وهج الموالين يتألق في تلك الجموع المليونية التي زحفت من كل حدبٍ وصوب لرثاء ابا الاحرار، ومع اصوات قرع الطبول استذكارا بفاجعة الطف، وبكاء المعزين ودموع المواسين الذين رسموا لوحة تراجيديا يشع نورها في قلوب محبي أهل بيت رسول الله، استمرت قناة المرجعية الفضائية في بثها المباشر وأجرت لقاءها الثاني مع الشيخ مرتضى معاش المشرف العام على مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان، (الاعلام واستثماره في زيارة الاربعين)، وفيما يلي مقتطفات من هذا اللقاء:

ان زيارة الاربعين الكبيرة العظيمة من الزيارات الاستثنائية الخالدة لأنها تحقق عطاءات انسانية قيمية سلوكية عالية، ولا اتصور ان هناك مناسبة تشبه زيارة الاربعينية بكل تفاصيلها.

ولكن للأسف الشديد هناك تغاضي اعلامي دولي عالمي لتغطية هذه الزيارة، وانا اتكلم بالخصوص عن الاعلام الغربي والسبب هو الاجندات والقيم المتناقضة مع القيم الشيعية الاسلامية العظيمة ولهذا تتعامل بعض وسائل الاعلام العالمية بازدواجية، وقد اشار سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الوارف مرات عديدة انه لو وصل صوت الحسين الى العالم لتغيرت الإنسانية.

واليوم العالم يعيش ازمة عقائدية واخلاقية وفكرية كبيرة وهناك ازمات كبيرة واختلالات جوهرية نتيجة التطور التكنولوجي الهائل، والذي حصل هو تضخم مادي على حساب التضاؤل المعنوي، فالرأسمالية تهدف وتسعى الى تضخيم السلوك المادي الاستهلاكي على حساب الأمور المعنوية والانسانية سعيا للمزيد من الارباح، وزيارة الامام الحسين (عليه السلام) تطرح قيم فكرية تتناقض مع ذلك التوجه المادي وتكشف زيف تلك المناهج التي تحاول ان تستغل الانسان وتجعله تافها لا قيمة له.

وهذا هو أحد اسباب التغاضي وهو مايدفعنا الى تكثيف الاعلام في هذه المناسبة لأننا نكون قد نشرنا ثقافة الامام الحسين (عليه السلام) المتمثلة في العطاء والتضحية، فالحسين (عليه السلام) هدفه هو تحرير الانسان من العبودية الطاغية التي ترسخها الانانية الفردية المفرطة.

وهناك سبب آخر وهو ان بعض وسائل الاعلام الغربية قد سوقت صورة نمطية عن المسلمين وهو التصاق صفة الارهاب بالمسلم بينما هذه المناسبة تعكس صورة منافية تماما لتلك الصورة النمطية.

على الرغم من ان الاعلام الغربي يدعي انه اعلام موضوعي مهني ينقل جميع الحقائق الحادثة في العالم ويصورها كما هي ولكن الحقيقة هو يتعامل بانتقائية والبعض منهم ينقل انصاف الحقيقة فمثلا بعض الوكالات حين تنقل الخبر عن زيارة الاربعين تقول مئات الالاف من الزائرين بينما العدد يصل الى الملايين ويتجاوز احيانا 18 مليون وأكثر.

الاحتراف واهميته

لا يمكن لقضية الامام الحسين (عليه السلام) ان تصل للعالم دون استخدام الأساليب الاحترافية، ولا تتحقق الاحترافية إذا لم يكن هناك استثمار اقتصادي في وسائل الاعلام يساعدها على الاحتراف، فنحن نرى باستمرار قنوات فضائية تعيش ازمات بسبب التمويل وبعضها تعتمد على التبرعات المتقطعة وهذا لا يمكنها من ان تكون قوة كبيرة تستطيع ان تمارس التغيير والتأثير على الآخرين خصوصا صانعي القرار.

لذلك هناك ضرورة ملحة لتشجيع التجار للاستثمار في وسائل الاعلام، اولا لان الاعلام صناعة كبيرة وفيها مردود مالي جيد وارباح عالية، وثانيا القوة المعنوية المحفزة على طلب الثواب، وثالثا ليصل الى الاحترافية ويستطيع ان ينافس الاعلام العالمي، وحين يكون الاعلام ممولا بشكل منظم يستطيع ان ينقل مناسباتنا الدينية وشعائرنا للعالم بشكل صحيح ولائق ومؤثر، ومعنى الاحترافية هو ايصال الرسالة الى المستمع بأسرع صورة وباقل الكلمات والكلف واكثر تأثيرا، والامام علي (عليه السلام) يسمى سيد البلغاء لان نهج البلاغة يوصل الفكرة لذهن السامع بكلمات قليلة وعميقة وسريعة الفهم وهذا هو معنى البلاغة.

والاعلام الذكي هو الذي يوصل الرسالة او الخبر بصورة مقنعة وجميلة وليس بطريقة دعائية فجة، وهناك من يحولها الى قصة وما أكثر القصص في زيارة الاربعين خصوصا ان الناس تتأثر بشكل كبير مع القصة، ولكن للأسف البعض لايفكر ولا يسعى في تطوير الجانب الاحترافي للإعلام من خلال الاستثمار الاقتصادي واستخدام أساليب الاعلام الذكي، على الرغم من ان رسالتنا في زيارة الأربعين عظيمة ويجب ان يكون مستوى الاحترافية في وسائل الاعلام متساو مع عظمة الرسالة.

حرية التعبير ضرورة

أصبح العراق اليوم يتمتع بحرية نسبية جيدة وهذه الحرية تسهم في صناعة اعلام حر وناجح.

ويجب ان تحترم حرية التعبير وتعددية الآراء والاجتهادات فبدونها لا يمكن ان ينجح الاعلام لأن وسائل هي من تمارس عملية الرقابة والتوعية والترشيد، وهذا يخيف الحكومات المستبدة واول شيء تقوم به هو تكميم افواه الاعلاميين عن طريق القتل او السجن او الترهيب او المحاسبة الشديدة.

والاعلام في العراق يتمتع بحرية لكنها ليست كاملة لأنها تتعرض في بعض الاحيان للترهيب والتخويف، وحين نقول اعلام ناجح وحر نقصد به هو ذلك الاعلام الذي يمارس عملية الرقابة وكشف الفساد وإصلاح المجتمع وإصلاح منظومة القيم ويحمل اخلاقيات المهنة ويكون صادقا وموضوعيا في نقل الحقيقة.

استثمار زيارة الاربعين

الاعلاميون والمفكرون والمثقفون عليهم نقل الصورة الصحيحة للعالم، واستثمار زيارة الاربعين بشكل أفضل واوسع وباحترافية عالية من خلال اقامة الدورات للإعلاميين لتطوير مهاراتهم واقامة المؤتمرات لتبادل الخبرات والتسويق الاعلامي، ووضع الخطط للزيارات المستقبلية، لتكون قضية الحسين ومبادئه الهام للناس بكل طوائفهم وقومياتهم وتحقق بناء المعنويات في عالم يزداد تأزما.

تأثير شبكات التواصل الاجتماعي

شبكات التواصل الاجتماعي لها دور خاص ومؤثر وتسمى الاعلام البديل او بصحافة المواطن، حيث اصبح الاعلام بيد كل انسان ليس فقط بيد المتخصصين والمتمكنين، وهذا يستدعي مسؤولية، وعدم استخدامه بشكل سلبي خصوصا في التسقيط عبر نقل الاخبار والمعلومات الزائفة وغير الموثوقة بدون التأكد من حقيقتها وصدقيتها، ويسمي البعض هذه الظاهرة (كوبي بيست). يقول الله تعالى في متابه الحكيم (يا أَيها الذين آمنُوا إن جاءكُم فاسق بنَبَإ فتبّينوا)، وهذه يبين دور الكلمة في حياتنا حيث تكون اقوى من السيف، فالكلمة الطيبة تكون في مواجهة سيف الظلم والعدوان والاستبداد وتعمر الأوطان وتصنع الانسان، والكلمة الخبيثة سيف لقتل الإنسانية وتدمير شخصيات الاخرين عبر التهمة والنميمة ونشر التضليل وتبرير الظلم وانتهاك حقوق الآخرين، يقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).

دور المنبر الحسيني

ان المنابر والمجالس الحسينية هي الاماكن الأكثر رسوخا وعمقا في بناء الانسان وسلوكه وافكاره وعقائده وتحقق الامن الاجتماعي والأخلاقي، من خلال ممارسة حل الازمات وتطبيع الاعتدال عبر التوجيه والترشيد وتحولها الى ملتقيات للتغيير والإصلاح والبناء.

لذلك فإن التشجيع على اقامة المجالس الحسينية وذكر الدروس والعبر من سيرة اهل البيت (عليهم السلام) يحفز الشباب والأطفال وباقي فئات المجتمع على سلوك طريق الخير، ولهذا فان الخطباء يتحملون مسؤولية كبيرة في تطوير اساليبهم وممارسة الارشاد الثقافي من خلال طرح الحاجات الفكرية والأخلاقية والمعنوية لكافة فئات المجتمع، ونقل المجتمع نحو الامام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0