عندما تشترك مجموعة أشخاص من مجتمع واحد في أداء نشاط معين، وتبلغ أعدادهم ملايين البشر، فهذا يعني أن الشعب أو الأغلبية منه يقتربون بنسبة عالية من الاتفاق والانصهار في ما يسمى بالوحدة المجتمعية، وهو أمر يزيد من صلابة الشعوب وقوتها واستقرارها، وزيارة أربعينية الامام الحسين (ع) مناسبة دينية سنوية، انتعشت كما هو واضح في الاجواء الحرة التي لم تضغط عليها حالات المنع والقمع السياسي كما كان يحدث في السابق.

لذلك جاء هذا الانفتاح فيما يتعلق بإحياء الطقوس الحسينية، وسعي الأجهزة الأمنية لحماية الزوار الكرام، مؤشرا على عمق المشتركات التي تجمع العراقيين كنسيج مجتمعي متماسك، والكل يتفق على تجذّر المشتركات في النسيج العراقي، شعبا وأرضا وتأريخا، على الرغم من تعدد المكونات والاثنيات التي تشترك في تكوين المجتمع، لدرجة أن المراقبين والمعنيين بالشأن العراقي أطلقوا مفردة وصفة الفسيفساء على هذا الشعب العريق، بسبب تنوع وتعدد مكوناته.

وعندما بلغ مجموع الزوار الكرام بحدود (15) مليون زائر، فهذا في الحقيقة يمثل عددا هائلا بالنسبة لنفوس الشعب العراقي، خاصة اذا استثنينا الأطفال والمرضى وما شابه، وقد تسبب هذا العدد الضخم في إغاضة أعداء العراق، لاسيما أنهم متخوفون أصلا من التجربة السياسية التي عملوا بكل ما يملكون على تشويهها وإسقاطها، لذلك سعوا الى التخريب بأقصى قدراتهم فمع بداية التحولات التي حدثت في العراق على المستويات كافة، لاسيما في الجانب السياسي وحرية الرأي والإعلام واحترام الحقوق الفردية وما شابه، بدأت هجمة شرسة لتمزيق وحدة هذا الشعب، الأمر الذي تطلب من الجميع التماسك والتقارب أكثر فأكثر، من أجل درء خطر التشتت والاحتراب الذي لا يخدم أحدا سوى أعداء العراقيين.

لذلك اصبح العراقيون في ظل هذا الظرف الأمني والسياسي العصيب، بحاجة الى ركيزة اجتماعية تحافظ على وحدتهم، وهكذا تأتي زيارة أربعينية الامام الحسين عليه السلام المليونية (حيث وصل عدد الزائرين حسب الجهات الرسمية بين 17 الى 18 مليون زائر) لتضع أمام العراقيين جميعا خيارا كبيرا ومهما لترسيخ الوحدة وتعميق الروابط بين أبناء البلد الواحد، إذ أن الزائرين قدموا من مدن واقضية ونواحي وقرى العراق كافة، ناهيك عن آلاف الزوار العرب والاجانب، لذا فإن هذا التجمع على هدف واحد هو إحياء الشعائر الحسينية والتعاطي الجاد مع الفكر الحسيني العظيم، سوف يشكل خطوات فكرية وعملية مهمة لعادة بناء العراق على المستويات كافة، ومنها بناء الانسان أولا، وبناء مؤسسات الدولة لتحقيق القفزة النوعية للعراق.

أهمية بناء كربلاء المقدسة

إن قطف ثمار زيارة الاربعين لم يعد خافيا على احد، وقد جرب العراقيون الفوائد الجمة التي انعكست على حياتهم جراء احياء طقوس هذه الزيارة المليونية الخالدة، لاسيما ما يتعلق بتعميق التقارب والتآلف بين مكونات المجتمع، فقد بدت زيارة الاربعين بجموعها الهائلة وكأنها قلب العراق النابض، وقد بيّنت بعض الصور الملتقطة من أعالي الفضاء بواسطة الطائرات، جموع الزائرين الزاحفين مشيا على الاقدام، الى مرقد ابي الاحرار عليه السلام، مدى عمق الترابط المجتمعي بين مكونات الشعب، حتى بدت طرق سير الزائرين وكأنها شرايين تنتشر في جسد العراق، وهي صورة مجازية مدهشة لوحدة الشعب، حيث القلب ينبض في كربلاء المقدسة وحيث الشرايين تنتشر في عموم الجسد العراقي.

وهكذا نلاحظ أن هذه الصورة المجازية، يمكن أن تتحول الى تجسيد عملي لتحقيق الوحدة بين العراقيين، خاصة فيما لو تحرك السياسيون وجميع النخب من اجل استثمار هذه المناسبة المباركة بالطرق الصحيحة التي تصب بقوة في مجال ومسار توحيد العراقيين، والنهوض بهذا البلد الغني بكل العوامل المتجانسة، من خلال الطاقات الكبيرة المادية والمعنوية التي تتوفر فيه، على مختلف الأصعدة والمجالات الحياتية المختلفة.

من هنا يتطلب الواقع الجديد، خاصة ما يتعلق بالزيارات المليونية، اهتماما واسعا بهذه المدينة المقدسة، التي ينبغي أن يتم إعمارها وتطوير تصميمها العمراني، بما يجعلها قادرة على استيعاب الاعداد الهائلة التي تتدفق عليها من الزوار الكرام، ولابد من تقديم الخدمات التي تليق بهم، وهذا يستدعي دعما ماليا كبيرا لتحقيق قفزة نوعية في بناء وإعمار هذه المدينة المقدسة.

لاسيما أننا لاحظنا بوضوح المؤشرات التي قدمتها زيارة الأربعين للمسؤولين والمهتمين والمعنيين بخصوص النتائج الايجابية التي تنعكس على الدولة والمجتمع، خاصة ما يتعلق بتجديد حيوية العراقيين وتوحيدهم، ومضاعفة قدرتهم على النهوض بقوة، وعدم استسلامهم للنكبات او الويلات، او السيناريوهات البغيضة التي تستهدف لحمة الشعب ووحدته، وتصب في المسارات التي يخطط لها أعداء العراق لجعله بلدا ضعيفا ممزقا.

مدينة خالدة وتاريخ عريق

لا شك أن التماسك الذي تعكسه زيارة الأربعين في النسيج المجتمعي العراقي، يمكن أن ينمو ويتطور على نحو يصبح، منهج سلوك دائم لعموم الشعب، لاسيما أن العراق يعبر مرحلة حاسمة من حياته السياسية المدججة بالتحولات الكبيرة، لذلك اكتسبت مدينة كربلاء المقدسة مكانتها الخالدة، وتألقت بتأريخها الحسيني المعفر بدم الشهادة والكبرياء، وصارت عنوانا لتوحيد العراقيين صد المحن التي تحاول النيل منهم ومن وحدتهم وتماسكهم.

ولكن لكي تؤدي هذه المدينة الدور المطلوب منها على الوجه الأمثل، لابد من الانتباه الى أهمية معالجة المشكلات التي تواجهها كربلاء المقدسة لاسيما في مجال البنى التحتية والمشاريع الخدمية كونها تستقبل الملايين من الزوار الكرام على مدار العام، ولابد أن ينعكس ذلك على عموم البلد، ففي هذه الزيارة وغيرها من المناسبات الدينية المباركة، يصبح العراق قلبا وروحا وجسدا واحدا من أقصاه الى أقصاه، لذا مطلوب التخطيط والتنظيم والسعي الجاد والعلمي لتقديم الدعم الكبير والمتواصل لهذه المدينة على نحو يليق بتأريخها ومكانتها وما تقدمه من خدمات كبيرة للزوار اثناء الاربعين والزيارات المليونية الاخرى.

وطالما أن كربلاء المقدسة تشكل نموذج الانسجام المجتمعي في العراق، لذا ينبغي التعاون في اطار تقديم الخبرات والاموال اللازمة لتحديث مرافق ومنشآت المدينة على مدار السنة، علما أن هذه المدينة المقدسة نبقى بحاجة كبيرة وملحة، لتطوير قدراتها على استيعاب الملايين من الزوار بصورة متواترة، ولابد لمن يهمهم الامر النظر الى قضية توفير القدرات والامكانات المادية والمعنوية لهذه المدينة التي تمثل قبلة لملايين الزوار من الداخل والخارج.

من هنا نتمنى على المشرعين، ممثلي الشعب في مجلس النواب، أن يشرعوا القرارات الداعمة لهذه المدينة، ويتخذوا ما يلزم في هذا المجال، خاصة أننا جميعا لمسنا لمس اليد بأن زيارة الاربعين ستبقى عامل توحيد لا تفريق بين العراقيين، وهي دافع مهم لجميع المسؤولين على مختلف مسؤولياتهم وعناوينهم، كي يقوموا بما يتوجّب عليهم على أفضل وجه وأسرع وقت ممكن، لاستثمار هذه الزيارة المليونية من اجل تحقيق التغييرات المهمة في النسيج المجتمعي العراقي كي يكون أكثر استقرارا وتقدما ونجاحا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1