ان الطقوس الدينية بصورتها الظاهرية، هي نوع من انواع التعبير الثقافي وانعكاس لإيمان ومعتقدات المجتمع، فتختلف الانماط من مجتمع لآخر وفق المنظور الثقافي، لذلك نجد ان الطقوس في الهند تختلف عن العراق او اسبانيا او بقية الدول الاخرى، وهي تعبير عن صوت وصورة المجتمع.

لدى المسلمين الشيعة وخاصة العراقيين منهم إرث ثقافي وإجتماعي ألا وهو الشعائر الحسينية، والتي كانت على طول التاريخ تعبر عن صراع مستمر بين الشعب والسلطة وهي تعبير لرفض الظلم والاستبداد بكافة اشكاله، وحتى المشي في زيارة الاربعين التي نعيش اجواءها هذه الأيام هو عملية للبحث عن الحرية التي يستمدها من قيم الامام الحسين "عليه السلام"، وهذا كان من أهم اسباب استمرار الشعائر الحسينية ليومنا هذا.

شعيرة الاربعين والمشي لزيارة الامام الحسين اصبحت راسخة لما فيها من تأكيد في الأحاديث والروايات على فضل وأجر زيارة الاربعين بالخصوص، والسبب الآخر لترسخ هذه الشعيرة هو دماء الشهداء في طريق الحسين خلال فترات حكم الانظمة الظالمة والمستبدة.

بعد التغيير في العراق عام ٢٠٠٣ وما تلاه ورغم سقوط نظام صدام حسين المستبد والذي قيّد كثيراً من الحريات الدينية، جرى أيضاً استهداف الشعائر الدينية من خلال الجماعات الارهابية ليزداد الزائرون اعدادا وثباتا على هذه الشعائر دون خوف.

في هذا العام سبقت زيارة الاربعين تظاهرات عارمة غير مألوفة شهدتها العاصمة بغداد وبعض مدن وسط وجنوب العراق، تطالب بتغيير شامل في النظام السياسي وتحسين وضع الشباب الاقتصادي وتوفير فرص العمل وعدم التركيز على مطالب توفير الخدمات المعهودة في تظاهرات الاعوام السابقة.

هذه التظاهرات قوبلت برد عنيف جداً تسبب بمقتل أكثر من 150 من المتظاهرين والقوات الامنية وآلاف الجرحى وعمليات قنص رصدتها الكثير من كاميرات المتظاهرين وبعض وسائل الاعلام التي تم اغلاقها واستهدافها لاحقاً من قبل جهات مسلحة غير معروفة، مع عزل العراق عن العالم الخارجي تقريباً من خلال حظر شبكة الانترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي ليومنا هذا.

صراع الاجيال

قدمت هذه التظاهرات جدلية كبيرة بين جيل شبابي ثائر لا يخشى لغة التهديد والقمع، نشأ في عهد جديد وتعلم التعبير عن نفسه بحرية دون قيود، جيل لم يعاصر الدكتاتورية ويبدو أنه متجرد من اي أيدلوجية سياسية بل هويته الطاغية هي الروح العراقية وشعارات الثورة الحسينية.

الوضع في الشارع العراقي منذ تظاهرات الاول من تشرين/اكتوبر وليومنا هذا نتابعه بصورة مستمرة، نستطيع الجزم أن ما يحدث من اجراءات حكومية وبرلمانية لإحتواء الاحتجاجات يكاد اغلب الشباب لا يتابعه وغير مهتم للخطب والقرارات المتخذة من قبل السلطات الثلاث ومستمر في الاحتجاج ورفع سقف المطالب.

خطبة المرجعية الاخيرة جاءت تحصيل حاصل لأصوات شباب العراق المنتفض خلال ١٠ سنوات تقريباً دون اي تغيير حقيقي من قبل الطبقة السياسية في تعاملها معهم، لا توجد خطط اقتصادية حقيقية غيرت شيئا من واقع البلد سواء في القطاع العام او الخاص، لم نرى استثمارات جديدة في العراق، نسبة العمالة الاجنبية على حساب العراقيين عالية جداً، لا يوجد لدى الحكومة رؤية اقتصادية لمواجهة الازمات والاعتماد الكلي في افكارها على الاقتصاد الريعي، ومستوى ضعيف لتدريب الشباب على فتح مشاريع خاصة ونظام مصرفي سيء لايمكن الشباب من خلاله تأسيس مشروع صغير.

النخب الفكرية الثقافية بعيدة جداً عن الشباب وافكارهم وتطلعاتهم، يجب أن ينزلوا من بروجهم العاجية وأن لا يخسر المثقفون ومنظمات المجتمع المدني (عددها بالألاف حسب موقع المنظمات غير الحكومية) وصناع الرأي العراقي الشباب وان ينزلوا الشارع والمساهمة في تغيير قوانين او اقتراحها بصورة علمية وقانونية لتقليل أثار البيروقراطية والفساد الذي يقضي على احلام الشباب العراقي في حياة حرة وكريمة، بدل ان ندخل في حمام دم جديد له بداية وليس له نهاية.

كنخب وشخصيات اجتماعية ودينية مطالبون بالمزيد من الادوار لاستثمار حدث مليوني كبير مثل زيارة الاربعين في كل عام، هذا المؤتمر الشعبي العظيم بالمزيد من التواصل والفائدة لجميع الشعوب الاسلامية وليس العراق فقط.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0