ملفات - عاشوراء

مِنبَرٌ أَم أَعوادٌ؟

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ السَّابِعة

[الحُسين (ع)] [عاشوراء] [كربلاء] ثلاثيَّةٌ كلُّ حرفٍ فيها سيمفونيَّةُ ثورةٍ ضدَّ الطُّغيان ونهضةٌ ضدَّ الظُّلم وانتفاضةٌ ضدَّ التَّزييف والتَّضليل وجهادُ نفسٍ وحركةُ إِصلاحٍ وتغييرٍ.

لها بعدٌ سياسيٌّ لا يتجاهلهُ إِلَّا أَعمى القلبِ والبصيرةِ، ولها مفاهيمٌ تتعلَّقُ بالسُّلطة والبَيعة والخِلافة مَن لا يفهمَها لا يفهم شيئاً بالتَّاريخ، وهي مُشبعة بقيَم الحريَّة والكرامة والعزَّة وحريَّة التَّعبير والإِختيار مَن لم يستوعبَها فهو مُلبَّسٌ عليهِ بكلِّ معنى الكلِمة.

والمِنبر الذي لا يتحدَّث عن هذهِ الفلسفات فهو أَعوادٌ كما وصفهُ الإِمام السجَّاد زَين العابدين (ع) فهو لا يخدمُ المُجتمع وإِنَّما يكونُ في خدمةِ السُّلُطات.

كما أَنَّ المِنبر الذي لا ينتصرُ للمظلومِ الذي مازالَ يُعاني القهر على يدِ [العِصابة الحاكِمة] الفاسِدة والفاشِلة ولا يحتضِن شُهداء الإِنتفاضة ضدَّ العبوديَّة ولا يقوِّم مسارات الرَّأي العام والشَّارع الثَّائر لهوَ أَعوادٌ تصعدُها أَلسنٌ باعت آخرتَها بدُنيا غيرِها فاخرسَّت فباعت الحقَّ دراهِمَ معدودةً.

إِنَّ الفرق بينَ أَن يكونَ مِنبراً أَو أَعواداً ليس في ارتفاعهِ [الشَّاهق] أَو شكلهِ أَو نوعيَّة المادَّة المصنوعة منهُ، وإِنَّما يكمنُ في نوعيَّة الخطاب الذي يسمعهُ المتلقِّي ممَّن يرتقيه، فإِذا كانَ خطاباً [إِنقلابيّاً] هدفهُ التَّغيير والإِصلاح وحمايةِ المُجتمع من الظُّلم والعبوديَّة والفساد والقتل، خطابٌ يحمي الأَرض والعِرض والدَّم والكرامة والحريَّة والعدل والدِّين والقِيَم، فهوَ مِنبرٌ، وإِلَّا فهوَ أَعوادٌ تضرُّ.

ولم يُعدم المِنبر الحُسيني مِن الخُطباء الرساليِّين الإِنقلابيِّين منذُ أَن إِرتقاهُ السجَّاد (ع) وإِلى اليَوم، ولقد تابعنا الخِطاب الرِّسالي الذي أَدلى بهِ عددٌ من الخُطباء الرساليِّين الشُّجعان الذين احتضنُوا بهِ إِنتفاضة تشرين الباسِلة وأَهدافها وشهداءَها بالتَّوازي معَ خطابِ المرجعِ الأَعلى، عرَّوا فيهِ قتلة الشَّباب المُحتج على الظُّلم والقهر وفضحُوا فيهِ [العِصابة الحاكِمة] وذيولها وأَبواقها الذين يبرِّرُون القتل ويتَّهمُون المُحتجِّين ويطعنُون العِرض.

أَذكُر منهُم على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ أَصحابِ السَّماحةِ المشايخ الإِبراهيمي والحَسناوي ومَعاش.

أَمَّا المُتخاذلُ الذي [يُداري] لُقمتهُ على حسابِ الحقِّ فذاكَ يصعدُ أَعواداً، خوفاً أَو مصلحةً أَو طائفيَّةً لا فرق فالنتيجةُ واحدة، السُّكوتُ عنِ قولِ الحقِّ بآلةٍ مُقدَّسة!.

يلزمُ المِنبر الحُسيني أَن يَتحدَّث عن البُعدِ السِّياسي في عاشوراء لفضحِ خطِّ الأَمويِّين الذين يبذلُونَ كُلَّ جهودهِم [المعرفيَّة] لشرعنة سُلطة الطَّاغية يزيد كما فعلَ مثلاً إِبن خلدُون الذي حاولَ شرعنةِ الخِلافةِ الأَمويَّة بنظريَّتهِ الفاسِدة [العُصبة] التي يعتبرها مصدر الشَّرعية لكلِّ مَن يستند عليها للوصُولِ إِلى السُّلطة حتَّى إِذا كانَ شَيطاناً!.

وكذلكَ فإِنَّ البحث في البُعد السِّياسي في عاشوراء يساعدُ مجتمعاتِنا على تصحيحِ مساراتِها السياسيَّة الفاسِدة، كما يُساعدهم على وعي عاشوراء وفَهمِ جَوهرها، إِذ كُلَّما تعاملنا مع الذِّكرى بواقعيَّةٍ كلَّما فهِمناها واستوعبناها بشكلٍ أَوضح، والعكس هو الصَّحيح فالتَّعاملُ معها بالغيبِ مُبرِّرٌ لنُسقِطَ عن كاهلِنا حِمل المَسؤُوليَّة.

ينبغي كذلك توظيف الذِّكرى لتعميقِ الوعي السِّياسي في المُجتمع وبكُلِّ ما يتعلَّق بهِ من تفاصيل وأَدوات كالحديثِ عن صفاتِ المسؤُول سواءً كانَ في أَعلى السُّلطة أَو بالدَّرجاتِ الأَدنى، وكذلكَ عن معاييرِ الإِختيارِ والرَّقابة والإِنتخاب والأَهداف الآنيَّة والإِستراتيجيَّة من السُّلطة، وطرُق ووسائِل مُحاربة الفَساد المالي والإِداري في البلادِ، وطرُق إِزاحة المسؤُول عن الموقعِ إِذا تبيَّن خطأ الإِختيار أَو سعى لتوظيفِ موقعِ المسؤُوليَّة العامَّة لخدمةِ أَغراضهِ الخاصَّة.

هذهِ كُلَّها وغيرَها نقرأَها في عاشوراء إِذا تعمَّقنا في البُعد السِّياسي للذِّكرى وحلَّلناهُ وبحثنا فيهِ كما هوَ وليسَ كَما نُريدُ وتهوى الأَنفُسُ وتستكينُ لهُ!.

السِّياسةُ في عاشُوراء مسؤُوليَّة

الذينَ يريدُون تغييب البُعد السِّياسي عن عاشوراء هُم؛

- الأَمويُّون ومَن يسير على خطِّهم إِلى يومِ يُبعثون، لأَنَّ عاشوراء ببعدِها السِّياسي تفضحهُم وتُعرِّي شرعيَّتهم [الدينيَّة] فعندما نعرِف أَنَّ إِماماً معصوماً سِبطاً لرسولِ الله (ص) وهو أَحد المعنيِّين بقولِ الله تعالى {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} قال عنهُ رسولُ الله (ص) {حُسَينٌ مِنِّي وأَنا مِن حُسَينٍ} رفضَ البيعةَ ليزيدٍ ورفضَ خلافتهُ واعتبرها مصيبةً عظيمةً تحِلُّ بالأُمَّة، فسنتيقَّن بأَنَّ هذهِ الخِلافة مطعونٌ في شرعيَّتها وأَنَّ البَيعة لا تصحُّ بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكال.

ولذلكَ فلقد بذلَ الأَمويُّون [فُقهاء بِلاط، وُعَّاظ سلاطين، مؤَرِّخون، مُفسِّرون، عُلماء كلام، كُتَّاب، مُحلِّلون] ما بوسعهِم لإِخفاءِ هذهِ الحقيقة التي يُثبتها البُعد السِّياسي في نهضةِ الحِسين السِّبط (ع) فبرَّروا وتفلسفُوا وتمنطقُوا وتكلَّموا من أَجل التَّقليل من أَهميَّة هذا البُعد ببثِّ أَعظمِ أَكاذيبهِم المُضلِّلة [لقد قُتلَ الحُسين بسيفِ جدِّهِ] ليسلبُوا الشرعيَّة من خروجهِ [السِّياسي] على الحاكِم والخليفةِ الفاقدِ للشرعيَّة.

وهذهِ كُتب القَوم تشهدُ على جهودهِم بهذا الصَّدد! فكلُّها تدورُ حَولَ موضُوع [حُرمةُ الخروجِ على الحاكمِ الظَّالم].

وكُلُّنا إِطَّلعنا على تعلُّل [الدَّولة المِصريَّة] بكُلِّ مؤَسَّساتِها [الدينيَّة والمدنيَّة] لتمنعَ تنفيذ مشرُوع مسرحيَّة [الحُسين ثائِراً] و [الحُسين شهيداً] للكاتِبِ القدير المرحُوم عبد الرَّحمن الشَّرقاوي عام ٢٠٠٠ كَونَ النَّص ينسِف نظريَّة [التَّوريث] في الإِسلام!.

- جهَلَة الشِّيعة من الذين لا يُريدونَ أَن يتحمَّلُوا مسؤُوليَّةً من أَيِّ نوعٍ كان إِزاء عاشوراء.

فهؤُلاء إِذا أَرادُوا أَن يبسطُوا الحديث عن البُعد السِّياسي في عاشوراء ويتوسَّعونَ فيهِ فسيُحمِّلهم مسؤُوليَّات سياسيَّة تمُسُّ الواقع ويتطلَّب منهُم التصدِّي ولَو نظريّاً لإِنحرافات السُّلطة والخِلافة والبَيعة، خاصَّةً وأَنَّ عاشوراء حدَّدت معايير كلَّ ذلك، فإِمّا أَن تعترفَ وتُسلِّم بها وعندها فستفرض عليكَ واجبات وإِلتزامات [سياسيَّة] في إِطار مفاهيم عاشوراء، أَو أَنَّك تعتبرها حركة إِلهيَّة غَيبيَّة لا علاقةَ لها بشيءٍ من أُمور الدُّنيا، وبذلكَ تخلق الذَّريعة لتنهزمَ من كلِّ إِلتزام (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ).

فلقد دعا صاحبُ حُسينيَّة خطيباً يرتقي المِنبر أَيَّام مُحرَّم الحرام.

في اللَّيلة الأُولى أَطلقَ الخطيبُ على عاشوراء صِفة [ثَورة] فاعترض عليهِ صاحب المَوكب وطلبَ منهُ تخفيف حِدَّة المُصطلحات التي يستخدمها فَوق المِنبر.

في اللَّيلة الثَّانية سمَّاها [خروجاً] لينزلَ من المِنبر ليواجهَ صاحبهُ قائلاً لهُ؛ شيخنا لو تُخفِّف من حِدَّة مُصطلحاتِك أَكثر.

أَمَّا في اللَّيلة الثَّالثة فأَطلقَ عليها مُصطلح [النَّهضة].

لم يتحمَّل صاحب المَوكب فقد ضاقَ ذرعاً بمُصطلحاتِ الخطيبِ فهدَّدهُ بالطَّرد إِذا لم يلتزم بما يقولُ لهُ.

صعدَ الخطيبُ المِنبر في اللَّيلة الرَّابعة وأَخبر المُعزِّين بأَنَّ الحُسين (ع) لم يُقتل في كربلاء لأَنَّهُ خرجَ على [الحاكِم الظَّالم] وإِنَّما ضلَّ طريقهُ فماتَ مِن العطش!.

بعضُ المِنبريِّين لا يُريدونَ أَن يتورَّطُوا معَ السُّلطةِ وزبانِيتِها، أَو معَ [العِصابةِ الحاكمةِ] وأَحزابها الفاسِدةِ والفاشلةِ، وأَحياناً لا يُريدُون أَن يتورَّطوا معَ [جهَلَة] المُجتمعِ وعَوام النَّاس و[الغَوغاء] فيُخفي نِصفَ الحقيقةِ [البُعد السِّياسي في عاشُوراء] بل كُلَّها، وهذهِ خيانةٌ ما أَعظمها مِن خيانةٍ على طريقةِ الذي دعا النَّاس إِلى تركِ الصَّلاةِ عندما ساقَ لهُم نِصفَ الآيةِ الكريمة {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} ولم يذكرها كاملةً {وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ}.

إِنَّهُ التَّضليل بلباسٍ مُقدَّسٍ!.

[email protected]

اضف تعليق