ملفات - عاشوراء

زيارة الأربعين.. الحرية في التنوع

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ العاشِرَةُ (١٣)

قَولُ الحسينِ السِّبط (ع) {كونُوا أَحراراً في دُنياكُم}.

هل سأَل أَحدٌ زائراً من عشراتِ ملايين زوَّار الحُسين السِّبط (ع) في الأَربعين عن دينهِ ومذهبهِ وخلفيَّتهِ؟! هل سأَل أَحدٌ زائراً لِمن يلقِّد من مراجعِ الدِّين وفُقهاء المُسلمين؟! أَو سأَلهُ عن نواياهُ؟!.

وأَساساً؛ هل يحِقُّ لأَحدٍ طرحَ هذا النَّوعِ من الأَسئلةِ على الزَّائرينَ؟!.

إِنَّ سرَّ زيارة الأَربعين هو أَنَّ هذا السَّير المليوني الهادر يختلطُ ويذُوبُ في بعضهِ فلا تُميِّز أَحداً عن أَحدٍ بأَيِّ عنوانٍ إِلَّا حُبَّهم للحُسينِ السِّبط (ع) والذي يعني حبَّهُم وولاءهُم للقِيمِ والمبادئِ الإِنسانيَّةِ العظيمةِ التي كانت، من أَجلِ ترسيخِها وحِمايتِها، عاشُوراء وكربلاء والشُّهداء الأَبرار، وعلى رأسِها قيمة الحريَّة التي تجلَّت في كُلِّ حركةٍ وسكَنةٍ ومَوقفٍ وكلامٍ وخِطابٍ وصمتٍ وسكُونٍ للحُسينِ السِّبط (ع).

الحريَّةُ التي تتجلَّى في النَّفي [لا] والإِثبات [إِلَّا] فشهادتُكَ أَن {لا إِلهَ إِلَّا الله} إِقرارٌ بالحريَّةِ عندما تنفي العبوديَّة لغيرِ الله تعالى وتنفي وجودَ أَيَّ إِلهٍ إِلَّا الله الخالقُ المُتعال، كقَولِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) {وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْدَه لَا شَرِيكَ لَه الأَوَّلُ لَا شَيْءَ قَبْلَه والآخِرُ لَا غَايَةَ لَه لَا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَه عَلَى صِفَةٍ ولَا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْه عَلَى كَيْفِيَّةٍ ولَا تَنَالُه التَّجْزِئَةُ والتَّبْعِيضُ ولَا تُحِيطُ بِه الأَبْصَارُ والْقُلُوبُ}.

ولذلكَ حاججهُم الحُسين السِّبط (ع) بالحريَّةِ ليمتنِعُوا عن مُقاتلتهِ والتعدِّي عليهِ وعلى حُرَمِ رسول الله (ص) فالعبدُ لا يرتدِعُ عن قتلِ الحقِّ حتى إِذا تلبَّسَ بلَبوسِ الدِّينِ والمُقدَّس، وهو (ع) لم يُحاججهُم بدينهِم أَو عقيدتهِم أَو ولاءاتهِم، فكُلُّ ذلكَ يُمكنُ تبريرهُ من خلالِ قِراءاتٍ خاصَّةٍ يتبنَّاها ويعتقد بها كُلَّ واحدٍ منَّا كما يفعلُ الإِرهابيُّونَ التكفيريُّونَ.

إِلَّا الحريَّة فلا يمكنُ تفسيرها إِلَّا بالحُريَّة، فالحُريَّةُ تعني الحُريَّةَ وكفى بها معنىً وتقسيراً ومفهُوماً وجَوهراً!.

إِنَّ الحريَّةَ، وليس أَيَّ شيءٍ آخر، هيَ التي دفعت الحُر بن يزيد الرِّياحي أَن يتَّخذَ القرار التَّاريخي في اللَّحظةِ المُناسبةِ لينتقِلَ بهِ من خلودٍ مذمُومٍ إِلى آخرَ ممدُوحٍ!.

فالحريَّةُ نقيضها الإِكراه {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

وما أَروعَ قولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وإِقْبَالًا وإِدْبَاراً فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وإِقْبَالِهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ}.

وإِنَّ ذَوبان زوَّار الأَربعين في بوتقةٍ واحدةٍ فقط هيَ بَوتقة حبَّ الحُسين السِّبط (ع) بغضِّ النَّظر عن أَيِّ اختلافٍ في الإِنتماءاتِ والخلفيَّاتِ والتوجُّهاتِ والولاءاتِ بل وحتَّى الإِعتقاداتِ، إِنَّ هذا الذَّوبان هو القِمَّة في تجلِّي الحريَّة وهوَ المقصُودُ بشِعارِ [حُبُّ الحُسينِ يجمعُنا] فالعبدُ يفرِّقهُ اختلاف الخلفيَّات والإِنتماءات، ولذلكَ فهو يسأَلُ عنها ولا يُعيرُ اهتماماً للأَصلِ الإِنساني الذي يجتمع عليهِ النَّاس وأَقصد بهِ الحريَّة.

لذلكَ لم يسأَل أَحدٌ زائراً عن إِنتمائهِ وخلفيَّتهِ وخياراتهِ لأَنَّ السُّؤَال تجاوزٌ على حريَّتهِ وتعدِّي على خياراتهِ وخصوصيَّاتهِ التي هوَ حرٌّ فيها.

فلماذا لا نُعمِّم هذهِ القاعدة والظَّاهرة العظيمة التي تتجلَّى في زيارةِ الأَربعين على كُلِّ مفاصبِ وتفاصيلِ حياتِنا وسلوكيَّاتِنا اليوميَّة وفي علاقاتِنا معَ بعضِنا؟! خاصَّةً على مُستوى تحمُّل المَسؤُوليَّة في الشَّأنِ العامِّ؟!.

لماذا يحمِلُ كُلَّ واحدٍ مِنَّا مِقصلةَ [محاكِم التَّفتيش] على ظهرهِ يُفتِّشُ فيها عن عقائدِ النَّاسِ وخلفيَّاتهِم ونواياهُم كُلَّما التقى أَحدٌ أَو حاورَ آخر ثُمَّ يُنفِّذ بهِ حُكمهُ [الإِلهي] وكأَنَّهُ وكيلُ السَّماءِ في الأَرضِ؟!.

أَلا نعي بأَنَّ هذهِ الظاهِرة المرضيَّة تفرِّقنا ولا تجمعنا وتمزِّقنا ولا تُساعِدُ على التَّعايُشِ والوئام والسِّلمِ الأَهلي؟!.

لماذا تتحكَّم فينا المُحاصصة والوَلاءات الحزبيَّة والعشائريَّة والمكوناتيَّة والكُتلويَّة؟! والتي حوَّلتنا إِلى كُتلٍ بشريَّةٍ مُنقسِمةٍ على نفسِها لا يجمعَها جامِعٌ ولا تمكِّنها المعايير الحضاريَّة!.

لقد مزَّقتنا العبوديَّة وجعلتنا طرائقَ قِدداً لا نجتمعُ تحتَ رايةٍ ولا نتَّفق على عُنوانٍ! فأَصبحَ حالنا كما وصفهُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {إِنَّكُمْ واللَّه لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ}.

وأَقولُ أَنَّها العبوديَّة لأَنَّها سلبتنا حريَّة التَّفكير وإِرادة الإِختيار والإتِّحاد والتَّعاون والتَّكامُل القائِم على أَساس التنوُّع والتَّعايُش.

فأَنت عبدٌ إِذا فتَّشتَ في عقائدِ النَّاسِ، حتَّى إِذا كُنتَ تعيشُ في الهواءِ الطَّلق! فالعُبوديَّة لا يُحدِّدها الزَّمان والمكان وإِنَّما تُحدِّدها طريقة التَّفكير واتِّخاذِ القرارِ والسلوكيَّاتِ وأُسُس التَّعامل مع الآخر!.

تعالُوا نقرأَ بتأَنِّي ودقَّةٍ قولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بهذا المعنى {يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ واثْنَتَيْنِ؛ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وبُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ وعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ ولَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ! يَا أَشْبَاه الإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ، واللَّه لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وحَمِيَ الضِّرَابُ قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا، وإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ومِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي وإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُه لَقْطاً}.

تعالُوا كذلكَ نقرأَ لنرى كيفَ ميَّزَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) العبادةَ على قاعدةِ الحُريَّة والعُبوديَّة بقولهِ {إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّه رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ وإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّه رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ وإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّه شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ}.

حتَّى الصَّبرُ لهُ جَوهرٌ من الحريَّة عندَ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) {مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الأَحْرَارِ وإِلَّا سَلَا سُلُوَّ الأَغْمَارِ}.

وإِنَّ من تجلِّيات الحريَّة قَبولكَ بالتنوُّع واستعدادكَ للتَّعارف بسلاحِ الحِوار وليسَ بحوارِ السَّلاح والتَّعايش مع الآخر مهما اختلفَ معكَ بغضِّ النَّظر عن الخلفيَّة كما نراها تتجلَّى في زيارةِ الأَربعين، فإِذا غابَ كُلَّ ذلكَ في عقلِكَ فأَنتَ عبدٌ، عبدٌ للمُحاصصةِ التي هي نوعٌ سيِّءٌ من أَنواع العصبيَّة التي نهانا عنها رسولُ الله (ص) بقولهِ {ليسَ مِنَّا مَن دَعا إِلى عصبيَّةٍ، وليسَ مِنَّا مَن قاتلَ على عصبيَّةٍ، وليسَ مِنَّا مَن ماتَ على عصبيَّةٍ} والتي تتمثَّل على أَرضِ الواقعِ بالمَقولةِ المعرُوفةِ [شِرارُ قَومي أَفضلُ مِن خِيارِ قَومٍ آخرِينَ] أَوليست المُحاصصة تقومُ على أَساسِ الولاءِ للزَّعيمِ أَو الحزبِ أَو العشيرةِ وأَنَّ التَّنافس ينحصر في هذا المعنى ويدُورُ مدارهُ فقط! فهي لا تعتمدُ معايير المعرفةِ والخِبرةِ والنَّزاهةِ والتَّجربةِ والقُدرةِ على تحمُّلِ المسؤُوليَّةِ وإِعطاءِ موقِعِها حقَّهُ وأَمثالها؟! إِذن هي العبوديَّة بعينِها حتَّى إِذا فلسفَها بعضهُم وبرَّرها آخرُون.

وهيَ بالتَّالي فسادٌ في الأَرضِ بنصِّ قولَ الله تعالى {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.

فالمُحاصصةُ مِكيالٌ بغيرِ قسطٍ وميزانٌ ظالمٌ يُنتِجُ الظُّلمَ والفَسادَ والخَرابَ لأَنَّهُ لا يأخذ بنظرِ الإِعتبار أَشياءَ النَّاس التي يكتسبُونها بالتَّنافسِ الحُرِّ الشَّريف معَ تكافُؤِ الفُرص كالعلمِ والمعرفةِ والنَّزاهةِ والخِبرةِ وغيرها، إِنَّما يعتمِدُ أَشياءهُم التي ورثُوها بغيرِ اختيارٍ وإِرادةٍ وتدخُّلٍ منهُم وهيَ كُلَّ أَنواعِ الإِنتماءاتِ والوَلاءاتِ!.

اضف تعليق