المكان: رأس البيشة.. الزمان: الثامن والعشرين من المحرم.. المناسبة: احياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، رأس البيشة هي أقصى نقطة في الجنوب العراقي ينطلق منها الركب الحسيني المتوجه صوب قبلة الأحرار كربلاء المقدسة.

تتدافع الجموع في كل عام وهي قاصدة مرقد سيد الشهداء الذي سالت دمائه الزكية على رمضاء كربلاء، حيث تحولت هذه الدماء الى شعاع ينير طريق العزة والكرامة والإباء الذي اختطه بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يزال هذا الطريق معبدا بتضحيات الثوار الذين ساروا عليه، والذي وضعت خطوطه العريضة للحفاظ على الدين الإسلامي الحنيف من الاندثار او التحريف.

لزيارة الإمام الحسين عليه السلام بمناسبة أربعينيته دلالات ومعان كثيرة، ومن بين هذه هو تأكيد التمسك بالقضية الحسينية الخالدة، ومواصلة المسير على النهج ألقيم الذي اراده نبي الرحمة ان يعم المجتمعات الإسلامية، وقدم من اجل ذلك الكثير ولاقى الظلم والاضطهاد على يد أعداء الإنسانية.

اذ يعبر السائر على قدميه عن حالة من التشبث الشديد بأحد الثقلين وهم العترة الطاهرة التي اصطفاها الله لتبليغ رسالته وايصال تعاليم دينه الذي لم يسلم هو الآخر من المواقف العدائية والصراعات الفكرية التي رافقت البشرية منذ نشوئها الى هذا الحين.

ان ما يميز ذكرى الأربعين الحسيني هو اختلافه عن المناسبات الأخرى وتجددها بمرور الزمن، ففي كل عام تضاف اليها مراسم جديدة، الى جانب اكتسابها دفعة روحية ومعنوية لمن يسير متوجها الى كربلاء، حيث مرقد غريب الغرباء.

فلا يمكن ان نسحب القوانين التي تحكم البشرية على مفاصل القضية الحسينية، وخير مصداق على ذلك هو رؤية الجموع المليونية في كل عام، وقد أخذت بالتزايد عام بعد آخر وهذا دليل دامغ على ان هذه الثورة أخذت بالاتساع ولا يمكن ان يحدها حد او وضعها بإطار معين، فهي ثورة ملأت الدنيا، وحيرت العالم بأسرارها وحفاظها على قوتها بل تزداد تأثيرا في النفوس يوما بعد آخر .

ومن الجدير ذكره ان مسيرة الأربعين في كل عام تفجر لنا بعض المفاجئات، اذ نجد بين صفوف المعزين من هجر ديانته واعتنق الدين الإسلامي الحنيف، وتحديدا المذهب الجعفري، مما يبرهن عالمية هذا المذهب واعتداله، فهو الامتداد الحقيقي للفكر المحمدي الأصيل، الذي رسخ المفاهيم الإنسانية ودعّم الركائز المجتمعية.

فالمسير نحو الحسين عليه السلام له من الخصوصية لا يمكن تفسيرها، وله من القواعد لا يمكن تجاوزها، اذ تحتكم الجموع السائرة جميعها الى التصرفات الخلاقة والتفكر العقلاني، وتسود المحبة والألفة بين الجميع، ولا وجود للتصرفات المنحرفة عن الفطرة الإنسانية، على امتداد الطريق المؤدي الى كربلاء.

فرحلة الأربعين وعلى الرغم من كثرة الاعداد المشاركة بها، الا انها غنية بالمثل العليا التي لا تنفك عن ملازمة الإنسان السوي، فهي بحق رحلة سعيدة في رحاب اهل البيت عليهم السلام، وكثيرا ما يحرص المؤمنون على التمسك بها والغوص بعالمها الواسع المليء بالأجر والعطاء الرباني.

فحين تشاهد الرجال والنساء بمعية الاطفال يواصلون المسير صوب كربلاء، تتيقن بان هناك قوة خفية، تدفع بالعشاق المسير نحو معشوقهم، وملهمهم القوة والشجاعة على مواجهة الظلم والطغيان، ومقارعة المتجبرين الذين عاثوا في الأرض فسادا، وتجاوزوا حدود الله وقوانينه التي وضعها للإنسانية لتنظيم جوانبها الحياتية بشكل عام.

ان من اهم تجليات زيارة الأربعين هي انها تحاول احياء الحسين بن علي عليهما السلام بكل كيانه، وما استمرار الموالين على هذا الدرب الى تأكيدا من قبلهم على ضرورة اعادة انتاج الحياة لهذه الثورة الخالدة، وإعطاءها جرعة من اجل المحافظة على ديمومتها بين الشرائح.

اضف تعليق