بصِيَغٍ مُختلفةٍ يُردِّدُ المُجتمع هذا المعنى.

فمنهُم مَن يقول [مالنا والدُّخول بينَ السَّلاطين؟!].

وآخرون يقولُون [فخَّارٌ يُكسِّرُ بعضَهُ].

فيما يقولُ قِسمٌ [إِنَّها مُشكلةٌ عائليَّة ليسَ لنا مصلحةٌ في حشرِ أَنفسِنا بها].

ورابعٌ يقول [يكفينا الآخرون] و [علينا الصَّافي]!.

وهكذا.

أَمَّا المفهوم القُرآني فينسِفُ كُلَّ ذلكَ ويقول {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وقولهُ {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.

فليسَ هُناك مَن يمكنهُ الهَرب من المسؤُوليَّة، فالمُجتمع كلَّهُ جسدٌ واحدٌ ويدٌ واحدةٌ على الخيرِ وعلى الشرِّ، على الحقِّ وعلى الباطلِ، فإِذا مرَض جزءٌ فيه يمرضُ كُلَّ المُجتمع.

وهوَ يركبُ سفينةً واحدةً لا يمكِنُ لبعضهِم، إِذا ما رأَوا أَحداً يخرقها، أَن يقُولوا [دعوهُ فسيضرُّ نفسَهُ].

أُنظرُوا إِلى مُجتمعِ الحُسين السِّبط (ع) هل أَفلتَ أَحدٌ منهُم من تبِعات عاشُوراء؟!.

صحيحٌ إِنَّ الذين باشرُوا بارتكابِ الجريمةِ البشعةِ زُمرة، إِلَّا أَنَّ المُجتمع برُمَّتهِ دفعَ الثَّمن، لأَنَّهم شُركاءَ فيها بصورةٍ من الصُّوَر.

تعالُوا نُعيد قراءة النَّص التَّالي في زيارةِ عاشوراء؛

فـَلَعـَنَ اللهُ اُمَةً قَتـَلَتـكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَةً ظَلَمَتكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَةً سَمِعت بـِذلك فَرَضِيَت بـه.

هذهِ ثلاث فِئات من المُجتمع شاركت في الجريمة.

وهُناك فئات أُخرى شاركت بطرُقٍ شتَّى أَشار إِليها النَّص بقولهِ {فــَلَعَنَ اللهُ اُمـَّةً أَسرجَت و َأَلجمـَتْ وَتـَهَيَّأَت وتنـقَّـبـت لِقـِتالِكَ}.

وفي قولِ عقيلة الطالبيِّين زينب بنت علي (ع) تُخاطب الطَّاغية الأَرعن يزيد بن مُعاوية {فوالله ما فريتَ إِلَّا جلدَك، ولا حززتَ إِلَّا لحمَك} إِنَّما ينطبقُ كذلكَ على المُجتمع الذي شاركَ في جريمتهِ بطُرُقٍ شتَّى.

فليسَ الطَّاغية لوحدهِ أَفرى جلدهُ وحزَّ لحمهُ بارتكابهِ الجريمة، وإِنَّما المُجتمع كُلَّهُ كذلكَ أَفرى جِلدهُ وحزَّ لحمهُ عندما سكتَ عنها أَو هيَّأَ لها.

وهكذا يتحمَّل المُجتمع مسؤُوليَّة الجرائم المُتعلِّقة بالشَّأن العام والتي يرتكبها فردٌ أَو أَفراد.

أَولم يقُل القرآن الكريم {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}؟!.

في هذهِ الحالاتِ لا معنى لقولِ الله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}.

فقد يكونُ المُجرمُ واحدٌ أَو عصابة إِلَّا أَنَّ تبِعات جريمتهِم يدفعُ ثمنَها كُلَّ المُجتمع، عندما لا يتناهى عنها، أَي ينهى بعضهُ البعض الآخر.

نفس هذا المعنى يشيرُ إِليهِ أَميرُ المُؤمنينَ(ع) بقولهِ {وَاللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ وَيَفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ وَتَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَالْأَقْدَامُ وَيَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَشاءُ}.

فقد يكونُ امرءاً واحداً يُمكِّن عدوَّهُ من نفسهِ وقد يكونُ المُجتمع بأكمله يُمكِّن العدُو من نفسهِ.

فعندما يتبنَّى المُجتمع مفهوم [ما لنا] فبالتَّأكيد سيُمكِّن العدُو من نفسهِ وبلادهِ وخيراتِها ومُستقبل أَجيالهِ القادِمة.

وليسَ بالضَّرورة أَن يكونَ هذا العدُو خارجيّاً، إِنَّما يكونُ بالضَّرورة عدوّاً داخليّاً لأَنَّ المشاكل الذاتيَّة هي التي توطِّئ للعدوِّ الخارجي ليتمكَّن من البلادِ والعبادِ.

فعندما لا يُعير المُجتمع أَهميَّة للأَوضاع العامَّة في البلادِ فيتمكَّن الفاسِد والفاشِل من السُّلطة فإِنَّ ذلكَ يُمكِّن العدُو من نفسهِ!.

يظنُّونَ أَنَّهم في مأمنٍ إِذا فسدت السُّلطة ولم تتحرَّش بهِم! وأَنَّهم لا يضيرهُم شيئاً إِذا فشلت الدَّولة! وأَنَّ بإِمكانهِم اللُّجوء إِلى جبلٍ يعصِمهُم من الغَرق إِذا شاعَ الظُّلم وانتُهِكَت الحقُوق.

أَبداً، فكلُّ ذلكَ تفكيرٌ أَعوج، ولقد رأَينا ماذا حلَّ بالذين سكتُوا عن الظُّلم ليلتفَّ على رقابهِم وهُم في غفلةٍ من هذا.

على المُجتمع، كلِّ المُجتمع، أَن يتحمَّل مسؤُوليَّاتهِ لتحقيقِ التَّغيير والإِصلاح الذي يُفضي إِلى حمايةِ الحقُوقِ وإِقامةِ العدلِ، ومَن يظنُّ أَنَّهُ في مأمنٍ عندما ترتفِع أَمواج الفساد فهوَ على خطأٍ فظيعٍ.

اضف تعليق