لا حدود في وصف الاخ فوجود الأخوة في حياتنا، له الاثر البالغ، ان علاقة الاخوة علاقة رائعة وراقية انه الخليل والحبيب والصديق والسند ومصدر القوّة، حب الاخوة فطري يولد مع الانسان لا يزول، هم نعمة من الله؛ حيث نلجأ إليهم وقت الضيق والضعف، من الممكن ان تتأثر علاقة الاخوة بأمور خارجية تجعلهم يتقاطعون ويحمل كلّ منهما على الاخر لكن هل جربت ان تتخيل انك ستفقد ذلك الاخ او الاخت؟

ان من ارقى وانبل واعظم قصص الاخوة التي سجلها التاريخ تلك الاخوة التي تجسدت في ابي الفضل العباس (ع) ذلك البطل الظرغام الذي ترك بصمة لم يشهد العالم لها مثيل في الوفاء والتضحية والحب الذ لا نظير له، ان العشق الذي كان يحمله ابو الفضل (ع) هو عشق اللهي نابع من الايمان بالمعشوق، ولذا كانت النتيجة ان اصبحت خوة العباس (ع) مثالاً للخوة الحقيقية، واصبح اليوم باباً من ابواب الرحمة لله حيث عندما نسمع باسم العباس يتبادر الى الذهن الاخوة... زينب (ع).... الحسين (ع).... فكل من يدخل ضريحه يدعوه بالخوة.

اخوة اليوم

لا يمر يوم دون ان نسمع او نشاهد حادث مؤلم وهو المشاكل بين الاخوة ووقوف احدهما ضد الاخر في المحاكم وجلسات العشائر وووو.... لحل النزاعات التي من الممكن ان لا تحل والتي تجعل منهما اضحوكة امام الملأ ويستمر التقاطع بينهم لسنوات والبعض الى حد الممات ما الذي اجلد قلوبهم وجعل منها كالصخر الاصم، اهولاء هم نفسهم الذين لعبو واكلو وشربو ونامو سوية اهؤلاء من ربتهم ام واحدة وافنى الاب عمره في خدمتهم؟ ما الذي اودى بهذه الاسرة الى التمزق والتحلل؟ اين ذهب ذلك الحب؟ هل انتهت وماتت ذكريات الطفولة؟ أنسيت تلك الضحكات البريئة؟ اليوم نرى الاخ قد نسى اخته ولاخت اصبحت لا تستذكر اخاها الا حين الحاجة _الكلام لا يعم بل للبعض_ اصبحت الماديات الهم الاول والاخير، تطرق العديد من الكتاب لهذ الموضوع منهم من قال: "أبحثُ عن أسباب لهذه المصيبة ولهذا البلاء، فأجدها عديدة وكثيرة صعبة العدّ والإحصاء أهمها يعود للأهل، واسمحوا لي بهذا النقد البناء فنحن نُكرّر جُمل قاتلة للمحبة وللأخوة، بل تدل أحيانًا على حماقة وغباء : " لماذا لا تكون مثل اخيك في الفطنة والذكاء ؟ فهو أفضل منك ولا عجب بأنك تُعاني وهو ينعم بالنعمة والثراء !"

لقد تمادينا في التمييز بين أولادنا فهذا لا نكترث له ولضيقه، وذاك ننعم عليه بالعطاء، فنزرع الحقد والكره في نفوس الأبناء، لذا لا عجب أننا نعيش في بيت واحد دون سلام أو كلام أو نداء، فتستمر القطيعة أياماً وأشهر وسنوات ويعيش الاخوة فرقاء.

وللجانب الماديّ قسطٌ في هذه العداوة بين الأشقاء، حيث أدى إلى تفاقم هذه الظاهرة وازدياد هذه النائبة وهذا الداء، فقد أصبح كل شخص لا يكترث إلا لنفسه ولمصلحته الماديّة، التي اضحت له نبراساً وضياء، ليصل الوضع أحياناً إلى حدّ الجريمة أو المثول في أروقة المحاكم والقضاء، فبالأمس خلاف على متر أرض واليوم خلاف على دار وبناء، وغدًا صراع على إرث الاجداد والآباء...

ولا ننسى النميمة والفتنة التي تُشعلها بعض النساء، وتحريضهن على الاختلاف والقطيعة مُستعملات الحيلة والدهاء، فتدفع بزوجها الى رفع يده في وجه أخيه وحتى إلى سفك الدماء، فتتشتت العائلة ويتفرق الاخوة ويتعادى الاحفاد بسبب كيد الزوجات والنساء كما ورد في موقع كل العرب.

تعالو اليوم لننهل وناخذ الدروس من أخوة العباس وزينب (عليهما السلام) ولنحاول ان نربي انفسنا وابنائنا ليتخذو من احدى امثلة الطف انموذجاً ولو بالشئ اليسير ولننشر ثقافة الاخوة من جديد قبل ان يفوت لاوان وحين لا مناص.

العباس في عيون زينب (عليهما السلام)

وأمّا منزلة العبّاس عليه السّلام عند السيّدة زينب (عليها السّلام) فقد ظهر منذ ولادتها (عليها السّلام)، فكانت بعد اُمّه اُمّ البنين (عليها السّلام) هي كالأم الحنون له، تناغيه في المهد، وتربّيه في أحضانها، وتغذّيه بعلمها ومعرفتها، وهي التي أتت به عند ولادته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ليقيم عليه سنن الولادة من الأذان والإقامة في أذنيه اليمنى واليسرى، ومن التسمية، وجعل الكنية واللقب له، ثمّ سألت أباها عن اسمه، فقال لها: إنّه عبّاس، وعن كنيته، فقال: إنّه أبو الفضل، وعن لقبه، فقال: إنّه قمر بني هاشم، وقمر العشيرة، والسقّاء.

فقالت عليها السّلام متفائلة: أمّا اسمه عبّاس فهو علامة الشجاعة والبسالة، وأمّا كنيته أبو الفضل فهو آية الفضل والكرامة، وأمّا لقبه (قمر بني هاشم، وقمر العشيرة) فهو وسام الجمال والكمال، والصباحة والوجاهة، ولكن يا أبه ، ما معنى أنّه السقّاء؟

فقال لها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وقد استعبر: إنّه ساقي عطاشى كربلاء وقصّ عليها شيئاً من حوادث عاشوراء، فأجهشت السيّدة زينب (عليها السّلام) بالبكاء لمّا سمعت ذلك، فهدّأها أبوها بقوله: بُنية زينب، تجلّدي واصبري، وخذي أخاك إلى اُمّه، واعلمي أنّ له معك لموقف مشرّف وشأن عظيم، وهذا ممّا زاد في مقام أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عند أخته السيّدة زينب (عليها السّلام)، وأضاف في منزلته لديها، حتّى أنّها عليها السّلام طلبت من أبيها عند ارتحاله على ما في بعض الكتب بأن يتكفّلها أخوها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام)، ويلتزم بحمايتها وحراستها، وخاصّة في كربلاء، وعند السفر إليها .

فدعا عليه السّلام ولده أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام)، وأخذ بيد ابنته الكبرى السيّدة زينب عليها السّلام ووضعها في يده عليه السّلام، وقال له: بني عبّاس ، هذه وديعة منّي إليك، فلا تقصّر في حفظها وصيانتها فقال العبّاس (عليه السّلام) لأبيه (عليه السّلام) ودموعه تجري على خديه: لأنعمنّك يا أبتاه عيناً .

وكان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) بعد ذلك يهتمّ باُخته الكبرى السيّدة زينب (عليها السّلام) أكثر من ذي قبل، ويرعاها أشدّ رعاية من الماضي، وخاصّة في أسفارها التي اتّفقت لها (عليها السّلام) بعد ذلك ،فإنّ أوّل سفرها (عليها السّلام) كان في أيّام خلافة والدها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الظاهرية، حيث هاجر (عليه السّلام) من المدينة إلى الكوفة وجعلها مقرّاً لخلافته، فهاجرت هي (عليها السّلام) إليها أيضاً .

وأمّا أسفارها الباقية، وهي عبارة عن سفرها مع أخيها الإمام المجتبى الحسن الزكي (عليه السّلام) إلى المدينة المنوّرة، والرجوع إلى مدينة جدّها (صلّى الله عليه وآله)، وكذلك سفرها مع أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) حين خروجه على يزيد بن معاوية من المدينة إلى مكّة ومنها إلى كربلاء، فكان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هو الذي تكفّل ركوبها ونزولها، وتعهّد حراستها ورعايتها في طوال الطريق، وخاصّة عند نزولها في كربلاء، وعلى الأخصّ في الأيّام الصعبة والظروف العصيبة التي أحاطت بهم في كربلاء من كلّ جانب وإلى يوم عاشوراء .

ولذلك لمّا أراد الأعداء السفر بها وببقية السبايا إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وأحضروا النياق الهزّل الخالية عن الوطاء، والعارية عن المحامل، ليركبوهم عليها ويعرجوا بهم من ربوع كربلاء، التفتت السيّدة زينب (عليها السّلام) نحو العلقمي وصاحت برفيع صوتها، والأسى يقطّع نبرتاها: أخي عبّاس، أنت الذي من المدينة أركبتني، وها هنا أنزلتني، قم الآن فركّبني، فها هي نياق الرحيل تجاذبنا بالمسير، كما ورد في كتاب الخصائص العبّاسيّة للمؤلف محمّد إبراهيم الكلباسي النجفي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0