كشفت كربلاء أنَّ معيار الالتحاق بركب سيِّد الشُّهداء القدرة على التَّحرُّر من التَّعلُّق بالدُّنيا، والتَّوطين على لقاء الله، وبذل النَّفس في سبيل الحقِّ. ولهذا خُلّد أصحاب الإمام الحسين؛ لأنَّهم تجاوزوا حدود الخوف والمصلحة، وارتقوا إلى مقام الفناء في طاعة الله ونصرة وليِّه. بقيت كربلاء مدرسةً مفتوحة عبر العصور، تُربّي الأحرار...

 تكشف كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) عند خروجه إلى العراق حقيقة النَّهضة الحسينيَّة وأبعادها الرِّساليَّة. فهذه الكلمات كانت خطابًا متكاملًا أعاد صياغة مفاهيم الموت، والشَّهادة، والصَّبر، والرِّضا، والتَّكليف، ضمن رؤيةٍ تنطلق من التَّوحيد الخالص، والوعي الكامل بالمصير.

 لقد قدَّم سيِّد الشهداء (عليه السلام) في خطابه قراءةً مختلفة للحياة والموت؛ فقد نظر إلى الموت باعتباره جسرًا نحو لقاء الله (تبارك وتعالى)، وطريقًا لحفظ الدِّين وإحياء القيم. ومن هنا تحوَّل الموت في الوعي الحسيني من مصدر خوفٍ إلى عنوان كرامة، وتحوَّلت الشَّهادة من خسارةٍ ظاهريَّة إلى قمَّة الانتصار الإلهي والخلود الإنساني.

 كما تبيِّن هذه الكلمات عن مقامٍ رفيع من التَّسليم والرِّضا بالقضاء، وعن معرفةٍ بحتميَّة الطَّريق وما ينتظر أهل البيت (عليهم السلام) من البلاء والتَّضحية. ومع ذلك، مضى الإمام (عليه السلام) ثابتًا مطمئنًّا؛ لأنَّه كان يرى في ذلك المصير تحقيقًا للإرادة الإلهيَّة، وإحياءً لجوهر الرِّسالة المحمَّديَّة.

 وفي ضوء التَّأمُّل في هذا الخطاب تتجلَّى أمامنا معالم المدرسة الحسينيَّة في بناء الإنسان المؤمن؛ الإنسان الذي يتحرَّر من هيمنة الدُّنيا، ويتهيَّأ لبذل مهجته في سبيل الحقِّ. ولذلك بقيت كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) حيَّةً في ضمير الأُمَّة، تستمدُّ منها الأجيال معاني العزَّة والوعي والثَّبات، وتكتشف فيها أسرار النَّهضة التي غيَّرت مسار التَّاريخ. وهنا سنركِّز على واحدة من الخطب التي قالها (عليه السلام) لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْعِرَاقِ؛ فقد روي أنَّه قَامَ خَطِيبًا، فَقَال (عليه السلام): "الْحَمْدُ لِلّهِ وما شاءَ اللهُ، وَلا قُوَّةَ إِلًا بِاللهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلى رَسُولِهِ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلادَةِ عَلى جيدِ الْفَتاةِ، وَما أَوْلَهَني إِلى أَسْلافي اشْتِياقَ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ، وَخيِّرَ لي مَصْرَعٌ أَنَا لاقيهِ، كَأَنّي بِأَوْصالي تُقَطِّعُها عُسْلانُ الْفَلَواتِ بَيْنَ النَّواويسِ وَكَرْبَلاءَ، فَيَمْلأَنَّ مِنِّي أَكْراشاً جَوفاً وَأَجْرِبَةً سُغْباً، لا مَحيصَ عَنْ يَوْم، خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضىَ اللهِ رِضانا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلى بَلائِهِ وَيُوَفِّينا أُجُورَ الصَّابِرينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) لُحْمَتُهُ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ في حَظيرَةِ الْقُدْسِ، تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَيُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ، مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّهُ (تَعالى)"(1).

المحور الأوَّل: الموت في الخطاب الحسيني

 يعيش الإنسان بطبيعته حالةً من التَّعلُّق بالحياة، ويغلب عليه طول الأمل والنُّفور من فكرة الموت؛ لأنَّه يرى في الموت انقطاعًا عمَّا ألفه من الدُّنيا ولذَّاتها وعلاقاته. ومن هنا يتسرَّب الخوف إلى أعماق النَّفس كلَّما ذُكر الموت. إلَّا أنَّ خطاب القرآن الكريم والمعصومين (عليهم السلام)، ومنهم الإمام الحسين (عليه السلام قدَّم الموت على أنَّه سنَّة إلهيَّة حتميَّة ترافق الإنسان منذ بداية وجوده، وطريق لا بدَّ لكلِّ نفسٍ من عبوره.

وقد عبَّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة بأسلوبٍ بليغ في قوله: "خُطَّ الْمَوْتُ عَلى وُلْدِ آدَمَ"(2)، وبهذا الأسلوب ينقل الإمام (عليه السلام) الإنسان من حالة الهلع من الموت إلى حالة الوعي بحتميَّته، ليصبح الموت حقيقةً يُتعامل معها بقلبٍ مطمئن وبصيرةٍ واعية، لا بوهم الهروب وطول الأمل.

 وتتَّفق هذه الرُّؤية مع بيان القرآن الكريم الذي يؤكِّد هذه الحقيقة في قول الله (تعالى): (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)(3)؛ حيث يعبِّر النَّصُّ القرآني بصيغة العموم والاستغراق عن حتميَّة الفناء لكلِّ كائنٍ، دون استثناء. كما ينسجم ذلك مع ما ورد في (نهج البلاغة) عن الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام): "الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ والنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ: رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَه فَأَوْبَقَهَا، ورَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَه فَأَعْتَقَهَا"(4)، وهو تعبير يرسِّخ فكرة العبور المؤقَّت في الحياة الدُّنيا، ويضع الموت في سياقه الطَّبيعي بوصفه انتقالًا لا انقطاعًا. 

 غير أنَّ خصوصيَّة خطاب المعصوم (عليه السلام) لا تقف عند حدود تقرير حتميَّة الموت، وتتجاوز ذلك إلى إعادة تقديمه ضمن أفقٍ مختلف. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكتفِ بتأكيد ملازمة الموت للإنسان، وإنَّما صاغ هذه الحقيقة في صورةٍ تنبض بالجمال والطَّمأنينة، حين قال: "خُطَّ الْمَوْتُ عَلى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلادَةِ عَلى جيدِ الْفَتاةِ"(5)؛ فقد رسم صورةً بالغة الجمال؛ فالقلادة في الوجدان الإنساني هي رمز للزِّينة والكمال. ومن خلال هذا التَّشبيه، ينتقل الحديث عن الموت من دائرة الفزع والوحشة إلى أفقٍ مختلفٍ تمامًا، حيث يُقدَّم بوصفه حقيقةً ملازمةً للإنسان ملازمةَ القلادة لعنق الفتاة، لا بوصفه نهايةً عبثيَّةً أو حدثًا مخيفًا ينبغي الهروب منه. وكأنَّ الإمام (عليه السلام) يريد أن يهيّئ النُّفوس لتبنِّي رؤيةٍ أكثر وعيًا وطمأنينةً اتِّجاه الموت؛ رؤيةٍ تكشف ما وراء ظاهره من المعاني السَّامية، فتجعله محطةً ذات قيمة ورسالة، لا مصدرًا للرُّعب والاضطراب.

 وهذه التَّشبيه يجد أصوله وامتداده في النُّصوص الشَّريفة؛ فالآيات القرآنيَّة كثيرة في هذا المجال؛ منها قوله (تعالى): (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ* وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ* وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ* فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ* وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ* فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)(6)؛ وتكشف هذه الآيات الكريمة عن حقيقةٍ يغفل عنها كثيرٌ من النَّاس؛ فالموت ليس انقطاعًا إلى العدم؛ وإنَّما انتقالٌ من دارٍ إلى دار، ومن مرحلةٍ محدودةٍ إلى حياةٍ أوسع وأبقى. فحين تبلغ الرُّوح الحلقوم وتتعطَّل أسباب الدُّنيا، تبدأ ملامح العالم الآخر بالانكشاف، ويُستقبل المؤمن المقرب بالرُّوح والرَّيحان وجنَّات النَّعيم، ويُستقبل أصحاب اليمين بالأمن والسَّلام. ومن هنا يتَّضح أنَّ النَّظرة القرآنية للموت نظرة لقاءٍ وكرامةٍ وجزاء؛ الأمر الذي ينسجم تمامًا مع كلمات أهل البيت (عليهم السلام) التي سعت إلى إزالة رهبة الموت من قلوب المؤمنين، وتحويله من هاجسٍ مخيف إلى جسرٍ يعبرون عن طريقه إلى رحمة الله (تعالى) ورضوانه.

 وكذلك قول الله (سبحانه): (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(7)؛ إذ يُقدَّم الموت للمؤمنين في صورة سلامٍ واستقبالٍ رحيم، لا في صورة قهرٍ أو ظلمة. فالملائكة تستقبل الأرواح بالسَّلام والبشارة، ممَّا يكشف عن الجمال الكامن في الانتقال من الدُّنيا إلى الآخرة.

 وكذلك، في كلمات المعصومين (عليهم السلام) يُقدَّم الموت للمؤمن بوصفه لحظة تحوّل نوعي، لا نهاية عدميَّة؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله): "لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ خَائِفاً مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ، لَا يَتَيَقَّنُ الْوُصُولَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ حَتَّى يَكُونَ وَقْتُ نَزْعِ رُوحِهِ وَظُهُورِ مَلَكِ الْمَوْتِ لَهُ.

 وَذَلِكَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَرِدُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَهُوَ فِي شِدَّةِ عِلَّتِهِ، وَعَظِيمِ ضِيقِ صَدْرِهِ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَلِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِ أَحْوَالِهِ فِي مُعَامِلِيهِ وَعِيَالِهِ وَقَدْ بَقِيَتْ فِي نَفْسِهِ حَسَرَاتُهَا، وَاقْتَطَعَ دُونَ أَمَانِيِّهِ فَلَمْ يَنَلْهَا.فَيَقُولُ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: مَا لَكَ تَجَرَّعُ غُصَصَكَ؟ 

 فَيَقُولُ: لِاضْطِرَابِ أَحْوَالِي، وَاقْتِطَاعِكَ لِي دُونَ أَمْوَالِي وَآمَالِي.

 فَيَقُولُ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: وَهَلْ يَحْزَنُ عَاقِلٌ مِنْ فَقْدِ دِرْهَمٍ زَائِفٍ، وَاعْتِيَاضِ أَلْفِ أَلْفِ ضِعْفِ الدُّنْيَا؟ 

فَيَقُولُ: لَا.

 فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ: فَانْظُرْ فَوْقَكَ. فَيَنْظُرُ، فَيَرَى دَرَجَاتِ الْجِنَانِ وَقُصُورَهَا الَّتِي تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ: تِلْكَ مَنَازِلُكَ، وَنِعَمُكَ، وَأَمْوَالُكَ، وَأَهْلُكَ، وَعِيَالُكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِكَ هَاهُنَا وَذُرِّيَّتِكَ صَالِحاً، فَهُمْ هُنَاكَ مَعَكَ، أَفَتَرْضَى بِهِ بَدَلًا مِمَّا هُنَاكَ؟

 فَيَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ.

 ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرْ. فَيَنْظُرُ، فَيَرَى مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَالطَّيِّبِينَ مِنْ آلِهِمَا فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، فَيَقُولُ لَهُ: أَوَتَرَاهُمْ هَؤُلَاءِ سَادَاتُكَ وَأَئِمَّتُكَ، هُمْ هُنَاكَ جُلَّاسُكَ وَآنَاسُكَ، أَفَمَا تَرْضَى بِهِمْ بَدَلًا مِمَّا تُفَارِقُ هَاهُنَا؟

 فَيَقُولُ: بَلَى وَرَبِّي.

 فَذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ): (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا)(8) فَمَا أَمَامَكُمْ مِنَ الْأَهْوَالِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهَا، وَلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا تُخَلِّفُونَهُ مِنَ الذَّرَارِيِّ وَالْعِيَالِ وَالْأَمْوَالِ، فَهَذَا الَّذِي شَاهَدْتُمُوهُ فِي الْجِنَانِ بَدَلًا مِنْهُمْ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، وَهَؤُلَاءِ سَادَاتُكُمْ وَآنَاسُكُمْ وَجُلَّاسُكُمْ"(9)، وهو تصويرٌ يركِّز على كون الموت انتقال من حالة نقصٍ إلى حالة كمال. 

المحور الثَّاني: الاستشهاد في الخطاب الحسيني

 الاستشهاد في الخطاب الحسيني من المفاهيم المركزيَّة التي تتجاوز البعد المأساوي، لتعبِّر عن رؤية عقديَّة متكاملة ترتبط بفلسفة التَّكليف الإلهي ومسار الاصطفاء الرَّبَّاني. ومن أبرز النُّصوص التي تكشف هذه الحقيقة قول الإمام الحسين (عليه السلام): "وَما أَوْلَهَني إِلى أَسْلافي اشْتِياقَ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ" (10)، وهذه الكلمة يمكن أن نستنتج منها نقاط عدَّة:

النُّقطة الأولى: إنَّ إعلان الإمام الحسين (عليه السلام) لهذا الشَّوق يكشف بأنَّه قد بلغ اللحظة التي يكتمل فيها التَّكليف الإلهي الملقى على عاتقه. فالأئمَّة (عليهم السلام) كانوا يتحرَّكون في مساراتهم وفق تكليفٍ إلهي محدَّد، يتناسب مع طبيعة المرحلة ومتطلَّبات الهداية فيها. ولذلك جاءت حركة الإمام الحسين (عليه السلام) امتدادًا لمشروع ربَّاني مرسوم، لا مجرَّد موقف سياسي أو ثورة اجتماعيَّة بالمعنى التَّقليدي. وقد أشارت الرِّوايات الشَّريفة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الحقيقة بصورة واضحة، ومن أهمِّها ما روي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام)، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) أَنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كِتَاباً قَبْلَ وَفَاتِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هذِهِ وَصِيَّتُكَ إِلَى النُّجَبَةِ(11) مِنْ أَهْلِكَ، قَالَ: وَمَا النُّجَبَةُ يَا جَبْرَئِيلُ؟

فَقَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَوُلْدُهُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ).

 وَكَانَ عَلَى الْكِتَابِ خَوَاتِيمُ مِنْ ذَهَبٍ، فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إِلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَأَمَرَهُ أَنْ يَفُكَّ خَاتَماً مِنْهُ، وَيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ، فَفَكَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خَاتَماً، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ.ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَفَكَّ خَاتَماً، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ.ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَفَكَّ خَاتَماً، فَوَجَدَ فِيهِ: أَنِ اخْرُجْ بِقَوْمٍ إِلَى الشَّهَادَةِ؛ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ إِلَّا مَعَكَ، وَاشْرِ نَفْسَكَ لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)؛ فَفَعَلَ.ثُمَّ دَفَعَهُ إِلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، فَفَكَّ خَاتَماً، فَوَجَدَ فِيهِ: أَنْ أَطْرِقْ وَاصْمُتْ، وَالْزَمْ مَنْزِلَكَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ؛ فَفَعَلَ. ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، فَفَكَ خَاتَماً، فَوَجَدَ فِيهِ: حَدِّثِ النَّاسَ وَأَفْتِهِمْ، وَلَاتَخَافَنَّ إِلَّا اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ)، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ؛ فَفَعَلَ.ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ جَعْفَرٍ، فَفَكَّ خَاتَماً، فَوَجَدَ فِيهِ: حَدِّثِ النَّاسَ، وَأَفْتِهِمْ، وَانْشُرْ عُلُومَ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَصَدِّقْ آبَاءَكَ الصَّالِحِينَ، وَلَاتَخَافَنَّ إِلَّا اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) وَأَنْتَ فِي حِرْزٍ وَأَمَانٍ؛ فَفَعَلَ.ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ مُوسى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَكَذلِكَ يَدْفَعُهُ مُوسى إِلَى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذلِكَ إِلى قِيَامِ الْمَهْدِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ)"(12).

 وهذا المعنى ينسجم مع ما أكَّده القرآن الكريم في قول الله (تعالى): (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)(13)، فالآية ترسم صورة الإنسان الذي يفي بالعهد الإلهي حتَّى آخر لحظة من حياته، وهو ما تجسَّد بأوضح صوره في شخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام). كما أنَّ قوله (عزَّ وجلَّ): (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(14) يمنح بعدًا قرآنيًّا لعبارة الرِّواية: "وَاشْرِ نَفْسَكَ لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)"(15)؛ إذ تبدو الشَّهادة هنا معاملةً إلهيَّة يضحي فيها المؤمن بنفسه في سبيل حفظ الدِّين وإحياء الحقِّ.

النُّقطة الثَّانية: ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) اشتياق النَّبيِّ يعقوب (عليه السلام) لولده يوسف (عليه السلام)؛ وفيه احتمالات عدَّة:

الاحتمال الأوَّل: أنَّ الإمام (عليه السلام) أراد أن يربط نهضته بمسيرة النَّبيِّ يوسف (عليه السلام)؛ ليكشف أنَّ حركة كربلاء هي امتداد لسُنن إلهيَّة تكرَّرت في تاريخ الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام). فكما انتهت محنة يوسف (عليه السلام) بظهور الحقِّ واستقرار العدل، فإنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثِّل بداية المسار الذي سينتهي بانتصار المشروع الإلهي وظهور العدالة الكاملة على يد الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشَّريف). ولهذا السَّبب، فإنَّ قراءة سورة يوسف بوصفها نموذجًا قرآنيًّا يمكن إسقاطه على القضية الحسينيَّة يكشف عن وجوه عديدة من التَّشابه بين المسيرتينِ، ومن أبرزها ما يأتي:

أوَّلًا: الابتلاء الصَّادر من الأقربينَ لا من الأعداء البعيدين

 فالنَّبيُّ يوسف (عليه السلام) لم يبدأ امتحانه مع الغرباء، وإنَّما مع إخوته الذين اجتمعوا على إبعاده حسدًا وعداءً، كما قال الله (تعالى): (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (16). وكذلك الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنَّ أعظم ما واجهه كان من الأُمَّة التي تنتسب إلى جدِّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). وهذا اللون من الابتلاء أشدُّ إيلامًا؛ لأنَّ الجرح عندما يأتي من الدَّاخل يكون أعمق أثرًا وأكثر قسوة.

ثانيًا: أنَّ كلا القضيتينِ مرَّتا بمرحلة الغياب الظَّاهري، يعقبها الحضور المؤثِّر

 فالنَّبيُّ يوسف (عليه السلام) أُلقي في غيابة الجبِّ وغاب عن أعين النَّاس سنوات طويلة، حتَّى ظنَّ الكثير أنَّ قصَّته قد انتهت؛ لكن الله (تعالى) أخرجه من ظلمة الجبِّ إلى موقع القيادة والتَّمكين. وكذلك الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنَّ أعداءه ظنَّوا أنَّ قتله سيؤدِّي إلى إنهاء مشروعه وطمس صوته، غير أنَّ كربلاء تحوَّلت إلى أعظم حضور فكري في وجدان الأُمَّة. وكلَّما مرَّ الزَّمن ازداد ذِكر الإمام الحسين (عليه السلام) امتدادًا، حتَّى أصبح رمزًا عالميًّا للحرية والكرامة.

ثالثًا: أنَّ الطَّريق إلى النَّصر مرَّ عبر الألم والمعاناة

 فسورة يوسف تكشف أنَّ التَّمكين الإلهي سبقه الجبُّ، والسِّجن، والغربة، والاتِّهام، قال الله (جلَّ جلاله): (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)(17). وكذلك القضية الحسينيَّة؛ إذ لم يتحقَّق بقاؤها وخلودها إلَّا بعد تلك التَّضحيات العظيمة التي قُدِّمت في عاشوراء. فالألم في المنهج الإلهي مرحلة إعداد لصناعة التَّحول الكبير في الأُمَّة.

رابعًا: أنَّ كلا المسيرتينِ انتهتا بانكشاف الحقيقة بعد محاولات التَّشويه

 فالنَّبيُّ يوسف (عليه السلام) اتُّهم، وظُلِم، وأُلقي في السِّجن؛ لكنَّ الله (تعالى) أظهر براءته حتَّى اعترفت امرأة العزيز قائلة: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ)(18). والإمام الحسين (عليه السلام) كذلك تعرَّض لحملات تضليل واسعة صوَّرته خارجًا على السُّلطة، إلَّا أنَّ الحقائق انكشفت سريعًا بعد واقعة كربلاء، وتحوَّلت دماؤه الطَّاهرة إلى وسيلة لفضح الانحراف الأموي، حتَّى أصبح أعداؤه رمزًا للظُّلم في الوعي الإسلامي عبر التَّاريخ.

خامسًا: أنَّ كلتا الحركتينِ تمهِّدانِ لإقامة العدل الإلهي

 فالنَّبيُّ يوسف (عليه السلام) انتهت رحلته بتسلُّمه خزائن الأرض وإدارته للمجتمع بالعدل والحكمة، كما قال الله (جلَّ جلاله): (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(19). أمَّا الإمام الحسين (عليه السلام) فإنَّ نهضته تشكِّل الأرضيَّة الكبرى للمشروع المهدوي، ولذلك ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في دعاء النُّدبة: "أَيْنَ الطَّالِبُ بِذُحُولِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، أَيْنَ الطَّالِبُ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِكَرْبَلَاءَ، أَيْنَ الْمَنْصُورُ عَلَى مَنِ اعْتَدَى عَلَيْهِ وَافْتَرَى"(20). فدم الإمام الحسين (عليه السلام) كان بداية لمسار ممتدٍّ ينتهي بظهور العدالة الإلهيَّة الشَّاملة.

 الاحتمال الثَّاني: قد يكون المقصود الإشارة إلى أنَّ الحزن بعده (عليه السلام) سيطول كما طال حزن النَّبيِّ يعقوب (عليه السلام). فكما بقي (عليه السلام) سنوات طويلة يبكي النَّبيَّ يوسف (عليه السلام) (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ* قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ* قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(21)، فإنَّ مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) ستبقى جرحًا نازفًا في وجدان المؤمنين عبر العصور. وهذا المعنى تؤيِّده الرِّوايات الكثيرة التي تحدَّثت عن بكاء الأنبياء والأوصياء والأولياء والملائكة (عليهم السلام) على أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، حتَّى ورد عن الإمام الرِّضا (عليه السلام): "إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ فِيهِ، فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا، وَهُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا، وَسُبِيَتْ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَنِسَاؤٌنَا، وَأُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا، وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقَلِنَا، وَلَمْ يُتْرَكْ لِرَسُولِ اللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا. إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا، وَأَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَأَذَلَّ عَزِيزَنَا. أَرْضُ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَالْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ. فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ؛ فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ"(22). فالظَّاهر أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) منذ البداية كان يكشف أنَّ كربلاء قضيَّة وجدانيَّة مستمرة.

 ويمكن أن يكون من المعاني الدَّقيقة أيضًا أنَّ الإمام (عليه السلام) ربما أراد المقارنة بين "فقد يوسف المؤقت" و"فقد الحسين المستمر"؛ فكأنَّه يقول للأُمَّة: إذا كان النَّبيُّ يعقوب (عليه السلام) قد بكى ولده يوسف (عليه السلام) حتَّى ابيضّت عيناه، فكيف سيكون حال المؤمنين مع مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) التي لا تنتهي آثارها عبر الزَّمن؟

 ولهذا ارتبطت القضيَّة الحسينيَّة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) بثقافة البكاء والعزاء بوصفها تعبيرًا عن الارتباط الوجداني بالحقِّ والولاية.

المحور الثَّالث: الإعلان عن الشَّهادة

 يستحضر الإمام الحسين (عليه السلام) في قوله: "وَخيِّرَ لي مَصْرَعٌ أَنَا لاقيهِ، كَأَنّي بِأَوْصالي تُقَطِّعُها عُسْلانُ الْفَلَواتِ"(23)، حيث يُستحضر مشهدًا تصويريًّا بالغ القسوة، يُشبَّه فيه الأعداء بالذِّئاب السَّريعة (العسلان)(24)، في إشارة إلى طبيعة الاندفاع العدواني الخالي من الأخلاق. وهذا التَّصوير يهدف ويكشف عن وعيٍ مسبق بطبيعة المواجهة، بوصفها صراعًا بين منظومتينِ متقابلتينِ: منظومة تقوم على الوعي والحقِّ، وأخرى تنطلق من الغريزة والعدوان.

والإشارة الى عسلان الفلوات، يحتمل فيه أيضًا احتمالات عدَّة:

الاحتمال الأوَّل: الإشارة إلى الطَّبيعة الوحشيَّة للجيش

 فالذِّئب عندما يهجم لا تحكمه قيم الرَّحمة أو المروءة، وتحركه غريزة الافتراس. وتشبيه الجيش بـ"عسلان الفلوات" يكشف أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) أراد تصوير حالة التَّجرّد الأخلاقي التي بلغها ذلك الجيش، حتَّى أصبح قتل سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته أمرًا عاديًا في نظرهم. وهذا ينسجم مع قوله (تعالى): (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(25).

 لقد أراد الإمام الحسين (عليه السلام) بهذا التَّشبيه أن يكشف انقلابَ الأمَّة من "أمَّةٍ راعية" إلى "أمَّةٍ مفترسة". فالنَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله) جاء ليبني مجتمع الرَّحمة والإنسانيَّة، حتَّى وصفه القرآن الكريم بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(26)؛ لكنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يفضح في هذا التَّصوير المأساوي حجمَ السُّقوط الذي آلت إليه الأمَّة، حين وصلت إلى مرحلةٍ تفترس فيها ابنَ نبيِّها بوحشيَّةٍ لا تعرف حرمةً ولا وفاء. ومن هنا كان التَّشبيه إدانةً حضاريةً عميقة للمسار الذي انتهت إليه الأمَّة بعد ابتعادها عن خطِّ الرِّسالة الإلهيَّة.

الاحتمال الثَّاني: الإشارة إلى أنَّهم يتحركون بدافع الجوع الدُّنيوي لا العقيدة

 فالذِّئاب في الصَّحراء تبحث عن الفريسة بدافع الجوع والبقاء، والإمام (عليه السلام) أراد أن يبيِّن إلى أنَّ أفراد الجيش دفعتهم المطامع السياسيَّة والماليَّة. ولذلك جاء في التَّاريخ: "وَكَانَ قَدْ كَتَبَ لِعُمَرَ مَنْشُوراً بِالرَّيِّ فَجَعَلَ يَقُولُ:

فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَوَاقِفٌ * أُفَكِّرُ فِي أَمْرِي عَلَى خَطَرَيْنِ

أَأَتْرُكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ مُنْيَتِي * أَمْ أَرْجِعُ مَذْمُوماً بِقَتْلِ حُسَيْنٍ

فَفِي قَتْلِهِ النَّارُ الَّتِي لَيْسَ دُونَهَا * حِجَابٌ وَمُلْكُ الرَّيِّ قُرَّةُ عَيْنِي"(27).

الاحتمال الثَّالث: بيان أنَّ الهجوم سيكون جماعيًّا لا فرديًّا

 فالذِّئاب عندما تهاجم تفترس ضمن جماعة، لا بصورة منفردة. وهذا التَّشبيه يكشف أنَّ الإمام (عليه السلام) أراد تصوير حالة التَّكاثر العددي والهجوم الجماعي على جسد واحد، في مقابل قلَّة النَّاصر مع الإمام الحسين (عليه السلام). وأنَّه يفضح اختلال الموازين، حيث تجتمع الآلاف على قتل إمام معصوم عطشان.

الاحتمال الرَّابع: بيان شدَّة التَّمزيق الذي سيتعرَّض له جسده الشَّريف

 فقوله: "تُقطعها عسلان الفلوات"(28) تصوير لتقطيعٍ وحشي متكرر، وكأنَّ الإمام (عليه السلام) يريد أن يكشف منذ البداية حجم القسوة التي سيُعامل بها جسده في المعركة وبعد الشَّهادة. وهذا ما تحقَّق فعلًا حين قطَّعوا جسده بالسُّيوف والرِّماح، ورضُّوا صدره الشَّريف بالخيل.

 وقد تابعتُ تقريرًا مفصَّلًا يذكر أنَّ الذِّئاب عندما تنقضّ على فريستها تُحدث فيها ما يقارب ألفَ جرح، بسبب طبيعة فكِّها المفترس وحدَّة أنيابها التي تمزِّق الجسد بعنفٍ ووحشيَّة.

الاحتمال الخامس: التَّلميح إلى جبن القوم

 فالذِّئاب غالبًا تهاجم عندما تشعر بضعف الفريسة أو وحدتها، والإمام (عليه السلام) أراد أن يفضح الطَّبيعة الجبانة لذلك الجيش؛ إذ لم يجرؤوا على مواجهته مواجهة الشُّجعان، وتكاثروا عليه بعد أن أثخنته الجراح والعطش، وقتلوا أصحابه وأهل بيته. 

المحور الرَّابع: لماذا اختار الإمام (عليه السلام) أرض كربلاء؟

قال الإمام (عليه السلام): " بَيْنَ النَّواويسِ(29) وَكَرْبَلاءَ"(30). 

 اقتضت الحكمة الإلهيَّة أن يختصَّ الله (سبحانه) بعض الأزمنة والأمكنة بمزيدٍ من العناية والبركة والفيض الربَّاني، لتكون مواطن تتنزَّل فيها الرَّحمة. وهذه الحقيقة هي أصلٌ قرآنيّ ثابت دلَّت عليه نصوص الوحي، وأكَّدته روايات أهل البيت (عليهم السلام)، بما لا يترك مجالًا للارتياب في أنَّ للزَّمان والمكان قابليَّةً متفاوتة في حمل النَّفحات الإلهيَّة وتجليات الرَّحمة الربَّانيَّة.

 وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في مواضع متعدِّدة، منها قوله (تعالى): (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)(31)، حيث منح الله (تعالى) لبعض الشُّهور حرمةً خاصَّة، وجعل لها منزلةً تختلف عن بقية الأزمنة، حتَّى نُهي فيها عن الظُّلم والتَّعدِّي، إشارةً إلى عظمة حرمتها عند الله (سبحانه).

 كما أقسم (سبحانه) ببعض الأزمنة تعظيمًا لشأنها؛ لأنَّ القسم الإلهي لا يكون إلَّا بما يحمل معانٍ عظيمة، فقال الله (سبحانه): (وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ)(32)، وقال الله (سبحانه وتعالى) أيضًا: (وَالْعَصْرِ)(33)، في إشارة إلى قيمة زمن معيَّن وخطورته في بناء مصير الإنسان.

 ومن الأزمنة المقدَّسة شهر رمضان المبارك، الذي ارتبط بنزول القرآن الكريم، قال الله (تعالى):

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(34). ومن داخل هذا الشَّهر، خصَّ الله (تعالى) (ليلة القدر) بمقامٍ يفوق إدراك العقول، فقال الله (سبحانه): (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)(35)، وهي دلالة على أنَّ القيمة الحقيقيَّة للزَّمن تُقاس بما يفيض الله (تعالى) فيه من رحمات وأنوار.

 كما كشف القرآن الكريم بوضوح عن أنَّ الله (تعالى) اصطفى بعض البقاع وجعلها محالّ لنزول رحمته وتجليات أنواره، وربطها بالوحي والعبادة والأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، لتتحوَّل تلك الأماكن إلى منارات للهداية والتَّزكية، ومواطن تتضاعف فيها الآثار المعنويَّة والإيمانيَّة.

 ومن أبرز الآيات الدَّالة على ذلك قول الله (تعالى) في شأن الكعبة المشرفة: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)(36). فالآية تصف هذا المكان بأنَّه "مبارك"؛ أي: أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أودع فيه بركات خاصَّة، ولذلك صار قبلةً للعبادة ومهوىً لأفئدة المؤمنين.

 وقال الله (جلَّ جلاله) أيضًا: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا)(37). فالبيت الحرام جعله الله (سبحانه) مركزًا للأمان النَّفسي، يعود إليه النَّاس بشوقٍ متجدِّد، لما يحمله من خصوصيَّةٍ.

 ومن الآيات العظيمة في بيان قداسة بعض البقاع قول الله (تبارك وتعالى) للكليم موسى (عليه السلام): 

(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ* إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)(38). فالقرآن يصرِّح بأنَّ الوادي "مقدَّس"، أي: مطهَّر ومشرَّف بعناية الله (تعالى)، حتَّى أُمر موسى (عليه السلام) بخلع نعليه لحرمة المكان.

 وقال (تعالى) كذلك: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ)(39)، حيث أقسم بجبل الطُّور الذي شهد مناجاة موسى (عليه السلام)، والقسم الإلهي يكشف عن عظمة المقسَم به ومكانته. كما تحدَّث القرآن عن بقاع ارتبطت بالسَّكينة والرَّحمة، فقال (سبحانه): (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(40).

 إذًا، لا ريب في أنّ الله (تعالى) - وهو خالق الزَّمان والمكان ومالك أسرارهما- قد شاء بحكمته أن يفيض على بعض الأزمنة خصوصيًّةً وشرفًا يفوق غيرها، فجعلها مواسم للرَّحمة ومواطن لتجلِّي النَّفحات الإلهيَّة، كما اصطفى بعض البقاع والأراضي فخلع عليها قداسةً وبركةً خاصَّة، حتَّى غدت مهوىً لأفئدة المؤمنين، ومراكز تستمدُّ منها الأرواح طمأنينتها.

 وبعد هذا التَّمهيد تظهر أمامنا تساؤلاتٌ جوهريَّة تفرض نفسها على الباحث والمتأمِّل: لماذا اختار الله (تعالى) أرض كربلاء لتكون مسرحًا لأعظم ملحمةٍ إيمانيَّة في تاريخ الإنسانيَّة؟

 وما السرُّ الكامن وراء هذه المنزلة الاستثنائيَّة التي حظيت بها هذه البقعة الطَّاهرة دون غيرها من بقاع الأرض؟

 إنَّ محاولة الاقتراب من الإجابة عن هذا السُّؤال تستدعي الرُّجوع إلى النُّصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنَّهم الأعرف بأسرار المشروع الإلهي وحقائق الاصطفاء الرَّبَّاني. وعند التَّأمل في الرِّوايات الشَّريفة التي تناولت أرض كربلاء نجد أنفسنا أمام كمٍّ كبيرٍ من النُّصوص المتضافرة التي تكشف عن خصوصيَّة هذه الأرض وقداستها منذ ما قبل خلق الإنسان. وقد نقلت هذه الرِّوايات مصادر حديثيَّة معتبرة، ومن الرِّوايات التي تفتح نافذةً لفهم سرِّ الاصطفاء الإلهي لكربلاء، ما رُوي عن الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: "خَلَقَ اللهُ كَربلَاءَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقُ الكَعْبَةَ بِأرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ألْفَ عَامٍ، وَقَدَّسَهَا وَبَارَكَ عَلَيهَا، فَمَا زَالَتْ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللهُ الخَلْقَ مُقَدَّسَةً مُبَارَكَةً لَا تَزَالُ كَذَلِكَ، جَعَلَهَا اللهُ أفْضَلَ الأرْضِ في الجَنَّةِ"(41).

 وهذه الرِّواية تحمل دلالات عميقة تتجاوز حدود الوصف الجغرافي، لتكشف عن حقيقةٍ عقائديَّة ترتبط بعالم التَّقدير الإلهي السَّابق لوجود البشر. فالرِّواية تشير إلى أنَّ قداسة كربلاء ليست أمرًا طارئًا نشأ بعد واقعة الطَّف، وإنَّما هي أرض اصطفاها الله (تعالى) وهيَّأها لتحمل مشروعًا إلهيًّا عظيمًا قبل خلق الكعبة نفسها، مع ما للكعبة من مركزيَّةٍ في الإسلام. وهذا الاصطفاء يكشف عن أنَّ حادثة عاشوراء كانت جزءًا من تدبيرٍ إلهيّ عميق أُريد له أن يكون منارًا خالدًا للهداية والوعي والتَّضحية.

 ومن هذا الفهم يمكن إدراك أنَّ شرف كربلاء متَّصلٌ بما احتضنته من تجلٍّ كاملٍ للعبوديَّة، حيث اجتمع فيها أسمى معاني الإيمان والفداء والصَّبر واليقين. فقد تحوَّلت هذه الأرض إلى موضعٍ تجلَّت فيه حقيقة الصِّراع بين الحقِّ والباطل بأوضح صورها، حتَّى غدت رمزًا عالميًّا للحرية والكرامة ورفض الظُّلم.

 ومن الرِّوايات العميقة الدلالة في بيان منزلة أرض كربلاء، ما رواه صفوان الجمَّال، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "إنَّ اللهَ (تباركَ وتعالى) فَضَّلَ الأَرَضِينَ وَالمِيَاهَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ...، وَإِنَّ أَرْضَ كَرْبَلَا وَمَاءَ الفُرَاتِ أَوَّلُ أَرْضٍ وَأَوَّلُ مَاءٍ قَدَّسَ اللهُ تباركَ وتعالى وَبَارَكَ اللهُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي بِمَا فَضَّلَكِ اللهُ تعالى، فَقَدْ تَفَاخَرَتِ الأَرَضُونَ وَالمِيَاهُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَتْ: أَنَا أَرْضُ اللهِ المُقَدَّسَةُ المُبَارَكَةُ، الشِّفَاءُ فِي تُرْبَتِي وَمَائِي، وَلَا فَخْرَ؛ بَلْ خَاضِعَةٌ ذَلِيلَةٌ لِمَنْ فَعَلَ بِي ذَلِكَ، وَلَا فَخْرَ عَلَى مَنْ دُونِي؛ بَلْ شُكْرًا لِلَّهِ، فَأَكْرَمَهَا، وَزَادَهَا بِتَوَاضُعِهَا وَشُكْرِهَا لِلَّهِ بِالحُسَيْنِ (عليه السلام) وَأَصْحَابِهِ.

 ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللهُ (تعالى)"(42).

 وتكشف هذه الرِّواية عن بُعدٍ معرفيّ وأخلاقيّ بالغ العمق، فالرِّواية تصوِّر لنا أنَّ بعض الأراضي والمياه وقعت في حالةٍ من التَّفاخر، فكان ذلك سببًا في سلب بعض الخصوصيات عنها، بينما وقفت كربلاء موقف العبوديَّة الخالصة، وهنا تتجلَّى حقيقةٌ قرآنيَّة متكرِّرة، وهي أنَّ الكرامة الحقيقيَّة تنبع من مقدار الارتباط بالله (سبحانه) والخضوع لعظمته. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(43)، وكلَّما ازداد المخلوق تواضعًا لله (سبحانه) واعترافًا بفضله، ارتفعت منزلته عنده (عزَّ وجلَّ).

 ومن اللافت في الرِّواية أنَّ الإمام الصَّادق (عليه السلام) ربط بين تواضع أرض كربلاء وبين تشريفها بالإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، في إشارة إلى أنَّ الأرض التي احتضنت أعظم صور الإخلاص والفداء لا بدَّ أن تكون قد امتلكت قابليَّةً خاصَّة لتلقِّي هذا الفيض الرَّبَّاني. وكأنَّ الرِّواية تريد أن تقرِّر أنَّ السنخية بين المظروف والظَّرف كانت قائمة؛ فكما كان الإمام الحسين (عليه السلام) قمَّةً في العبوديَّة والتَّسليم لله (جلَّ جلاله)، كانت كربلاء أرضًا متوشحةً بالتَّواضع والخضوع، فاجتمع نور الوليِّ بنور البقعة التي احتضنته.

 كما تحمل الرِّواية بعدًا تربويًّا يتجاوز الحديث عن خصوصيَّة المكان، ليصل إلى بناء الإنسان نفسه. ولذلك ختم الإمام (عليه السلام) بقوله: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللهُ (تعالى)"(44)؛ ليجعل من كربلاء مدرسةً للتَّربية قبل أن تكون بقعةً جغرافيَّة. فالقضيَّة نموذجٌ يعلِّم الإنسان أنَّ طريق الرِّفعة يبدأ من الانكسار بين يدي الله (تعالى)، وأنَّ كلَّ عظمةٍ منفصلة عن التَّواضع مصيرها السُّقوط والانحدار.

 وقد تناولت العديد من الدِّراسات والبحوث مسألة اختيار الإمام الحسين (عليه السلام) لأرض كربلاء، فذهبت بعض التَّحليلات إلى تفسير ذلك من خلال المعطيات السِّياسيَّة والعسكريَّة المرتبطة بظروف النَّهضة الحسينيَّة، كالموقع الجغرافي، وطبيعة الطَّريق، والظُّروف المحيطة بحركة جيش الأمويين، وما إلى ذلك من الاعتبارات التي يمكن أن تسهم في فهم جانبٍ من أبعاد الواقعة. ولا شكَّ أنَّ هذه القراءات تمتلك قدرًا من المقبوليَّة العلميَّة؛ لأنَّها تحاول قراءة الحدث ضمن سياقه التَّاريخي والواقعي، وتسلِّط الضَّوء على بعض الحكمة الظَّاهريَّة في مجريات النَّهضة الحسينيَّة.

 غير أنَّ الاقتصار على هذه التَّفسيرات يبقى عاجزًا عن الإحاطة بالحقيقة الكاملة لهذا الاختيار؛ لأنَّ واقعة كربلاء ليست حدثًا سياسيًّا أو عسكريًّا صرفًا يمكن تفسيره بالأدوات التَّحليليَّة الماديَّة وحدها؛ وإنَّما هي مشروعٌ إلهيّ ذو امتداد عقائدي عميق. 

 فالرِّوايات الشَّريفة تكشف أنَّ كربلاء كانت أرضًا مصطفاة قبل وقوع المعركة بزمنٍ طويل، وأنَّ لها خصوصيَّةً سابقة على الحدث التَّاريخي نفسه. وهذا ما يخرج القضية من حدود المصادفة الجغرافيَّة أو الضَّرورة العسكريَّة إلى أفق الاصطفاء الربَّاني والتَّقدير الإلهي المسبق. ولذلك نجد أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) تحدَّثوا عن كربلاء باعتبارها بقعةً مقدَّسة اختزن الله (سبحانه) فيها أسرارًا من الرَّحمة والهداية والشَّهادة.

المحور الخامس: حتميَّة الشَّهادة

 إنَّ كلمة الإمام الحسين (عليه السلام): "لَا مَحيصَ عَنْ يَوْم، خُطَّ بِالْقَلَمِ" (45). هي مدرسة كاملة في فهم العلاقة بين القضاء الإلهي، والمسؤوليَّة، والوعي، والثَّبات، والتَّحرُّك الرِّسالي. وهي من الكلمات التي تختصر عمق الرُّؤية الحسينيَّة للحياة والموت والرِّسالة. والتَّأمل في هذه الكلمة يمكِّننا على استخراج جملة من الفوائد والقواعد العقائديَّة والتَّربويَّة:

أوَّلًا: بيَّن الإمام (عليه السلام) أنَّ ما سيجري في أرض كربلاء هو ضمن علم الله (تعالى) وتقديره.

فـ"خُطَّ بالقلم" إشارة إلى أنَّ هذا اليوم قد كُتب في اللوح الإلهي، وأنَّ الله (سبحانه) قدَّر أن تكون كربلاء منطلقًا لحفظ الدِّين وإحياء الرِّسالة. وهنا تتجلَّى القاعدة القرآنيَّة: أنَّ لله (تعالى) سننًا ومقادير تجري بحكمة. قال الله (تعالى): (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)(46).

ثانيًا: إنَّ معرفة الإنسان بالنَّتائج لا تُسقط عنه التَّكليف. فالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) تحرَّكوا؛ لأنَّ الواجب يفرض عليهم الموقف؛ وليس لأنَّهم ضمنوا النَّصر. ولهذا السَّبب فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) مع علمه بأنَّ الشَّهادة واقعة، ومع ذلك خرج، وخطب، وجاهد، واحتجَّ، وأقام الحجَّة.

 وبمعنى آخر: ربَّى الإمام (عليه السلام) الأُمَّة أنَّ الإنسان لا ينبغي أن يترك الحقَّ خوفًا من الألم أو الخسارة أو الموت. فكثير من النَّاس يعرفون الحقَّ؛ لكنَّهم يبحثون عن محيص من المواجهة، ومحيص من التَّضحية، ومحيص من قول الحقيقة. أمَّا سيَّد الشهداء (عليه السلام) فيعلِّمنا أنَّ بعض المواقف لا يجوز الفرار منها؛ لأنَّ الهروب منها يعني الفرار من أداء التَّكاليف.

ثالثًا: ذهب الإمام (عليه السلام) إلى كربلاء وكان يعلم بطريقه، وما ينتظره من القتل والتَّمثيل والسَّبي، ومع ذلك مضى. وهذا يكشف أنَّ التَّضحية الحسينيَّة كانت مشروعًا مقصودًا لإنقاذ الأُمَّة. وهذا يجعلنا نفهم أنَّ الإصلاح الحقيقي يحتاج أحيانًا إلى: الصَّبر على الألم، والثَّبات على المبدأ، ودفع أثمان باهظة لحفظ القيم.

رابعًا: من ألطف ما يُفهم من هذه الكلمة: أنَّ الإنسان إذا عرف أنَّ طريق الحقِّ مليء بالتَّعب، ثمَّ سار فيه مطمئنًا لله (تعالى)، تحوَّل ألمه إلى خلود. ولهذا بقي الإمام الحسين (عليه السلام) خالدًا في ضمير الأُمَّة، بينما مات قتلتُه، وإن عاشوا سنين.

المحور السَّادس: الرِّضا بالقضاء

 يمكن تمثيل مفهوم "الرِّضا بالقضاء" في الخطاب الحسيني بأنَّه ذروة البناء الذي تتكامل فيه المعرفة بالله (تبارك وتعالى) مع التَّسليم لحكمته، ويظهر ذلك جليًّا في قول الإمام الحسين (عليه السلام): "رِضَا اللهِ رِضَانَا أهل البَيتِ"(47). وهذه العبارة الموجزة تختزن أفقًا دلاليًّا واسعًا، وتفتح المجال أمام قراءةٍ تحليليَّة تتناول طبيعة العلاقة بين الإرادة الإلهيَّة والموقف الإنساني الكامل كما يتجلَّى في أهل البيت (عليهم السلام).

 وتحتمل هذه الجملة معنيينِ متلازمينِ، لا يتنافيانِ؛ بل يتكاملان في بناء الرُّؤية العقديّة. أمَّا المعنى الأوَّل، فيفيد أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) يرضون بما رضي الله (تعالى) به، أي: أنَّ إرادتهم منسجمة تمام الانسجام مع الإرادة الإلهيَّة، فلا يصدر عنهم اعتراض ولا تردُّد، ويعيشون حالة التَّسليم الواعي الذي ينبع من معرفةٍ عميقة بحكمة الله (تعالى). وهذا المعنى يعبّر عن مقامٍ رفيع من مقامات العبوديَّة، حيث يبلغ الإنسان درجةً لا يرى فيها لنفسه اختيارًا مستقلًا عن اختيار الله (عزَّ وجلَّ).

 وأمَّا المعنى الثَّاني، فيشير إلى أنَّ رضا الله (تعالى) يتعلَّق برضاهم (عليهم السلام)، بحيث يصبح تحصيل رضا الله (سبحانه) مشروطًا بنيل رضاهم (عليهم السلام)، وهو ما ينسجم مع ما ورد في الحديث الشَّريف في حقِّ مولاتنا السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): "إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لِرِضَاكِ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِكِ"(48). وهذا يُفهم على أنَّ رضاهم (عليهم السلام) هو التَّعبير الأكمل عن رضا الله (تعالى)؛ لأنَّهم المظهر الأتمُّ لطاعته (سبحانه)، والمجسِّدون لإرادته في الواقع.

 وفي ضوء هذينِ المعنيينِ، يتَّضح أنّ مقام الرِّضا هو موقف معرفي يقوم على اليقين بكمال الله (تعالى)، وإحاطته، وحكمته المطلقة. فالمؤمن، كلَّما ازداد معرفة بالله (تعالى)، ازداد رضا بقضائه؛ لأنَّه يدرك أنَّ ما يجري عليه، لا يخرج عن دائرة اللطف الإلهي. وقد ورد عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام) قوله: "إنَّ أعلَمَ النَّاس باللَّهِ أرضَاهُم بِقَضَاءِ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ)"(49).

 ويكتسب هذا المفهوم بعدًا تطبيقيًّا عميقًا في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث كان الرِّضا بالقضاء مبدأ تجلَّى في مواقفه بأعلى درجاته، وهو يواجه أشدَّ صور الابتلاء. فقبوله بما جرى عليه في كربلاء كان انسجامًا مع إرادة الله (تعالى)، واستحضارًا لمعنى العبوديَّة في أسمى مظاهرها.

 ومن اللافت في هذا السِّياق ما ورد في بعض الرِّوايات من ارتباط سورة الفجر بالإمام الحسين (عليه السلام)، ولا سيَّما في قول الله (سبحانه): (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي)(50)، حيث تعبِّر هذه الآية عن ذروة السَّكينة، المقرونة بحالتي الرِّضا والقبول المتبادل بين العبد وربِّه (سبحانه). وقد رُوي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "اقرَؤوا سورَةَ الفَجرِ في فَرائِضِكُم ونَوافِلِكُم؛ فَإِنَّها سورَةُ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ (عليه السّلام)، مَن قَرَأَها كانَ مَعَ الحُسَينِ (عليه السّلام) يَومَ القِيامَةِ في دَرَجَتِهِ مِنَ الجَنَّةِ، إنَّ اللَّهَ (عزَّ وجلَّ) عَزيزٌ حَكيمٌ"(51)، وهو ما يشير إلى الارتباط بين مضمون السُّورة، وتجربة الإمام (عليه السلام).

المحور السَّابع: الصَّبر على البلاء

 لا ينفكّ الصَّبر عن الرِّضا والتَّسليم، ويشكِّل الوجه التَّنفيذي له في الواقع الخارجي. ويتجلَّى هذا المعنى في قول الإمام الحسين (عليه السلام): "نَصبِرُ عَلَى بَلائِهِ"(52)، وهي عبارة قصيرة تنطوي على منظومة عقديَّة وسلوكيَّة متكاملة، تُعيد تعريف علاقة الإنسان بالابتلاء بوصفه جزءًا من مشروع العبوديَّة لا عارضًا عليه.

 إنَّ الصَّبر هو موقف واعٍ يقوم على إدراك حكمة البلاء الإلهي، ومن ثمَّ قبوله والعمل ضمن مقتضياته من دون اعتراض أو جزع. ولهذا فإنَّ الصَّبر هو ثمرة للرِّضا، كما ورد في الرِّواية عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "رَأْسُ طَاعَةِ اللَّهِ الصَّبْرُ وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَحَبَّ الْعَبْدُ أَوْ كَرِهَ، وَلَا يَرْضى عَبْدٌ عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ"(53). وهذا النَّصُّ يضع الصَّبر في قلب الطَّاعة، ويجعل منه معيارًا لكمال الإيمان؛ لأنَّه يكشف عن مدى انسجام الإنسان مع الإرادة الإلهيَّة في مختلف الأحوال.

 ويُفهم الصَّبر في المنظور الإسلامي على أنَّه ذو درجات، تتفاوت بحسب عمق الوعي وشدَّة الابتلاء، وأعلى مراتبه هو الصَّبر على البلاء حين يتجاوز الإنسان فيه حدود الانفعال إلى مقام الثَّبات واليقين. ومن هنا، ارتبط الصَّبر في التَّصوّر القرآني بمقام الإمامة، كما في قول الله (تعالى): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(54)، حيث يُفهم من الآية أنَّ القيادة الإلهيَّة لم تُمنح إلَّا لمن اجتاز امتحان الصَّبر، بما يعني أنَّ الصَّبر شرط جوهري في تكوين موقع الهداية الإلهيَّة في الأرض.

 وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم حركة الإمام الحسين (عليه السلام) من دون إدراك أنَّها قائمة على أعلى درجات الصَّبر على البلاء، مقرونًا بالزُّهد في الدُّنيا. ويتجلَّى هذا البعد في مضامين دعاء (النُّدبة)، حيث يُشار إلى أنَّ اختيار أولياء الله (تعالى) لم يكن منفصلًا عن التزامهم بشروط هذا الاصطفاء، ومنها الزُّهد في الدُّنيا وتحمل مشاقّ الابتلاء، في مقابل النَّعيم الأبدي الذي أعدَّه الله (تعالى) لهم، وهذا واضح في الدعاء: "اللّـهُمَّ لَكَ الحَمدُ عَلى ما جَرى بِهِ قَضاؤكَ في اَولِيائِكَ الَّذينَ استَخلَصتَهُم لِنَفسِكَ وَدينِكَ، اِذِ اختَرتَ لَهُم جَزيلَ ما عِندَكَ مِنَ النَّعيمِ المُقيمِ الَّذي لا زَوالَ لَهُ وَلاَ اضمِحلالَ، بَعدَ اَن شَرَطتَ عَلَيهِمُ الزُّهدَ في دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنيَا الدَّنِيَّةِ وَزُخرُفِها وَزِبرِجِها، فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ وَعَلِمتَ مِنهُمُ الوَفاءَ بِهِ فَقَبِلتَهُم وَقَرَّبتَهُم"(55). 

 ويؤكِّد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع متعدِّدة، من أبرزها قول الله (تعالى): (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)(56)، حيث تتحوَّل الصفة إلى معيار محبَّة إلهيَّة، وقول الله (سبحانه): (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب)(57)، وهو تعبير يفيد انفتاح الأجر على مدى غير محدود، بما يدلُّ على خصوصيَّة هذا المقام في منظومة الجزاء الإلهي. 

 ولا يستغرب الصَّبر والثَّبات العظيم الذي أبداه الإمام الحسين (عليه السلام) فهو ابن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) الذي قال: "لَو وَضَعوا الشَّمسَ في يَميني والقَمَرَ في يَساري ما أرَدتُهُ، ولكنْ يُعطوني كَلِمَةً يَملِكونَ بها العَرَبَ، وتَدينُ لَهُم بها العَجَمُ، ويكونونَ مُلوكاً في الجَنَّةِ"(58). ولذلك، عبر الإمام (عليه السلام): "لن تشُذَّ عن رسَولِ اللهِ لحمتُه"؛ أي: أنَّه امتداد للرِّسالة، لا ينفصل عنها في الدُّنيا ولا في الآخرة. 

 ويُستكمل هذا التَّصوير ببيان أنَّهم "مجموعة لَه في حَظِيرةِ القُدس(60)"(61)، وهي تعبير يحمل دلالات رمزيَّة عميقة، إذ تشير "حظيرة القدس" إلى مقام الطَّهارة الإلهيَّة والنَّعيم الأخروي الذي لا يشوبه نقص. والحظيرة في أصلها اللغوي تفيد الإحاطة والمنع(62)، أي: أنَّ هذا المقام محفوظ من التَّغيّر والزَّوال، وهو ما يعكس ثبات النَّعيم الإلهي واستمراريته.

المحور الثَّامن: شروط الخروج مع الإمام الحسين (عليه السلام)

 يقدِّم الخطاب الحسيني في قوله: " مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّهُ (تَعالى)"(63) معيارًا دقيقًا لشرط الالتحاق بركب الشَّهادة، ويتأسَّس هذا الشَّرط على أمرينِ محوريينِ: بذل المهجة، والتَّوطين على لقاء الله (تعالى). أمَّا المهجة: "دم القلب، ولا بقاء للنَّفْسِ بعدما تُراقُ مُهْجَتُها، وقيل: المُهْجَةُ الدَّمُ؛ وحكي عن أَعرابي؛ أَنه قال: دَفَنْتُ مُهْجَتَه أَي: دمَه؛ ويقال: خَرَجَت مُهْجَتُه؛ أَي: روحُه"(64)، واختيار هذا التَّعبير يكشف أنَّ المطلوب التَّسليم الكامل، بحيث لا يبقى للإنسان تعلُّقٌ جوهريّ بما دون الله (تعالى). إنَّه انتقال من امتلاك الحياة إلى تقديمها، ومن حفظ الذَّات إلى إفنائها في سبيل المبدأ.

 وأمَّا "التَّوطين"(65) على لقاء الله (سبحانه)، فهو مفهوم يتجاوز لكلِّ أشكال التَّعلُّق بالدُّنيا، بمعنى التَّحرُّر من سلطتها القلبيَّة. فالدُّنيا لا تُلغى في الخارج، ولكن تُسقط من الدَّاخل، بحيث لا تعود معيارًا للاختيار أو التَّفضيل. وبهذا المعنى، يصبح اللقاء الإلهي هو الغاية التي تُعيد تشكيل كلَّ العلاقات الأخرى.

 إنَّ هذا الشَّرط يكشف عن طبيعة التَّمايز بين من التحقوا بالإمام (عليه السلام) ومن حُرموا هذا الشَّرف؛ إذ كان التَّمايز مبنيًا على مقدار التَّحرُّر من التَّعلُّق بالدُّنيا، واستعداد النَّفس للفناء في طريق الحقِّ. 

 وعليه، فإنَّ شرط الخروج مع الإمام الحسين (عليه السلام) يمكن فهمه بوصفه شرطًا يعيد تشكيل الإنسان من الدَّاخل، بحيث يتحوَّل من كائنٍ مرتبط بالدُّنيا إلى كائنٍ متوجّه بكليّته نحو الله (تعالى). إنَّه شرط الانتقال من الوجود الموزَّع بين التَّعلُّقات، إلى الوجود الموحّد في اتِّجاه واحد، حيث تصبح الشَّهادة نتيجة طبيعيَّة لهذا التَّوحّد، لا قرارًا طارئًا عليه.

 إنَّ التَّأمُّل في خطاب الإمام الحسين (عليه السلام) قبل عاشوراء يكشف أنَّ كربلاء كانت مشروعًا إلهيًّا متكاملًا لإحياء الإنسان وبناء الوعي الرِّسالي في الأمَّة. فالإمام (عليه السلام) أعاد من خلال كلماته تشكيل المفاهيم الكبرى في حياة الإنسان؛ فحوَّل الموت إلى معبرٍ نحو الخلود، والشَّهادة إلى ذروة الكمال، والبلاء إلى طريقٍ للتَّقرب من الله (سبحانه)، والصَّبر إلى أساسٍ للقيادة والهداية.

 وقد أظهرت هذه الكلمات أنَّ النَّهضة الحسينيَّة قامت على وعيٍ كامل بالتَّكليف والمصير، لا على ردَّة فعلٍ عاطفيَّة أو ظرفٍ سياسيّ محدود. فالإمام (عليه السلام) كان يعلم بما ينتظره من القتل والسَّبي والتَّمثيل، ومع ذلك أعلن رضاه وتسليمه؛ لأنَّه رأى في ذلك حفظًا للدِّين وإنقاذًا للأمَّة من الانحراف والضَّياع.

 كما كشفت كربلاء أنَّ معيار الالتحاق بركب سيِّد الشُّهداء (عليه السلام) القدرة على التَّحرُّر من التَّعلُّق بالدُّنيا، والتَّوطين على لقاء الله (جلَّ جلاله)، وبذل النَّفس في سبيل الحقِّ. ولهذا خُلّد أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأنَّهم تجاوزوا حدود الخوف والمصلحة، وارتقوا إلى مقام الفناء في طاعة الله (سبحانه) ونصرة وليِّه (عليه السلام).

 ومن هنا بقيت كربلاء مدرسةً مفتوحة عبر العصور، تُربّي الأحرار على الثَّبات أمام الظُّلم، وتعلِّم المؤمنين والمؤمنات أنَّ طريق الحقِّ قد يكون محفوفًا بالألم؛ لكنَّه الطَّريق الوحيد الذي يمنح الإنسان معنى وجوده وخلوده الحقيقي. ولذلك ظلَّ الإمام الحسين (عليه السلام) حيًّا في وجدان الأمَّة، لا باعتباره ذكرى تاريخيَّة؛ بل باعتباره مشروعًا دائمًا للهداية والإصلاح وإحياء الضَّمير الإنساني.

.......................................

الهوامش:

1. مثير الأحزان: ص41، اللهوف: ص26، كشف الغمّة: ج2، ص29. 

2. م. ن.

3. سورة آل عمران/ الآية: 185.

4. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص493.

5. مثير الأحزان: ص41، اللهوف: ص26، كشف الغمّة: ج2، ص29. 

6. سورة الواقعة/ الآيات: 83-91.

7. سورة النحل/ الآيات: 30-32.

8. سورة فصلت/ الآية: 30.

9. تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص239.

10. مثير الأحزان: ص41، اللهوف: ص26، كشف الغمّة: ج2، ص29. 

11. رجل نجيب، أي: كريم بيِّن النجابة، والنُّجَبَةُ مثال الهُمَزَة: النجيب. وفي مرآة العقول: "النُجَبَةُ - بضمّ النون وفتح الجيم - مبالغة في النَجيب". ينظر:الصحاح: ج1، ص222، مادة (نجب).

12. الكافي (دار الحديث): ج1، ص700.

13. سورة الأحزاب/ الآية: 23.

14. سورة التوبة/ الآية: 111.

15. الكافي (دار الحديث): ج1، ص700.

16. سورة يوسف/ الآية: 8.

17. سورة يوسف/ الآية: 90.

18. سورة يوسف/ الآية: 51.

19. سورة يوسف/ الآية: 55.

20. المزار: ص579.

21. سورة يوسف/ الآيات: 84-85.

22. المناقب (ابن شهر آشوب): ص86.

23. مثير الأحزان: ص41، اللهوف: ص26، كشف الغمّة: ج2، ص29. 

24. العَسَلاَنُ: اهْتِزَازُ الرُّمْحِ، واهْتِزازُ الأَعْضَاءِ في العَدْوِ، وأَكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الذِّئْبِ. مفردات ألفاظ القرآن: ص566.

25. سورة البقرة/ الآية: 74.

26. سورة الأنبياء/ الآية: 107.

27. المناقب: ج4، ص98. مقتل الحسين (عليه السلام): ج1، ص351.

28. مثير الأحزان: ص41، اللهوف: ص26، كشف الغمَّة: ج2، ص29. 

29. النَّاوُوسُ: مقابر النصارى. لسان العرب: ج6، ص254. كانت مقبرة عامة للنصارى قبل الفتح الإسلامي، وتقع في أراضي ناحية الحسينيَّة قرب نينوى. ينظر:تراث كربلاء: ص19.

30. مثير الأحزان: ص41، اللهوف: ص26، كشف الغمَّة: ج2، ص29. 

31. سورة التوبة/ الآية: 36.

32. سورة الفجر/ الآيتان: 1-2.

33. سورة العصر/ الآية: 1.

34. سورة البقرة: 185.

35. سورة القدر/ الآية: 3.

36. سورة آل عمران/ الآية: 96.

37. سورة البقرة/ الآية: 125.

38. سورة طه/ الآيتان: 11-12.

39. سورة التين/ الآيتان: 1-2.

40. سورة النور/ الآية: 36.

41. كامل الزيارات: ص450.

42. م. ن: ص455.

43. سورة الحجرات/ الآية: 13.

44. كامل الزيارات: ص455.

45. م. ن: ص455.

46. سورة الحديد/ الآية: 28.

47. كامل الزيارات: ص455.

48. ينابيع المودة لذوي القربى: ج2، ص58.

49. مسند أبي بصير: ج1، ص522.

50. سورة الفجر/ الآيات: 27-30.

51. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص123.

52. كامل الزيارات: ص455.

53. الكافي (دار الحديث): ج3، ص155.

54. سورة السجدة/ الآية: 24.

55. المزار: ص547.

56. سورة آل عمران/ الآية: 146.

57. سورة الزمر/ الآية: 10.

58. السيرة النبويّة لابن هشام: ج1، ص283؛ البداية والنِّهاية: ج3، ص47، وينظر: تفسير القمِّي: ج1، ص380.

59. كامل الزيارات: ص455.

60. حظيرة القدس: الجنَّة.لسان العرب: ج4، ص204.

61. م. ن.

62. ينظر: لسان العرب: ج4، ص202.

63. كامل الزيارات: ص455.

64. لسان العرب: ج2، ص370.

65. أَوْطَنَه: اتَّخذه وَطَناً.يقال: أَوْطَنَ فلانٌ أَرض كذا وكذا، أَي: اتَّخذها محلًا ومُسْكَنًا يقيم فيها... وتَوْطِينُ النَّفس على الشَّيء: كالتَّمهيد". لسان العرب: ج13، ص451.

اضف تعليق