ما الذي كان يدفع زائري مرقد الامام الحسين، عليه السلام، في عهد المتوكل العباسي، لتحمل الضرب بالسياط والتعذيب والتنكيل وحتى القتل، فقط لتحقيق غايتهم المنشودة بالوصول الى المرقد الشريف في كربلاء المقدسة؟

من الناحية الشرعية يؤكد الفقهاء حرمة إلقاء النفس في التهلكة، أو إلحاق الضرر والأذى بالبدن، فجاء البعض وأقحم هذه المسألة الشرعية في مراسيم إحياء الشعائر الحسينية، والاعراب عن مشاعر الحزن والأسى على مصاب الامام الحسين، وأهل بيته، على أنه من غير الجائز شرعاً القيام بأعمال تلحق الأذى والضرر بالبدن تحت شعار الشعائر الحسينية، فاذا كان الحديث من هذا البعض مستهدفين الشعائر الحسينية، فانه من الأولى التحريض على مسألة الموت في طريق زيارة الامام الحسين، وعدّها نوعاً من الانتحار، ولكن! هذا الاقحام لم يصمد ابداً أمام الروايات المتواترة من الأئمة الاطهار على أهمية زيارة مرقد الامام الحسين، عليه السلام، مبينين الآثار المادية على حياة الانسان، وايضاً؛ الآثار المعنوية، وما يعطيه الله للزائر من الأجر العظيم يوم القيامة، حتى وإن تحمّل الزائرون مختلف ألوان الصعاب في الطريق، علماً أن الروايات عن الأئمة المعصومين، جاءت بالتزامن مع الاجراءات القمعية ضد الزائرين منذ عهد هارون العباسي الذي يسجل عليه أنه أول من هدم قبر الامام، ومروراً بالاجراءات الاكثر وحشية في عهد المتوكل، بما يعني أن الأئمة كانوا يحثون المؤمنين على الزيارة وتحدي أي نوع من الصعاب والعقبات في الطريق.

الموتُ حياةٌ في طريق الزيارة

السفر الى مدينة كربلاء المقدسة بقصد الوصول الى مرقد الامام الحسين، عليه السلام، ليس كأي رحلة اخرى لاغراض مختلفة، ربما تنطوي على مخاطر أو التعرض لمكروه في الطريق، بل و ربما يكون الأجل في نصف الطريق وأثناء الرحلة، كأن يكون المسافر على متن طائرة، او يكون متسلقاً للجبال، أو في الانهار والبحار، لأن المسافر الى كربلاء، إنما هو متوجه صوب قضية عظيمة ومدرسة حضارية تؤسس لقيم ومبادئ ضحى من أجلها الامام الحسين و ابناؤه، واصحابه. قيمٌ ومبادئ تصور جيش ابن سعد آنذاك أنها تكلف الموت والفناء والخسارة غير عابئين بما يحذرهم منه الامام في سلسلة كلماته وخطاباته من أنه يهب الحياة لهم، وليس الموت، فالموت "سعادة" في مدرسة الامام الحسين، "والحياة مع الظالمين بَرَما"، وفي مفردة تنطوي على دلالات الذل والبؤس والشقاء، ولم تمض سوى ساعات، او يوم وليلة، حتى أتضح كل شيء للخانعين للسلطة الأموية في الكوفة وغيرها، وكيف أنهم خسروا الدنيا والآخرة وهو الخسران المبين.

فمن يموت وهو في طريقه الى الامام الحسين، هل يكون مع من يموت وهو في رحلة أخرى، في مرتبة واحدة؟

يكفي أن نقرأ هذا الحديث الوارد في كتاب "النهاية" عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، انه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: "يا جابر؛ زُر قبر ابني الحسين فإن زيارته تعدل مئة حجة)، وحديث آخر عن الإمام محمد الباقر، عليه السلام، انه قال: "لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقاً، وتقطّعت أنفسهم عليه حسرات، قلت: وما فيه ؟ قال: من أتاه تشوُّقاً كتب الله له ألف حجة متقبلة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد من شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب ألف نسمة أُريد بها وجه الله، ولم يزل محفوظاً سنته من كل آفة أهونها الشيطان، ووكّل به ملك كريم يحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدمه. فإن مات سنته، حضرته ملائكة الرحمة، يحضرون غسله وأكفانه والاستغفار له، ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويُفسح له في قبره مدّ بصره، ويؤمنه الله من ضغطة القبر ومن منكر ونكير أن يروّعانه، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويُعطى كتابه بيمينه، ويُعطى يوم القيامة نوراً يُضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي مناد: هذا من زوار قبر الحسين بن علي -عليهما السلام- شوقاً إليه، فلا يبقى أحد في القيامة إلا تمنى يومئذ أنه كان من زوار الحسين بن علي عليهما السلام".

صرخة بوجه الطغيان والفساد

هذه الحياة التي يهبها الامام الحسين لزائريه طالما استشعر الحاكمون الطغاة الخوف المريع منها، وحاولوا لمعالجة هذا الخوف إطلاق الوعود بتوفير كل شيء للناس شريطة التخلّي عن زيارة الامام الحسين و اخراجه من منهج تفكيرهم وحياتهم، فهم يعطون الحرية الاستقلال والرفاهية والى آخر القائمة من الشعارات البراقة، ولما وجدوا حقيقتهم الخادعة في وعي شريحة من الناس، وأن الذي يمنحهم كل هذا هو الامام الحسين، لا غيره، راحوا يوغلون في الدماء ليواجهوا هذا التحدي الخطير على عروشهم ومصالحهم السياسية والاقتصادية، فجرى ما جرى من المطاردة والاعتقال والاعدامات، وكان آخرها، وربما ليس بأخيرها، في نظام حزب البعث العراقي، وعلى يد رجل جيئ به خصيصاً لهذه المهمة الدموية، وقبل أن يفعل أي شيء، قرأ تجارب عبيد الله بن زياد، وتجارب الحجاج، وتجارب الحكام العباسيين وغيرهم، وكيف أنهم تعاملوا مع المسلمين بشكل عام، والمؤمنين من شيعة أهل البيت بشكل خاص، حيث التغرير بالمال، ثم الترهيب، وحتى التدجيل وتزييف الدين والحقائق.

ومن فصول الحرب هذه؛ الوقوف بشدّة وعنف أمام حركة الزائرين الى مرقد الامام الحسين، في مناسبات عدّة وأهمها؛ زيارة الاربعين التي ترجمها النظام البائد، وكل نظام ديكتاتوري على شاكلته، بانها تظاهرة جماهيرية عارمة تستهدف الفساد والانحراف والظلم في الجهاز الحاكم، كذلك الحال بالنسبة لسائر الشعائر الحسينية التي تقام في أيام محرم الحرام، لذا شهدنا التوسّل بكل شيء يحجم او يضعف هذه الشعائر، او حتى يقلل من شأنها في أعين الناس، ومنها ايضاً؛ التظاهرة الجماهيرية للزائرين ظهر العاشر من المحرم والتي تسمى "ركضة طويريج"، ومحاولة إشاعة الخوف والرعب في قلوب الناس، من أن هذه الاعمال ربما تلحق الضرر باصحابها، وأن حصل مكروه، فان المشاركين في هذه الاشكال من التعزية هم المسؤولون عن انفسهم!

ونفس النبرة كررتها أطراف وجهات محيطة بالعراق بعد تاريخ 2003 بعد أن وجدوا أن المشي يوم الاربعين لزيارة الامام الحسين، وركضة طويريج وسائر الشعائر الحسينية انتصرت على كل المحاولات البائسة لقمعها وتحجيمها، وفي مرحلة لاحقة، اكتشفوا ما هو أعظم؛ حيث التهديد بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة والعناصر الارهابية التكفيرية، هي الاخرى أثبتت للعالم ولهم ايضاً بان من يسقط شهيداً في الطريق الى مرقد الامام الحسين، يمنح الحياة له ولأسرته وللآخرين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0