كثيرا ما تُثار أسئلة مختلفة عن أسباب خروج الحسين من الحجاز ضد يزيد، هذه الأسئلة يطلقها مفكرون وسياسيون وأناس عاديون من المسلمين وغيرهم، ويأتي اختلاف هذه الأسئلة بسبب اختلاف الغاية من السؤال المطروح، فبعضهم يريد أن يعرف بالفعل ما هو هدف الإمام الحسين من خروجه؟

وبعضهم له أهداف مبيّتة غايتها إثارة الفتن واللغط، وآخرون يطرحون أسئلتهم من باب (خالف تُعرَف)، وهؤلاء بالذات معروفة غاياتهم مسبقا، فهم يبحثون عن الشهرة من خلال الطرح المخالف، ولذلك يحاولون أن يلصقوا أنفسهم وآراءهم بشخصية شهيرة أو خالدة، لمجرد أن يعرفهم الآخرون....

أهم الآراء المتسائِلة عن هدف الحسين من خروجه وأكثرها نقاءً، تلك التي تصبّ في مسعى التوضيح الصادق للهدف، وكيف يمكن توظيفه لصالح المسلمين، أي أن طرح السؤال هنا لا يبيِّت غايات خبيثة، كالبحث عن الشهرة، أو لمجرد الظهور عبر الخلاف المتعمّد، أو للتنفيس عن ضغائن وأمراض الأنفس الجلفة.

من بين المتسائلين من يقول إن خلود الإمام الحسين ما كان ليحدث لو أنه انتصر على يزيد في واقعة الطف، والجواب كما جاء بأقلام وألسنة الكثيرين، أن الحسين قد انتصر بالفعل في تلك المواجهة المبدئية بين الحق والباطل، وهناك من يتساءل بوضوح مَنْ وماذا يقف وراء انتصار الحسين؟؟

هناك أهداف وقيم خلّدت الإمام الحسين كنتيجة لملحمة الإيثار التي قدّمها للمسلمين، وهنالك أشخاص أو فئة مسلمة ساهمت بتخليد التراث الحسيني، وهؤلاء هم الشيعة الذين سعوا عبر مئات السنين إلى إحياء ذكرى استشهاد سبط الرسول الكريم (ص)، هذه حقائق لا يمكن محوها أو إنكارها.

من أعظم القيم والقواعد التي رسخها الحسين عند المسلمين، وانتقلت إلى بقية الأمم، قاعدة (رفض الاستبداد) ومقارعة (الظلم)، وعدم مهادنة الحكام الطغاة، ورفع راية الحق حتى لو كان الباطل مدعوما بالأغلبية المطلقة، فلا تراجع عن إعلاء مكانة الحق والتمسك به دونما خوف من النتائج بسبب قوة الباطل.

لو أن البشر عملوا بهذه القاعدة، وهي الوقوف إلى جانب الحق مهما كانت قوة الباطل، لما رأينا عالمنا اليوم مكتظّاً بالظلم والظالمين، هذا الدرس يقف على رأس الدروس التي يجب على المسلمين وسكان الأرض معرفته جيدا، والعمل به، لتخليص البشرية مما يحيق بها من ظلم وباطل، ما كان له أن يتسيّد ويستفحل، لو لا تغاضيهم أو تجاهلهم أو لا مبالاتهم بقيمة رفض الظلم والاستبداد.

لقد عشنا على مقربة من الناس الذين أحيوا ذكرى استشهاد الإمام الحسين في العاشر من شهر محرم الجاري، وكما يجري في عاشوراء من كل عام، ورأينا عن قرب تلك الكتلة البشرية المليونية الهائلة التي أحيت هذه الذكرى، وقد رأى العالم برمته عبر الفضائيات في نقل مباشر ذلك الزخم البشري الهائل المحيي للذكرى.

كثيرون تساءلوا باستغراب: كيف يحصل هذا؟؟

لهم الحق في أن يطلقوا هذا النوع من الأسئلة، فليس هنالك تجمّع بشري في العالم كله بهذه الضخامة، وهو ما يؤكد خلود الإمام الحسين وقضيته ومبادئه، ولابد أن ذلك يأتي من باب الاستحقاق الذي يقدمه البشر للعظماء الخالدين الذين أثروا البشرية بمواقفهم المتفرّدة.

هنا أدرج بعض الملاحظات والتساؤلات للكاتب عبدالزهرة خالد، وهو مِنْ بين مَنْ ناقش وتساءل وكتب عن إحياء ذكرى الطف، وطرح أسئلة وملاحظات عديدة وعميقة وواقعية، جاء فيها:

* لو انتصر الحسين على جيش يزيد واستلم السلطة، هل تتوقع عاشوراء بهذه الصورة والحجم من الذكرى.. فهو خيّر نفسه بين كرسي الحكم والخلود.

* ضخامة هذا الولاء يجعلنا أن نقارن مع كل الشخصيات المذكورة في تأريخ الأرض، هل يكون جزاءً ربانيا للتضحية التي قدمها الحسين عليه السلام.

* بنى الحسين أسس الثورات ضد الطغاة وضد تكميم الأفواه وضد الاستبداد المجتمعي. فهو لا يريد فقط منا البكاء عليه بل يريد أن نقلده، فعلينا نشعل الثورة على يزيد العصر أينّما يحل.

* التراث الأدبي الشيعي له دور كبير في تخليد ثورة الحسين. لذا الحزن المكنون والظاهر قاعدة متينة وثابتة في الإبداع وإنْ اختلف في التطبيق من إنسان إلى آخر، كأنه ( الحزن ) معرض شخصي مجتمعي ننتقي منه ما يناسب مشاعرنا.

* في حديث مع أحد السلفيين في إحدى العواصم العربية قلت له في آخر النقاشِ "كن على ثقة نحن لا نعرف قدر أنفسنا لقد خلقنا هكذا مجانين بحب الحسين ربما ذلكَ هي مكافأته على تضحيته". لذا الولاء الفطري التكويني صعب تغييره وتحويله وإن حصل ذلك تكون النتيجة الندم الأبدي.

* حدثني صديق كان يعمل مترجما مع القوات البريطانية بعد الاحتلال يقول: سألني أحد الجنود الإنكليز عندما شاهد مواكب العزاء في شوارع البصرة عن المناسبة، فأجبته فوراً: إن العزاء على شخصية عربية قُتلت قبل ١٤٠٠ سنة، تعجَّبَ هذا العسكري وقال: أيُّ شعب هذا الذي لا ينسى أجداده!!.

مدينة البصرة ١٩-٨-٢١

اضف تعليق