الشعائر بالمفهوم العام لها، تمثل فعلا جمعيا يهدف الى توجيه المشاعر الانسانية في مسار إيجابي، وتمارس الشعوب والأمم هذه المشاعر بشكل جمعي في الغالب، كي تستذكر المواقف الخالدة لرموزها الدينية او الوطنية او التاريخية، في محاولة جادة ومستمرة لاستثمار الرمز الديني في تعضيد الوضع الانساني، أخلاقيا ومبدئيا ونفسيا.

في كربلاء المقدسة اليوم تحتشد ملايين الزوار القادمين من داخل وخارج العراق، قاصدين سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام، مستذكرين واقعة الطف واحداثها الغنية، من خلال احيائها عبر الطقوس التي يؤديها الجميع بقلوب ملؤها الايمان والصدق، لذلك تضم الشعائر الحسينية مجموعة من الطقوس المقدسة التي آمن بها أتباع آل البيت، والتزموا بإحيائها على مر السنين، لأسباب معروفة ومهمة، منها ما يهدف الى استذكار واقعة الطف وما قدمه الامام الحسين عليه السلام وذويه وأصحابه من تضحيات تنتمي الى أسمى صور وحالات الإيثار ومن اعلى درجات نكران الذات، فمن يقدم نفسه وروحه قربانا على مذبح الحرية من اجل الآخرين، يستحق الخلود، وهذا هو الذي دفع أتباع أهل البيت عليهم السلام الى تقديم الصور العظيمة من نكران الذات وتخليدها، فالهدف الأول منها هو ترصين الجانب النفسي للانسان، ومن ثم حصد النتائج الخلاقة في المجالين النفسي والمعنوي.

علما أن المتخصصين من علماء وعاملين في حقول علم النفس، قد أظهروا واثبتوا بالتجربة المطلقة، من خلال التجارب الفعلية، فداحة النتائج على الفرد والمجتمع، عندما يهتز الجانب النفسي لديهم، لذلك تسهم الشعائر في تحقيق حالة من التوازن بين الجانبين المادي والمعنوي للانسان، فيما يتعلق بالجانب الاول، المادي، يسعى الانسان عبر طرق كثيرة لتحقيق افضل الارباح والنتائج في هذا الصعيد، لكنه قد يفشل في الجانب الآخر، ونعني به الجانب النفسي الذي يدخل في صلبه الاستقرار النفسي للانسان.

لذلك يقود الفشل النفسي الى فشل مادي للانسان، وفي هذه الحالة سوف يخسر الانسان كل شيء، اذ لا فائدة من تحقيق الارباح والنتائج الجيدة في الجانب المادي، ثم ينتكس الفرد في التعامل العقلي مع تفاصيل الحياة الاخرى، لأن علم النفس يجزم بأن فقدان التوازن النفسي هو بمثابة الفقدان لبوصلة التقدم الى امام، في معالجة تفاصيل الحياة كافة، فمن يريد النجاح في حياته عليه ان لا يهمل الصحة النفسية، والشعائر الحسينية هي صمام الأمان لها.

كيف تكون الشعائر صمام الأمان؟

لا يتعلق تأثير الشعائر على المستوى الفردي حصرا، بل يمتد الى الجماعي، ولا ينحصر أيضا بالجانب النفسي، بل يمتد الى الجوانب الحياتية الاخرى المهمة للمجتمع، ومنها السياسية والاقتصادية والابداعية، لسبب واضح يؤكده العلماء المعنيون ايضا، فالمجتمع المتوازن نفسيا، بإمكانه صنع دولة متوازنة، تحكمها سلطة متوازنة نفسيا، يتحقق هذا التوازن الكلي من خلال الشعائر الحسينية التي تمنح الفرد والمجتمع أطارا ايجابيا جوهره الاطمئنان، ومن ثم الاندفاع الى الانتاج الافضل.

ودليلنا على التأثير السياسي الايجابي للشعائر، أنها تزرع الرعب في الحكومات الرديئة، لذلك بدأ الصراع بين الحكومات الفاشلة من جهة، وبين الشعائر المقدسة من جهة اخرى، منذ ان بدأ المؤمنون بإحيائها، كونها تفضح الجلاد والفساد والتجاوز على حرمان الانسان، في حين يريد السلطان الطاغي ان يبقى حرا في التصرف بثروات الناس، وان يمارس امراضه النفسية ورغباته البائسة من دون ضوابط، بمعنى ان الطاغية لا يريد أحدا يطالب بالعدل، لأن الاخير يضمن للجميع حقوقهم، ويسلب من الحاكم وحكومته الجائرة كل الامتيازات التي يحصلون عليها على حساب الشعوب لاسيما الطبقات الفقيرة، وتتضح في هذه الحالة قدرة الشعائر على ردع الحكام، وتصحيح مواقفهم، من خلال الدعم المعنوي والنفسي الذي تمنحه لأفراد الأمة، وفي نفس الوقت تزع التردد والضعف في إرادة الحاكم مهما بلغ من التسلط والطغيان.

وهكذا تشكل الشعائر العاشورائية في هذه الحالة، وضعا متوازنا للشعب، من خلال الدعم النفسي المعنوي الكبير الذي تبثه في النفوس، على العكس تماما مما لو خلت الفعاليات المجتمعية من هذه الطقوس، فليس هناك ما يدفع القوة الغاشمة للتراجع، وفي الوقت نفسه يستمر التراجع الشعبي، ويتضاعف الخمول والكسل واليأس من تحقيق الأهداف التي يسعى لها الشعب في تحقيق العدالة الاجتماعية.

وسوف تنعكس هذه الحالة سلبا على المجتمع، ويتضح ذلك على الحالة النفسية العامة التي تخيم على الناس، بسبب حالة الضمور والتراجع والنكوص التي سوف يعانون منها نتيجة لغياب التأثير المعنوي الجيد للطفوس والشعائر الحسينية التي تشيع اجواء الأمل والقوة والتقارب بين افراد ومكونات الامة، التي تنشط وتتفاعل وتسعى لتأكيد ذاتها وقدراتها في مواجهة مكامن الضعف والخلل التي قد تعتري حياة الناس كافة.

الشعائر المقدسة وتعميق الإيمان

من ناحية اخرى، اثبت علماء النفس ايضا، أن الافعال الجمعية، تسهم في صناعة شخصية جماعية قوية للأمة، شريطة ان تتوافر على الوازع الإيجابي ومقومات النمو والاتساع والتواصل، وهذه الاشتراطات لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال بوتقة واسعة تجمع التيارات الفردية والجماعية المتنوعة، وهذه البوتقة الواسعة، هي الشعائر الحسينية المقدسية، بايجابياتها الواسعة والمتعددة ايضا.

لاسيما ما يتعلق بتقوية الايمان لدى الفرد، فهناك منتج ايجابي جوهري تمنحه ممارسة الشعائر للانسان، يتجلى بصورة فعلية ودائمة بالايمان العميق، فالشعائر المقدسة بالاضافة الى كونها تطوّر روح الايمان لدى الانسان، وتدفعه لكي يكون مدافعا عن الحق ولا يخشى الحكومات المستبدة، فإنها تساعد في الوقت نفسه على بناء الانسان وتطوير قدراته المعنوية والفكرية، وتدفعه لتصعيد مقارعة الانحراف مهما كانت اشكاله او صوره، وهذا نتاج نفسي في جوهره، تتحكم به رغبة الانسان النفسية في التطور والاستمرارية، اعتمادا على التأثير الجمعي للشعار الحسينية المقدسة.

وهكذا تنتج ثنائية نفسية معنوية، تعاضد الفعل المادي، لتتشكل من هذا المجموع قاعدة رصينة، تقدم بالنتيجة مجتمعا صبورا متوازنا، يمتلك معنويات تتجدد في المناسبات الدينية والوطنية وغيرها، لهذا نلاحظ أن الشعائر المقدسة تقوم بدور مزدوج يتمثل في بناء الانسان بصورة جادة ورصينة ومؤمنة، وكذلك تحثه على مقارعة الطغاة بغض النظر عن التضحيات التي يمكن ان يقدمها الانسان في هذا المجال، لأن الاهم صيانة كرامة وحرمة الانسان من كافة اشكال التجاوز والامتهان، خاصة أن الشعائر تجعله مستعدا على نحو دائم لتقديم التضحيات مهما ارتفع منسوبها، فالمهم في هذه الحالة النتائج المتحققة، والتي تعتمد بصورة كبيرة ومباشرة على تصاعد ما يسمى بالخط البياني للوضع المعنوي النفسي المتعاظم للفرد والامة معا.

وبالنتيجة سوف تقودنا الشعار العاشورائية واحيائها على نحو منتظم، الى نتائج ايجابية في مجال بناء المجتمع، وذلك من خلال خلق التوازن المعنوي النفسي المادي في وقت واحد، وهو ما تعجز عن تحقيقه الوسائل الاخرى، كونها لا تمتلك القدرة على تركيز الحالة النفسية الايجابية للامة بعيدا عن ممارسة الشعائر بصورة جماعية خلاقة، تؤدي بالنتيجة الى تعميق الايمان الفردي والجمعي، وهذه أهم علامة على نجاح الأمة واقترابها من خط التقدم والاستقرار والتوازن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6