلهي في الهداية.
وتزداد الصُّورة وضوحًا في رواية أبي حمزة الثِّمالي عن الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام)، حيث يربط الإمام (عليه السلام) بين حقيقة العبادة ومعرفة الله (عزَّ وجلَّ)، ثمَّ يفسِّر هذه المعرفة بمنظومةٍ مترابطة من التَّصديق والموالاة والاتِّباع والبراءة، فيقول أبو حمزة الثِّمالي: "قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ، فَأَمَّا مَنْ لَايَعْرِفُ اللَّهَ فَإِنَّمَا يَعْبُدُهُ هكَذَا ضَلَالًا.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ؟
قَالَ: "تَصْدِيقُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَمُوَالَاةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالِائْتِمَامُ بِهِ وَبِأَئِمَّةِ الْهُدى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَالْبَرَاءَةُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَدُوِّهِمْ، هكَذَا يُعْرَفُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"(5).
ويكشف هذا البيان عن ترابطٍ بين التَّوحيد والنُّبوَّة والإمامة، بحيث لا تنفصل إحداها عن الأخرى في تشكيل الوعي الدِّيني السَّليم.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إنَّ معرفة الإمام (عليه السلام) تمثِّل معيارًا حاسمًا في تحديد سلامة الانتماء العقدي؛ إذ تضع الإنسان في سياقٍ متكامل من الارتباط بالله (تعالى) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) وأوليائه (عليهم السلام)، وتمنحه ميزانًا واضحًا في فهم الدِّين وتطبيقه. ومن دون هذه المعرفة، يفقد البناء الإيماني أحد أهمِّ أركانه المرجعيَّة، فيغدو عرضةً للاضطراب في الفهم والتَّديُّن. ومن هنا، يظهر موقع هذه المعرفة بوصفها الحدَّ الفاصل بين النَّجاة والوقوع في الضَّلال، باعتبارها الطَّريق الذي تتكامل فيه عناصر الهداية، وتنتظم فيه علاقة الإنسان بربِّه (سبحانه) ضمن الإطار الذي رسمته الشَّريعة المقدَّسة.
المحور الثَّاني: صفات الإمام (عليه السلام)
إنَّ صفات الإمام (عليه السلام) هي منظومةٌ متكاملةٌ تكشف عن هويته الإلهيَّة ووظيفته في هداية الأمَّة وصيانة الدِّين من الانحراف. وعبر هذه الصِّفات تتبيَّن حقيقة الإمام (عليه السلام) بوصفه الامتداد للرِّسالة، الذي يجمع بين العصمة، والعلم، والكمال القيادي في أعلى مراتبه.
وأمَّا الطَّريق إلى معرفة إمام كلِّ زمان (عليه السلام) وتحديد ملامح شخصيَّته القياديَّة، فقد تولَّت الرِّوايات الشَّريفة بيان ذلك بوضوحٍ منهجي، يربط بين صفات الإمام (عليه السلام) ووظيفته في حفظ الدِّين وهداية الأمَّة. ولا تنفصل هذه الصِّفات عن طبيعة الموقع الذي يشغله الإمام (عليه السلام)، بوصفه الامتداد الشَّرعي للرِّسالة، والمرجع الأعلى في تفسير الشَّريعة وتطبيقها.
ففي الرِّواية المروية عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) عرضٌ تفصيلي لمجموعة من الخصائص التي تُشكِّل معيارًا معرفيًّا لتشخيص الإمام الحقِّ. فقد قال (عليه السلام): "الإمامُ المُسْتَحِقُّ للإمامةِ لَهُ عَلَاماتٌ، فَمِنها: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مَعصومٌ مِنَ الذُّنوب ِكُلِّها صَغيرِها وكَبيرِها، لا يَزِلُّ في الفُتْيا، ولا يُخْطئُ في الجَوابِ، ولا يَسْهو ولا يَنْسى، ولا يَلْهو بِشَيءٍ مِنْ أمرِ الدُّنيا.
والثَّاني: أنْ يَكونَ أعْلَمَ النّاسِ بِحَلالِ اللَّهِ وحَرامِهِ وضُرُوبِ أحْكامِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ وجَميعِ ما يَحتاجُ إليهِ النّاسُ، فَيَحْتاج النّاسُ إلَيْهِ، ويَسْتَغني عَنْهُمْ.
والثَّالثُ: يَجِبُ أنْ يَكونَ أشْجَعَ النَّاسِ؛ لأنَّهُ فِئَةُ المُؤمِنينَ الَّتي يَرْجِعونَ إلَيْها؛ إنِ انْهَزَمَ مِنَ الزَّحْفِ انْهَزَمَ النّاسُ لانْهِزامِهِ.
والرّابعُ: يَجِبُ أنْ يَكونَ أسْخَى النّاسِ وإنْ بَخِلَ أهلُ الأرضِ كُلُّهُمْ؛ لأنَّهُ إنِ اسْتَولَى الشُّحُّ عَلَيْهِ شَحَّ بِما في يَدَيْهِ مِنْ أموالِ المُسلِمينَ.
الخامسُ: العِصْمَةُ مِن جَميعِ الذُّنوبِ، وبِذلِكَ يَتَميَّزُ عَنِ المَأمومِينَ الّذينَ هُمْ غَيْرُ مَعصومِينَ؛ لأنّهُ لَو لَم يَكُنْ مَعْصوماً لَم يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أنْ يَدْخُلَ فيما يَدْخُلُ النّاسُ فيهِ مِنْ مُوبِقاتِ الذُّنوبِ المُهْلِكاتِ والشَّهَواتِ واللّذَّاتِ"(6).
وفي ضوء هذه المعايير، يتَّضح أنَّ معرفة تقوم على أُسُسٍ معرفيَّة دقيقة تستند إلى النَّصّ الشَّرعي، وتربط بين الصِّفات والوظيفة. كما أنَّ هذه الصِّفات لا تُفهم بمعزلٍ عن الغاية الكبرى للإمامة، وهي هداية الإنسان وصيانة الدِّين من التَّحريف، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(7). وبذلك تتكامل صورة الإمام (عليه السلام) بوصفه قائدًا ربَّانيًّا يجمع بين الكمال العلمي والأخلاقي والقيادي، في إطارٍ يضمن استمرار خطِّ الهداية في حياة الأُمَّة.
وتتجلَّى هذه الصِّفات المتقدِّمة للإمام (عليه السلام) في إطارٍ قرآنيّ جامع، حيث يقول الله (تعالى): (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(8). وتكشف هذه الآية عن منظومة مفهوميَّة دقيقة للإمامة بوصفها "عهدًا إلهيًّا" لا يُمنح إلَّا بعد اجتياز مسارٍ من الابتلاءات التي تُظهر كمال الاستعداد لتحمُّل أعباء الهداية العامَّة.
إنَّ التَّعبير القرآني (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(9) يحمل دلالةً تتجاوز المعنى الشَّائع للظُّلم بوصفه تعدِّيًّا على حقوق الآخرين، ليمتدَّ إلى مفهومٍ أوسع يقابل العدل بمعناه؛ فالظلم في اللغة: "أخْذُكَ حَقَّ غَيْرِكَ، وأصْلُه: وَضْعُ الشَّيْءِ في غير مَوْضِعِهِ"(10)، "وقول اللَّه (جلَّ ثناؤه): (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) (11) قال ابنُ عبَّاس وجماعةُ أهل التفسير: لم يُغَطُّوا إيمانهم بِشرْك..."(12).
وبهذا الاعتبار، يُفهم الظُّلم على أنَّه كلُّ انحراف عن مقتضى الاستقامة، سواء أكان في الاعتقاد أم في السُّلوك، وهو ما يجعل أدنى تلوّثٍ بالمعصية مؤثِّرًا في نفي الاستحقاق لهذا المقام. فالإمامة، بما تمثِّله من قيادة ظاهرة وباطنة للإنسان، تتطلَّب درجةً قصوى من الإخلاص، بحيث لا يعتري صاحبها ما يُخلُّ بوثوق المرجعيَّة أو يُضعف من حجّيتها.
ومن هذا المنطلق، استندت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الآية في بناء استدلالٍ عقديّ يفضي إلى حصر الإمامة فيمن لم يتلبَّس بالظُّلم في أيِّ مرحلة من مراحل حياته. فالتَّاريخ العقدي يبيِّن أنَّ كثيرًا من الأشخاص قد وقعوا في عبادة الأصنام قبل الإسلام، وهو مصداقٌ جليٌّ للظُّلم.
وبناءً على هذا الفهم، يصبح الامتناع المطلق عن الشِّرك، في جميع أطوار الحياة، شرطًا لازمًا فيمن يُناط به هذا العهد الإلهي. وقد ورد في رواية هشام بن سالم عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) ما يوضِّح هذا المعنى: "... وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيّاً، وَلَيْسَ بِإِمَامٍ حَتَّى قَالَ اللَّهُ: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(13)، مَنْ عَبَدَ صَنَماً أَوْ وَثَناً، لَايَكُونُ إِمَاماً"(14).
حيث بيَّن أنَّ مقام الإمامة لم يُمنح للخليل إبراهيم (عليه السلام) إلَّا بعد اجتيازه مراتب الابتلاء، ثمَّ أكَّد أنَّ من تلبَّس بعبادة الصَّنم أو الوثن لا يدخل في هذا العهد؛ لكونه قد اتَّصف بالظُّلم في مرحلة من حياته. ويُفهم من هذا البيان أنَّ الإمامة مرتبة لاحقة للنُّبوَّة من حيث الكمال القيادي، وأنَّها مشروطة بسلامة المسار بأكمله من أيِّ انحراف عقدي. وفي السِّياق نفسه، تُشير الرِّوايات إلى بُعدٍ نوريّ في حقيقة الإمامة، كما في ما ورد عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليهما السلام): "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً وعَلِيّاً وأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ، فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً(15) فِي ضِيَاءِ نُورِهِ، يَعْبُدُونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويُقَدِّسُونَهُ، وهُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ"(16). ويُفهم من هذا النَّصِّ أنَّ الإمامة حقيقةٌ ممتدَّة في نظام الهداية الإلهيَّة، ترتبط بعالمٍ سابقٍ على الوجود المادِّي، وتعبِّر عن اصطفاءٍ قائمٍ على طهارة الذَّات وكمال القابليَّة.
وبذلك، تتكامل الدلالة القرآنيَّة والرِّوائية في رسم معالم الإمامة بوصفها عهدًا إلهيًّا مخصوصًا، يقوم على النَّقاء المطلق من الظُّلم، ويستند إلى اصطفاءٍ سابقٍ في العلم الإلهي، ويظهر في الواقع من خلال قيادةٍ تجمع بين الهداية الظَّاهرة والباطنة. وهذا التَّصوّر يرسِّخ أنَّ الإمامة موقعٌ ربَّانيّ تحكمه معايير دقيقة، في مقدِّمتها العصمة، وسلامة المسار من كلِّ ما يُنافي مقتضى العدل الإلهي.
المحور الثَّالث: علامات معرفة الإمام (عليه السلام)
معرفة الإمام (عليه السلام) نورٌ يتسرَّب إلى أعماق النَّفس، فيُعيد تشكيل الوعي، ويصوغ الموقف والسُّلوك. ومن هنا تظهر العلامات بوصفها تجلِّياتٍ لهذه المعرفة، تكشف صدق الانتماء من خلال تسليمٍ صادق، ومحبَّةٍ ملتزمة، وموقفٍ واعٍ، وتضحيةٍ تنبض بالإخلاص:
العلامة الأولى: التَّسليم المطلق
تُعدُّ حالة التَّسليم المطلق من أبرز المؤشِّرات المعرفيَّة التي تكشف عن عمق الارتباط بالإمام (عليه السلام)، إذ لا تقف المعرفة عند حدود الإدراك الذِّهني أو القبول النَّظري، وتتجاوز ذلك إلى انقيادٍ تامٍّ، تنسجم فيه النَّفس مع مرجعيَّة الإمام في الفكر والسُّلوك والقرار. فالقرآن الكريم يضع معيارًا دقيقًا لهذا المستوى من الإيمان؛ حيث يقول (تعالى): (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(17). وهذه الآية، وإن وردت في سياق الحديث عن مقام النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، إلَّا أنَّها تؤسِّس لقاعدة ممتدَّة في منظومة الهداية الإلهيَّة، قوامها ضرورة الرُّجوع إلى الحجَّة الإلهيَّة في كلِّ زمان. ومن هنا، فإنَّ خطَّ الإمامة لا ينفصل عن خطِّ النُّبوَّة، ويُمثِّل استمراره الواقعي في حفظ الدِّين وبيان معالمه، ممَّا يجعل مضمون الآية شاملًا لكلِّ من يقوم مقام النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في الهداية.
ويأتي بيان أهل البيت (عليهم السلام)؛ ليكشف البعد الباطني لهذه الحقيقة، حيث ورد عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ): (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا)(18).
فَقَالَ: "يَا أَبَا خَالِدٍ، النُّورُ وَاللَّهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُمْ وَاللَّهِ نُورُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ، وَهُمْ وَاللَّهِ نُورُ اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ، وَاللَّهِ يَا أَبَا خَالِدٍ، لَنُورُ الْإِمَامِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ بِالنَّهَارِ، وَهُمْ وَاللَّهِ يُنَوِّرُونَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَحْجُبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نُورَهُمْ عَمَّنْ يَشَاءُ، فَتُظْلِمُ قُلُوبُهُمْ، وَاللَّهِ يَا أَبَا خَالِدٍ، لَايُحِبُّنَا عَبْدٌ وَيَتَوَلَّانَا حَتّى يُطَهِّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ، وَلَايُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَ عَبْدٍ حَتّى يُسَلِّمَ لَنَا، وَيَكُونَ سِلْماً لَنَا، فَإِذَا كَانَ سِلْماً لَنَا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ شَدِيدِ الْحِسَابِ، وَآمَنَهُ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَكْبَرِ"(19).
ويُبيِّن هذا التَّفسير أنَّ العلاقة بالإمام (عليه السلام) هي ارتباط يتفاعل مع باطن الإنسان، فينير قلبه، ويعيد تشكيل وعيه. وتتَّضح أبعاد هذا التَّسليم بالانقياد للإمام (عليه السلام)، وهذا الانقياد لا يتحقَّق إلَّا بعد إزالة الحواجز النَّفسيَّة التي تعيق القبول الكامل. فالتَّسليم هنا هو حالة معرفيَّة تتأسَّس على الثِّقة المطلقة بحكمة الإمام (عليه السلام) وعصمته، بحيث لا يبقى في النَّفس أيُّ تردُّد أو اعتراض، حتَّى في الموارد التي قد لا تتَّضح فيها الحكمة للإنسان.
كما تكشف الرِّواية عن أثر هذا التَّسليم؛ حيث يرتبط الاطمئنان يوم القيامة بمدى تحقُّق هذه الحالة في الدُّنيا. فالتَّسليم للإمام (عليه السلام) يعبِّر عن انسجام الإنسان مع النِّظام الإلهي في الهداية، الأمر الذي ينعكس طمأنينةً في المصير، وأمنًا من القلق المرتبط بالحساب والمآل.
العلامة الثَّانية: المحبَّة المقرونة بالطَّاعة
تمثِّل المحبَّة في المنظور الدِّيني حقيقةً مركَّبة لا تنفصل عن السُّلوك العملي، ولا تُقاس بحدود الشُّعور العاطفي أو الانتماء اللفظي، وتُعرَف من خلال ما تُنتجه من التزام فعلي بمنهج الإمام (عليه السلام). فالقرآن الكريم يربط بصورة صريحة بين صدق المحبَّة وضرورة الاتِّباع، كما في قوله (تعالى): (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(20)؛ حيث يضع هذا النَّص معيارًا موضوعيًّا لتمييز الحبِّ الحقيقي عن الادعاء، وهو معيار الاتِّباع العملي الذي يكشف عن صدق العلاقة مع الله (جلَّ جلاله) ورسوله الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ومن ثمَّ مع الامتداد الشَّرعي لهما في خطِّ الإمامة.
وانطلاقًا من هذا الأصل، فإنَّ المحبَّة للإمام (عليه السلام) تندرج ضمن هذا الإطار القرآني، باعتبار أنَّ الإمام (عليه السلام) هو المبيِّن الواقعي لنهج النُّبوَّة، والمجسِّد الحي لتعاليمها. وعليه، فإنَّ أيَّ دعوى للمحبَّة لا تنعكس على مستوى السُّلوك تبقى فاقدةً لمقوِّمها الأساس؛ لأنَّها لم تتحوَّل إلى التزام ينسجم مع خطِّ الهداية.
وقد أكَّدت نصوص أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى بوضوح؛ فقد ورد عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام) قوله: "لَيسَ مِن شيعَتِنا مَن وافَقَنا بِلِسانِهِ، وخالَفَنا في أعمالِنا وآثارِنا"(21). وهو بيان يكشف عن تلازمٍ حتميّ بين الانتماء الحقيقي وبين التَّوافق العملي مع سيرة الإمام (عليه السلام) وتعاليمه. فالمعيار هنا يقوم على مقدار التَّوافق مع القيم التي يجسِّدها الإمام (عليه السلام) في الواقع.
وبذلك، تتَّضح أنَّ المحبَّة المعتبرة في معرفة الإمام (عليه السلام) هي منظومة متكاملة يتداخل فيها البعد العاطفي مع البعد العملي، بحيث يصبح الاتِّباع انعكاسًا طبيعيًّا لتلك المحبَّة. ومن هذا التَّرابط، يمكن تشخيص صدق الانتماء من عدمه؛ فالعمل يشكِّل المرآة التي تعكس حقيقة ما يستقر في القلب.
العلامة الثَّالثة: البراءة من أعداء الإمام (عليه السلام)
تندرج البراءة ضمن المنظومة العقديَّة التي تُحدِّد معالم الانتماء الحقيقي لخطِّ الإمامة؛ ولا تكتمل معرفة الإمام (عليه السلام) بمجرَّد الارتباط به على مستوى الولاء، وتقتضي في المقابل موقفًا واعيًا من الجهات المناوئة لهذا الخطِّ. فالقرآن الكريم يقرِّر مبدأ المفاصلة العقديَّة بوصفه نتيجةً طبيعيَّة للإيمان، كما في قول الله (تبارك وتعالى): (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)(22). حيث يُفهم من هذا النَّص أنَّ التَّنافي بين الإيمان الحقيقي ومودَّة من يقف في موقع المعاداة لله (تعالى) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) لا يمكن الجمع بين طرفيه ضمن منظومة واحدة.
وعلى هذا الأساس، تُفهم البراءة من أعداء الإمام (عليه السلام) باعتبارها امتدادًا لهذا الأصل القرآني، وإنَّ العداء للإمام (عليه السلام) هو في حقيقته امتداد للعداء للرِّسالة، نظرًا لما يمثِّله الإمام (عليه السلام) من موقعٍ في حفظ الدِّين وبيان معالمه. ولهذا، فإنَّ الموقف من أعداء الإمام (عليه السلام) لا يُبنى على اعتبارات شخصيَّة أو انفعاليَّة؛ بل على وعيٍ عقائدي يحدِّد موقع الحقِّ من الباطل.
وقد ورد عن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) ما يرسِّخ هذا المعنى، حيث جاء في خطابه لأمير المؤمنين (عليه السلام): "يَا عَلِيُّ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَاصْطَفَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ، لَوْ أَنَّ عَبْداً عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى أَلْفَ عَامٍ مَا قَبِلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا بِوَلَايَتِكَ وَوَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ، وَأَنَّ وَلَايَتَكَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِكَ وَأَعْدَاءِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ، ذَلِكَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عليه السلام (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ)(23)" (24)، وهو نصٌّ يكشف عن ترابطٍ وثيق بين الولاية والبراءة، بحيث لا يتحقَّق أحدهما بمعزل عن الآخر، ويشكِّلان معًا إطارًا متكاملًا للانتماء إلى خطِّ أهل البيت (عليهم السلام).
كما أنَّ ختم الرِّواية بالإشارة إلى قوله (تعالى): (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(25)، يُبرز أنَّ هذا الموقف ينبثق من اختيارٍ واعٍ، يقوم على إدراكٍ لطبيعة الصِّراع بين الحقِّ والباطل، وليس مجرَّد تبعيَّة غير مدروسة.
العلامة الرَّابعة: الاستعداد للتَّضحية
الاستعداد للتَّضحية من المؤشِّرات الجوهريَّة على رسوخ معرفة الإمام (عليه السلام)؛ إذ يكشف عن انتقال هذه المعرفة من حيِّز الإدراك النَّظري إلى مستوى الالتزام الذي يطال أعزَّ ما يملكه الإنسان. فالقرآن الكريم يُبرز هذا النَّمط من المؤمنين بوصفهم نموذجًا متقدِّمًا في الصِّدق مع الله (تعالى)، كما في قول الله (سبحانه): (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)(26). حيث تشير الآية إلى أنَّ حقيقة الصِّدق تتجلَّى في الوفاء بالعهد الإلهي حتَّى في أشدِّ المواقف كلفةً وامتحانًا.
وفي ضوء هذا المفهوم، تُفهم التَّضحية في سياق الارتباط بالإمام (عليه السلام) بوصفها نتيجة طبيعيَّة لعمق المعرفة به (صلوات الله عليه)؛ وكلَّما ازداد إدراك الإنسان لمقام الإمام (عليه السلام) ودوره في الهداية، اتَّسع استعداده لبذل ما يملك في سبيل نصرة هذا الخط؛ لأنَّ نصرته ناتجة من رؤية واضحة تُدرك قيمة الهدف الذي يُضحَّى من أجله.
وقد تجسَّد هذا المعنى بأبهى صوره في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، الذين قدَّموا نموذجًا فريدًا في الوفاء والثَّبات، حتَّى استحقّوا هذا التَّقييم الاستثنائي من إمامهم، حيث قال (عليه السلام): "أمَّا بَعدُ، فَإِنِّي لا أعلَمُ أصحاباً أولى ولا خَيراً مِن أصحابي، ولا أهلَ بَيتٍ أبَرَّ ولا أوصَلَ مِن أهلِ بَيتي، فَجَزاكُمُ اللَّهُ عَنّي جَميعاً خَيراً..."(27)، وهو توصيف يكشف عن بلوغهم مرتبةً عالية من الوعي والإخلاص، جعلتهم يتقدَّمون نحو التَّضحية بطمأنينةٍ وثبات.
إنَّ هذه النَّماذج لم تصل إلى هذا المستوى إلَّا بعد أن ترسَّخت في وعيها حقيقة الإمام (عليه السلام)، فانعكست تلك المعرفة سلوكًا عمليًّا بلغ حدَّ بذل الأرواح. وبهذا، يظهر أنَّ الاستعداد للتَّضحية هو مظهر من مظاهر اكتمال المعرفة، ودليل على أنَّ العلاقة بالإمام (عليه السلام) قد تحوَّلت إلى التزام شامل يهيمن على اختيارات الإنسان ومواقفه، فيجعل نصرة الحقِّ مقدِّمة على كلِّ اعتبار آخر.
المحور الرَّابع: شواهد في معرفة الإمام (عليه السلام)
لم تبقَ معرفة الإمام (عليه السلام) حبيسة المفاهيم والنُّصوص، وتجسَّدت في كربلاء واقعًا نابضًا، ظهرت فيه بأبهى صورها عبر مواقف رجالٍ ونساءٍ وشباب وأطفال ورضع من مختلف الطَّبقات. ومن هذه النَّماذج تتجلَّى حقيقة المعرفة حين تتحوَّل إلى ثباتٍ وموقفٍ وتضحية، قبل الواقعة وأثناءها وبعدها، لتكون شاهدًا على صدق الانتماء. ولسنا هنا بصدد استعراض النَّماذج المرتبطة بتالي المعصومين (عليهم السلام) كأبي الفضل العبَّاس وعليِّ الأكبر والقاسم والسيِّدة زينب (عليهم السلام)؛ وإنَّما سنقف عند نماذج أخرى جسَّدت هذه المعرفة بعمقٍ لافت، توزَّعت مشاهدها قبل الواقعة، وأثناءها، وحتَّى بعد انقضائها.
الشَّاهد الأوَّل: (قبل الواقعة): وسننقل فيها ناصرًا قبل يوم عاشوراء
1. قيس بن مسهر الصيداوي
يعدُّ قيس من أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) الذي أرسله إلى أهل الكوفة يعرفهم قدومه، ويأمرهم بالجدِّ في أمرهم، "فلمّا صار قيس بن مسهر بالقادسية، أخذه الحصين بن تميم، فبعث به إلى ابن زياد، فأمره أن يصعد القصر فيلعن عليًّا ويكذِّب الحسين على القصر، فلمَّا رقيه قال: أيُّها النَّاس إنَّ الحسين بن عليٍّ خير خلق الله (قادم إليكم) وقد فارقته بالحاجز، فأجيبوه، وانصروه. ثمَّ لعن زيادًا وابنه، واستغفر الله لعليٍّ فأمر ابن زياد، فرمي به من فوق القصر، فتقطَّع ومات (رحمه الله)" (28).
الشَّاهد الثَّاني: (أثناء الواقعة)
1. الصحابي أنس بن الحارث الكاهلي
كان شيخًا كبيرًا، وهو من أصحاب الرَّسول محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وسمع له وحدَّثه، وشهد بدرًا وحُنينًا، وكان قمَّة في أخلاقه التربويَّة والانسانيَّة، فاستأذن من الإمام الحسين (عليه السلام) للقتال، فبرز وهو شادّ وسطه بالعمامة، رافع حاجبيه بالعصابة، ولما نظر إليه الإمام الحسين (عليه السلام) بكى، وقال: "شكر الله لك يا شيخ"، ثمَّ برز للقتال، فقتل على كبر سنِّه ثمانية عشر رجلًا، ثمَّ نال الشَّهادة (رضوان الله عليه) (29).
2. أم وهب بنت وهب
هي أم وهب بن وهب الكلبي، وكانا على الدِّيانة النَّصرانيَّة، قد أسلما على يد الإمام الحسين (عليه السلام)، قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): "وبرز من بعده... وهب بن وهب وكان نصرانيًّا أسلم على يد الإمام الحسين (عليه السلام) هو وأمه، فاتَّبعوه إلى كربلاء" (30).
حضر وهب مع أمه وزوجته واقعة كربلاء، وكانت معه أمه وزوجته. فقالت: أمُّه: قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فقال: افعل يا أمَّاه، ولا أقصر، فبرز وهو يقول:
إنْ تُنْكِرُوني فَأنا ابْنُ الكَلْبي * سَوْفَ تَرَوْني وَتَرَوْنَ ضَرْبي
وَحَمْلَتي وَصَوْلَتي فِي الْحَرْبِ * ادْرِكُ ثاري بَعْدَ ثارَ صَحْبي
وَأدْفَعُ الْكَرْبُ أمامَ الْكَرْبِ * لَيْسَ جِهادي في الْوَغى بِاللَّعبِ
ثمَّ حمل، ولم يزل يقاتل حتَّى قتل جماعة، ثمَّ رجع إلى امرأته وأمه. وقال: يا أمَّاه أرضيت؟. فقالت: ما رضيت حتَّى تقتل بين يدي الحسين (عليه السلام). فقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني بنفسك. فقالت له أمُّه يا بني أعزب عن قولها، وارجع، فقاتل بين يدي ابن بنت نبيِّك تنل شفاعة جدِّه يوم القيامة. فرجع فلم يزل يقاتل حتَّى قطعت يداه، واجتمع عليه القوم، وأردوه قتيلًا"(31).
3. بحرية بنت مسعود الخزرجي
"وهي بحرية بنت مسعود الخزرجي أم عمرو بن جنادة الانصاري، استشهد زوجها في الحملة الأولى من واقعة كربلاء، وكان لها غلامًا صغيرًا في رواية تسع سنين، وأخرى إحدى عشر سنة. فجاء يستأذن الإمام الحسين (عيه السلام) للمشاركة في القتال؛ امتثالًا لأمر أمِّه التي دفعت به صوب المعركة، فقالت له: يا ولدي قم وانصر ريحانة رسول الله، بعدما ألبسته لامة حربه، فخرج يستأذن من الحسين (عليه السلام).
فأبى الإمام الحسين (عليه السلام) خروجه قائلًا: هذا غلامٌ قُتل أبوه في الحملةِ الأولى، ولعلَّ أمه تكره ذلك. فأقبل عمرو يسعى نحو سيِّد الشهداء (عليه السلام) خائفًا من أن يصدَّه أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) عن مراده وقصده. فقال: إنَّ أمي أمرتني بالخروج!. فأذن له سيِّد الشُّهداء بعد أن رأى رغبته في المشاركة، أذن له فخرج مرتجزًا:
أَمِيرِي حُسَيْنٌ وَنِعْمَ الْأَمِيرُ * سُرُورُ فُؤَادِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ
عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالِدَاهُ * فَهَلْ تَعْلَمُونَ لَهُ مِنْ نَظِيرٍ
لهُ طَلْعَةٌ مِثْلَ شَمْسِ الضُّحَى* لَهُ غُرَّةٌ مِثْلَ بَدْرِ الْمُنِيرِ
فسرعان ما قُتل، ورمي برأسه صوب الإمام الحسين (عليه السلام) فأخذته أمُّه، ومسحت الدَّم عنه، وضربت به رجلًا من أعداء الله كان قريبًا منها فمات، وعادت إلى المخيم، فأخذت عمودًا، وقيل سيفًا، وقالت:
أَنَا عَجُوزٌ سَيِّدِي ضَعِيفَهْ * خَاوِيَةٌ بَالِيَةٌ نَحِيفَهْ
أَضْرِبُكُمْ بِضَرْبَةٍ عَنِيفَهْ * دُونَ بَنِي فَاطِمَةَ الشَّرِيفَهْ
فأصابت رجلينِ من عسكر الأعداء، فردَّها الإمام الحسين (عليه السلام) بعد ذلك إلى الخيمة حفاظًا عليها بأن لا تنتهك حرمتها أمام أعداء الله"(32).
4. دلهم بنت عمرو الكوفية
دلهم من النِّساء المؤمنات المواليات لأهل البيت (عليهم السلام)، شجَّعت زوجها على إجابة الإمام الحسين (عليه السلام) (33). ولم تحضر بنفسها الى كربلاء إلَّا أنَّه موقفها عظيم في شحذ همَّة زوجها ودفعه الى الالتحاق بركب الإمام الحسين (عليه السلام).
حدَّثَ جماعةٌ من فزارةَ ومن بجيلةَ قالوا: "كنَّا مع زهيرِ بنِ القينِ البجليِّ حين أقبلنا من مكَّةَ، وكنَّا نسائرُ الحسينَ (عليه السلام)، فلم يكن شيءٌ أبغضَ علينا من أن ننازلَهُ في منزلٍ: وإذا سارَ الحسينُ (عليه السلام) فنزلَ في منزلٍ لم نجدْ بُدًّا من أن ننازلَهُ، فنزلَ الحسينُ في جانبٍ ونزلنا في جانبٍ، فبينا نحنُ جلوسٌ نتغذَّى من طعامٍ لنا إذ أقبلَ رسولُ الحسينِ (عليه السلام) حتى سلَّمَ، ثمَّ دخلَ، فقالَ: يا زهيرَ بنَ القينِ إنَّ أبا عبدِ اللهِ الحسينَ بعثني إليكَ لتأتيَهُ، فطرحَ كلُّ إنسانٍ منَّا ما في يدِهِ، حتى كأنَّما على رؤوسِنا الطيرُ، فقالتْ له امرأتُهُ - قالَ السيدُ: وهي ديلمُ بنتُ عمروٍ – سبحانَ اللهِ، أيبعثُ إليكَ ابنُ رسولِ اللهِ ثم لا تأتيهِ؟ لو أتيتَهُ فسمعتَ كلامَهُ ثم انصرفتَ. فأتاهُ زهيرُ بنُ القينِ، فلما لبثَ أن جاءَ مستبشرًا، قد أشرقَ وجهُهُ، فأمرَ بفسطاطِهِ، وثقلِهِ ومتاعِهِ، فقُوِّضَ وحُمِلَ إلى الحسينِ (عليه السلام)، ثم قالَ لامرأتِهِ: أنتِ طالقٌ! الحقي بأهلِكِ فإنِّي لا أحبُّ أن يصيبَكِ بسببي إلَّا خيرٌ.
وزادَ السيدُ: وقد عزمتُ على صحبةِ الحسينِ (عليه السلام) لأفديَهُ بروحي، وأقيَهُ بنفسي، ثمَّ أعطاها مالَها وسلَّمَها إلى بعضِ بني عمِّها ليوصلَها إلى أهلِها، فقامتْ إليه وبكتْ وودَّعتْهُ، وقالتْ: خارَ اللهُ لكَ، أسألُكَ أن تذكرَني في القيامةِ عندَ جدِّ الحسينِ (عليه السلام)" (34).
وأسلمه الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء ميمنة عسكره، ثمَّ استأذن بالخروج، فوضع يده على منكب الإمام الحسين (عليه السلام)، وقال:
أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القينِ * أذودُهُمْ بالسيفِ عن حسينٍ.
قال وأخذ يضرب على منكب حسين ويقول:
أقدِمْ هُدِيتَ هاديًا مهديًّا * فاليومَ تلقى جدَّكَ النبيَّا
وحسنًا والمرتضى عليًّا * وذا الجناحينِ الفتى الكميَّا
وأسدَ اللهِ الشهيدَ الحيَّا(35).
"ثمَّ قاتل قتالًا شديدًا(36). فشدَّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي؛ ومهاجر بن أوس التَّميمي، فقتلاه، فقال الحسين حين صرع زهير: لا يبعدنَّك اللّه يا زهير! ولعن اللّه قاتلك، لعن الَّذين مسخهم قردة وخنازير"(37).
الصُّور الثَّالثة: (بعد الواقعة): عبد الله بن عفيف الأزدي
لمَّا "أمر ابن زياد برأس الحسين (عليه السلام) فطيف به في سكك الكوفة... ثمَّ إن ابن زياد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال في بعض كلامه الحمد لله الذي أظهر الحقَّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين وأشياعه، وقتل الكذَّاب ابن الكذَّاب، فما زاد على هذا الكلام شيئًا حتَّى قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، وكان من خيار الشِّيعة وزهادها وكانت عينه اليسرى ذهبت في يوم الجمل، والأخرى في يوم صفين، وكان يلازم المسجد الأعظم، فيصلي فيه إلى الليل، فقال: يا ابن مرجانة إنَّ الكذَّاب ابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله أتقتلون أبناء النبيينَ، وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين؟
قال: فغضب ابن زياد، ثمَّ قال: من هذا المتكلم؟
فقال: أنا المتكلم يا عدو الله، تقتل الذرية الطَّاهرة التي قد أذهب الله عنهم الرِّجس، وتزعم أنَّك على دين
الاسلام؟ وا غوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار، لا ينتقمون من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمَّد رسول ربِّ العالمين؟
قال: فازداد غضب ابن زياد حتَّى انتفخت أوداجه، وقال: عليَّ به، فبادر إليه الجلاوزة من كلِّ ناحية ليأخذوه، فقامت الاشراف من الأزد من بني عمه، فخلصوه من أيدي الجلاوزة، وأخرجوه من باب المسجد، وانطلقوا به إلى منزله، فقال ابن زياد: اذهبوا إلى هذا الأعمى؛ أعمى الأزد، أعمى الله قلبه كما أعمى عينه، فائتوني به فانطلقوا، فلما بلغ ذلك الأزد اجتمعوا، واجتمعت معهم قبائل اليمن؛ ليمنعوا صاحبهم.
قال: وبلغ ذلك إلى ابن زياد فجمع قبائل مضر، وضمَّهم إلى محمَّد بن الأشعث، وأمرهم بقتال القوم قال: فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتَّى قتل بينهم جماعة من العرب، قال: ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب، واقتحموا عليه، فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك ناوليني سيفي فناولته إيَّاه، فجعل يذب عن نفسه ويقول:
أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن أم عامر
كم دارع من جمعكم وحاسر * وبطل جدلته مغادر
قال: وجعلت ابنته تقول: يا أبت ليتني كنت رجلًا أخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة، قال: وجعل القوم يدورون عليه من كلِّ جهة، وهو يذب عن نفسه، فلم يقدر عليه أحد، وكلَّما جاؤوا من جهة قالت: يا أبه قد جاؤوك من جهة كذا حتَّى تكاثروا عليه، وأحاطوا به، فقالت بنته: واذلاه، يحاط بأبي، وليس له ناصر يستعين به، فجعل يدير سيفه، ويقول:
أقسم لو يفسح لي عن بصري * ضاق عليكم موردي ومصدري
قال: فما زالوا به حتَّى أخذوه، ثمَّ حمل، فادخل على ابن زياد، فلما رآه، قال: الحمد لله الذي أخزاك، فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله ! وبماذا أخزاني الله؟
والله لو فرج لي عن بصري * ضاق عليك موردي ومصدري
فقال ابن زياد: يا عدو الله ما تقول في عثمان بن عفان؟
فقال: يا عبد بني علاج يا ابن مرجانة -وشتمه- ما أنت وعثمان إن أساء أم أحسن، وأصلح أم أفسد، والله تعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحقِّ؛ ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شيءٍ أو تذوق الموت.
فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله ربِّ العالمين، أمَّا إنِّي قد كنت أسأل الله ربِّي أن يرزقني الشَّهادة قبل أن تلدك أمك، وسألت الله أن يجعل ذلك على يدي ألعن خلقه وأبغضهم إليه، فلمَّا كف بصري يئست من الشَّهادة، والآن الحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرفني الإجابة منه في قديم دعائي.
فقال ابن زياد: اضربوا عنقه! فضربت عنقه وصلب في السبخة.
وقال المفيد: فلما أخذته الجلاوزة نادى شعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمائة، فانتزعوه من الجلاوزة، فلمَّا كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته، فضرب عنقه، وصلبه في السبخة (رحمه الله)"(38).
وهكذا، حين نُعيد قراءة كربلاء بعين البصيرة لا بعين التَّاريخ فقط، ندرك أنَّها لم تكن ساحةَ دمٍ فحسب؛ وإنَّما ساحةَ معرفةٍ انكشفت فيها حقائقُ النُّفوس، وتمايزت فيها المواقف على أساسٍ واحد: من عرف الإمام (عليه السلام) حقَّ المعرفة، ثبت معه، ومن جهله –ولو ادَّعى القرب– انحرف عنه.
لقد أثبتت كربلاء أنَّ معرفة الإمام (عليه السلام) هي تحوُّلٌ جذريّ في وعي الإنسان، ينعكس تسليمًا في القرار، وصدقًا في المحبَّة، ووضوحًا في الموقف، واستعدادًا للتَّضحية. فهي التي صنعت من أولئك النَّماذج الخالدة أرواحًا لا تهتزّ أمام السَّيف، وقلوبًا لا تتراجع أمام الفناء؛ لأنَّها رأت الحقيقة كما هي، لا كما تُزيَّن.
إنَّ كربلاء لا تزال حيَّة؛ لأنَّ سؤال المعرفة فيها لم يُغلق، ولأنَّ الامتحان الذي جرى في الطَّفِّ يتكرَّر في صورٍ مختلفة في كلِّ عصر. فطوبى لمن جعل من معرفة الإمام (عليه السلام) ميزانًا لحياته، فاهتدى بها في ظلمات الفتن، وسار على نهجها بثباتٍ ويقين.



اضف تعليق