ملفات - عاشوراء

عَمادان

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ التَّاسِعةُ [١٣]

بينَ الصِّدق الذي يُنزل النَّصر كما يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ} والدَّجل الذي يصفهُ (ع) بقولهِ {وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَلَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ وَايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً} شعرةٌ هي التي تُميِّز بينَ المفهُومَينِ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}.

والشَّعرةُ هُنا هي السُّلوك حصراً فـ {الدِّينُ المُعاملةِ} أَو كما يصِفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) الإِسلامُ بقَولهِ {لَأَنْسُبَنَّ الْإِسْلَامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي الْإِسْلَامُ هُوَ التَّسْلِيمُ وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْإِقْرَارُ وَالْإِقْرَارُ هُوَ الْأَدَاءُ وَالْأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ} فإِذا قالَ لكَ [زعيمٌ] بأَنَّهُ يُمثِّلُ [المُكوِّن الأَكبر] مثلاً فهوَ يحرَص على حمايةِ سُلطتهِ من الضَّياع، أَو أَنَّهُ يضحِّي ليحمي حقوقِكَ وهوَ يريدُ السُّلطة لضَمان مُستقبلِ أَولادِكَ، أَو أَنَّهُ يكتنِز المال ليحفظهُ لكَ عندَ الحاجةِ! فلا تصدِّق كلامهُ قبلَ أَن يُصدِّق سلوكهُ كلامهُ، وعملهُ حديثهُ وإِنجازهُ خطابهُ!.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ وَأَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ}.

عاشوراء أَرادت أَن تُميِّز بينَ الصِّدقِ والدجَل، بينَ الصَّادقِ والدجَّال، بينَ صاحبِ القضيَّة والذي يُتاجر بالقضيَّة! كَيف؟!.

ليسَ بالخطابِ والرِّسالةِ والحديثِ والكلامِ فقط وإِنَّما بالسُّلوك والتَّضحيةِ.

فعاشوراء فِكرٌ ونموذجٌ ولذلكَ فهي ليست مِثاليَّة كما أَنَّها ليست تراجيديا من المُستحيل أَن نتعلَّم منها ونهتدي بنورِها! وهي ليست غيبٌ بِلا حضُورٍ وإِلَّا لما كانَ الحُسينُ السِّبط (ع) حُجَّة.

وعلى العمُومِ فإِنَّ مدرسة أَهلُ البيتِ (ع) تميَّزت عن غيرِها من المدارسِ بهذهِ الخِصلةِ التي توطِّئ لنهوضِ المُجتمعاتِ، والميزةُ هيَ؛ أَنَّ فيها علمٌ عظيمٌ وفِكرٌ قويمٌ وثقافةٌ إِنسانيَّةٌ راقيةٌ تُنظِّم كُلَّ شيءٍ في سلوكِ الإِنسان الفَرد والإِنسان المُجتمع.

وإِلى جانبِ ذلكَ فإِنَّها تُقدِّم للبشريَّة نماذِجَ خالدةً جسَّدت هذا العِلم وسجَّلت درُوس التَّضحية لإِنجازِ مُخرَجاتِ هذا الفِكر.

وهي الخِصلةُ التي لا تجدها أَبداً في أَيِّ مدرسةٍ أُخرى.

فمثلاً؛ عندما يتحدَّثُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) عن العدالةِ فهو لا يُقدِّم الفِكرة مُجرَّدة عن النُّموذج أَو يشرحها كعلمٍ جامدٍ بِلا تجسيدٍ عمليٍّ لا يُمكنهُ أَن يتطوَّر مع مرُورِ الزَّمن وتبدُّل المكان، أَو أَنَّهُ يقولُ شيئاً عن العدلِ ولكنَّهُ يتجاوزهُ عندما يواجهَ الحقيقةَ في أَوَّلِ اختبارٍ للفكرةِ فلا يُعيرُها أَهميَّة تُذكَر!.

أَبداً، فكلامهُ عن العدلِ ممزُوجاً بنموذجٍ حقيقيٍّ وتجسيدٍ واقعيٍّ كتَوأَمينِ سِياميَّينِ لا ينفصلانِ عن بعضهِما، فتقرأَ كُلَّ واحدٍ بالآخر، الفِكرة بالنُّموذج والنُّموذج بالفِكرةِ!.

وهذا هوَ سِرُّ عظمةِ عليٍّ (ع) فما قالَ شيئاً إِلَّا وقدَّمَ لكَ نُموذجاً حتَّى يُسقطُ عنكَ الذَّرائع التي قد تلجأَ إِليها للهربِ من الإِلتزامِ بهِما، وأَقصد الفِكرة والنُّموذج.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {وَاللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَغَاصِباً لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَاعَقِيلُ أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ أَتَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى!.

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا وَمَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا فَقُلْتُ أَصِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَالَ لَا ذَا وَلَا ذَاكَ وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي أَمُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ أَمْ تَهْجُرُ وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ وَقُبْحِ الزَّلَلِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ}.

هذهِ الفِكرة التي تدورُ مدارَ الحديثِ عن العدلِ، جسَّدها أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بحذافيرِها، وهوَ بهذا النَّص يُشيرُ إِلى تُجَّار المُقدَّسات الذي يُوظِّفونَ الدَّجل والتَّزييف والتَّضليل للإِلتفافِ على فكرةِ العدلِ، تارةً بالفسادِ الذي يُبرِّرونهُ بالقُربى كَون {الأَقربُونَ أَولى بالمَعرُوفِ} وما أَكثرَ هذا النَّوع من الفسادِ في البِلادِ، وتارةً بالتَّلاعُبِ بالأَلفاظِ وقلبِ المعاييرِ لتبريرِ الفسادِ فيُشرعِنُونَ الرَّشوة بعنوانِ الهديَّة وسِرقة الدَّولة بالمالِ مجهُولِ المالكِ وهكذا!.

عاشوراء كذلكَ، فلقد ابتُلِيت بالدَّجَّالينَ والمُضلِّلينَ الذين يُوظِّفُونَ العواطف والشَّعائر والعَبرة للإِستئكالِ بها.

إِنَّهم من أَخطرِ التجَّار لأَنَّهم يأتونَ النَّاسَ عن دينِ الله كما يصفهُم أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقولهِ للدجَّال المُرتشي {أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي}.

مِن كُلِّ ذلكَ نفهم لماذا تخلَّفنا؟!.

لأَنَّنا تركنا علوم أَهل البيت (ع) التي تُزكِّي سلوكيَّاتنا وتصقل شخصيَّاتنا وراءَ ظهُورِنا، وما نستذكرهُ منها فهوَ للمِنبر فقط وليس للعَمل، وبهذا ضيَّعنا النَّماذج فلم يرَ المُجتمع في [المُبلِّغ] نموذجاً يُحتذى!.

اضف تعليق