بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وآله الأطيبين واللعنة على أعدائهم الظالمين والمستعان الى رب العالمين

مع إطلالة كل سنة هجرية جديدة، ومع بدايات شهر محرم الحرام، تشتعل مواجهات فكرية ـ أمنية قوية تارة وضعيفة أخرى بين أجهزة الحكومات في عدد من البلاد الإسلامية وبين شرائح كبيرة جداً من الجماهير.

محور هذه المواجهات والصدامات الدينية ـ المذهبية والثقافية ـ الفكرية ـ الأمنية، يدور حول مراسم العزاء في شهر محرم الحرام وطقوس عاشوراء شعائر الإمام الحسين عليه السلام.

وتختلف الدول الإسلامية في شدة وحدة مواجهة مراسم عاشوراء من شديدة التضييق والحصار إلى المتوسطة فالضعيفة.

(مصر) مثلاً منعت، في عهد مرسي، كافة أنواع العزاء تقريباً حتى اصبحت إقامة مجلس عزاء عادي شبه جريمة قد تسبب الاستدعاء الأمني أو الملاحقة والسجن وغير ذلك.

(إيران) هي الأخرى تمارس أنواعاً من التضييق على الكثير من الشعائر التي تعتقد بها شرائح واسعة جداً من الناس والتي أفتى ببعضها بعض أعاظم المراجع ولم يمنع من بعضها الآخر إلا الفقهاء الحكوميون.

مثلاً (مواكب التطبير) ممنوعة في إيران، لذلك يسافر الكثير من الناس في محرم الحرام لإقامة هذه الشعيرة في كربلاء المقدسة وفي الحرم الحسيني الشريف وحرم العباس عليهما السلام، حيث تسمح الحكومة العراقية بذلك وحيث توفر المرجعية الدينية العليا ومسؤولو العتبتين المقدستين الغطاء الشرعي والاجتماعي والأمني لكافة مواكب عزاء التطبير التي تملاً يوم العاشر الشوارع بما يقدر ـ حسب بعض الاحصاءات ـ ما بين نصف مليون الى مليون.

(السعودية) هي الأخرى، تمارس أنواعاً من التضييق على مراسيم شهر محرم الحرام، وبضغط منها وغيرها، مارست حكومات عديدة (ماليزيا، إندونيسيا، جزر القمر، و...) ضغوطاً كبيرة على الشعائر واعتقلت اعدادا كبيرة من اصحاب المجالس.

لا يهمنا في هذا المقال البحث عن (شرعية) بعض هذه الطقوس العاشورية سواء المنتشرة منها على نطاق واسع كالتطبير الذي أصبح ظاهرة في العراق والهند والباكستان وإيران (رغم التضييق الأمني الشديد)، أو غير المنتشرة والمحدودة(1).

ليس البحث منصرفا للاستدلال على وجهة النظر الرسمية المعادية والتي يتبناها البعض من المثقفين، ولا للاستدلال على وجهة النظر الشعبية التي تستند إلى فتاوى علمائهم والى حبهم العفوي الفطري، بل البحث مخصص لدراسة القضية من الناحية الحقوقية، وأيضاً على ضوء بعض معطيات علم النفس وعلم الاجتماع، وذلك على شكل مبادئ أساسية وأصول عامة من الشريعة الإسلامية:

وتمهيدا لذلك يجب التنويه على امر هام واساسي وهو أن مهام الدولة ومسؤولياتها هي عبارة عن:

1- توفير الأمن والاستقرار، 2- توفي الحريات العامة كحرية العمل والتنقل وابداء الرأي والتملك وشبهها، 3- توفير الخدمات للناس من وسائل المواصلات والسكن والتعليم والرعاية الصحية والإجتماعية، 4- وضع الحفظ الكفيلة بتطوير البلاد صناعياً واقتصادياً وغير ذلك.

هذه هي مهمات الحكومات الأساسية والتي على ضوئها يحكم العقلاء بنجاح الدولة أو فشلها أو قوتها وضعفها أو حكمتها وسفاهتها أو إنانيتها وعدوانيتها.

أما التدخل في معتقدات الناس وشعائرهم فإنه ليس من صلاحيات الدولة إلا إذا أرادت أن تغطي على فشلها في الحقول السابقة بإشغال الشعب بمعارك فكرية ـ ثقافية ـ اعتقادية.

وذلك هو ما تكفله مواثيق حقوق الإنسان التي وقعت عليها الدول الإسلامية أيضاً، كما تكفله نصوص الشريعة المقدسة كما يدعو إليه العقل السليم والفطرة المستقيمة، فلندرس القضية من تلك الزوايا:

النصوص الدينية والحكم الشرعي

أولا: (شرعياً) قال تعالى: (لا إكراه في الدين) و(يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)

وفي القاعدة الفقهية المسلمة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم).

إضافة إلى أن من المسلمات فتح باب الاجتهاد وهو يعني أن كل شخص إذا كان مجتهداً فله أن يعمل برأيه وإلا فله أن يختار من جمع الشرائط من المجتهدين العدول الجامعين للشرائط ممن يطمأن اليه بملء حريته واختياره، فإذا قلد من يجوز أو يدعو إلى بعض أو كل تلك الشعائر فلا يجوز أبداً مصادرة حقه في التقليد ومنعه من ممارسة حريته مادام لا يضر بالآخرين، ولا يضر بنفسه ضرراً بالغاً، وقد حدد مشهور الفقهاء الإضرار بالنفس المحرم بأحد أمور ثلاثة: قتل النفس، قطع العضو، إذهاب القوة كقوة البصر مثلاً، فما عدا ذلك فالناس أحرار فيه، نعم لنا أن نضيف رابعاً وهو الإضرار بالبدن ضرراً بالغاً جدياً كجرحه جرحاً عميقاً يشخب دماً دائماً ولا يقبل العلاج.

سلاح ولاية الفقيه!

نعم، هناك سلاح يتسلح به دعاة ولاية الفقيه المطلقة وهو أن (حكم الحاكم الشرعي) نافذ حتى على مقلدي سائر المراجع؟

والإجابة الفقهية التخصصية على ذلك بنقد أدلتهم واحدة واحدة تحتاج إلى دراسة مستوعبة، ولكن ملخص بعض رؤوس النقاط:

أولاً: أدلة ولاية الفقيه هي عامة لكل الفقهاء وليست خاصة بالفقيه الحاكم، مثلاً استندوا إلى (الفقهاء حصون الإسلام) أو (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حُجّتي عليكم وأنا حُجّة الله عليهم) والفقهاء كلهم رواة الحديث وكلهم حصون الإسلام وليس الذي بيده القوة فقط، إلا إذا كانت القوة هي المقياس في الشرعية!

وعلى ذلك فلا يحق لأحدهم أن يستبد بالأمر وأن يصدر أحكاماً كما يشاء على عامة الناس.

ثانياً: إن اختيار الولي الفقيه لو كان فرضاً بعمليات ديمقراطية عبر مجلس الخبراء، وهذا ما تشهد الشواهد بعدم صحته تماماً، فيجب أن يشارك المسلمون (أو الشيعة على الأقل) كافة في كافة أنحاء الأرض في عملية الانتخاب، فإذا لم يشاركوا فولاية هذا الفقيه منحصرة في الشعب (أو شرائح من الناس) الذين انتخبوه، لأن المرجِح لولايته، دون سائر الفقهاء إذا كان هو انتخاب الناس له، فذلك يتحقق فيمن انتخبوه فقط.

وقد يٌعترض بأن الناس في سائر الدول لا يمكنهم المشاركة في عملية الانتخاب، لذا نكتفي بانتخاب شعب إحدى الدول؟

والجواب أولاً: إن الشيعة، كالسنة، في كافة البلاد يثقون بعلمائهم فيمكن إجراء عملية الانتخاب في كافة الدول عبر التماس رأي أكثرية العلماء في كل دولة دولة، أو عبر استنطاق آراء (أهل الحل والعقد من العلماء والمفكرين والشخصيات الاجتماعية) وهذا هو الأرجح الأصح الأسلم.

ثانياً: ما دامت أدلة ولاية الفقيه عامة لأننا في زمن الغيبة الكبرى، وما دام المرجِح لفعلية ولاية هذا الفقيه خاصة هو انتخاب الناس فكلما انتخبه الناس في دولة كان هو الولي لهم أما سائر الناس فالخيار لهم ولا تصح مصادرة حقوقهم لمجرد انتخاب شعب آخر للولي الفقيه.

القواعدة الحقوقية:

ثانيا: (حقوقياً) الأصل هو حرية الإنسان قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) وقال (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

والأصل هو حق الإنسان في التصرف في نفسه وفيما خلقه الله تعالى، إلا ما دل الدليل العقلي او الشرعي على المنع عنه وحرمته، كالانتحار مثلاً.

ولا يجوز لأي أحد أن يسلبه حريته إلا النص الشرعي الواضح، فيمن يؤمنون بالشرع، أو تقنين منتخبي الشعب في انتخابات حرة نزيهة على حسب مصلحة العباد والبلاد.

وعلى ذلك فلا يُصغى لإعلام الحكومات في البلاد الاستبدادية التي تُصور اي امر لا يعجبها وكأنه خطر على المصالح القومية كما لا يُصغى لمجالس الشعب الصورية التي يعلم الناس كافة أنها تُدارمن وراء الكواليس.

قواعد علم الإجتماع

ثالثا: (اجتماعياً ) وسوسيولوجيا الإنسان اجتماعي بطبعه، واجتماعيته تتجلى في إشكال ومظاهر شتى فمثلاً: الاجتماع في المساجد والحسينيات، أو الكنائس والبيع.

ومثلاً: الاجتماع في المسارح، والملاعب، وغيرها.

ومثلاً: الاجتماع لأداء طقوس وشعائر تجدها متجلية بأشكال مختلفة في كافة الملل والنحل.

ومثلاً: الاجتماع في نقابات أو اتحادات أو أحزاب.

وهذه الخصيصة هي خصيصة إنسانية الإنسان، فمن الذي يحق له ان يسلبها منه ؟

قواعد علم النفس

رابعا: (سيكولوجياً) الشعائر تشكل نوعاً من (التعبير التجسيدي) عن الأفكار والمعتقدات، ومن الطبيعي للسلطات الحاكمة التي لا تؤمن بحرية الفكر والمعتقد أن تمنع تجلياتها بشتى أو ببعض صورها.

كما أن الشعائر تشكل نوعاً من (التنفيس) عن الضغوط التي يواجهها الإنسان طوال حياته من الحكومة أو من الأعداء أو المنافسين أو حتى الشركاء.

وهذا التنفيس ضروري لأنه يفرغ الشحنات السالبة في نفس الإنسان فيحول دون انفجارها.

وهذا ما توصل إليه علماء النفس والاجتماع عند دراستهم ظاهرة الانتحار أو العدوان على الآخرين أو غيرها، فإن الضغط الكبير قد يجد له متنفساً بالبكاء أو اللطم أو سائر مظاهر العزاء..

كما أن الطقوس تشكل نوعاً من التضامن الاجتماعي المتبلور والمتجسد، وتوفر الحماية للأفراد وتمنحهم الإحساس بالانتماء، والأمن، والقوة، فيكون المنخرطون فيها أبعد من اليأس والإحباط والعدوانية.

إن من الثابت أن نفوس الناس مختلفة والكثير منهم ذو عواطف جياشة، وآخرون ذووا أنفس عدوانية وآخرون يمتلأون حماسة وطاقة.

ومن الواضح أيضاً أن هناك حالات إحباط كثيرة وغضب متزايد يواجهها المجتمع، خاصة في البلاد المستبدة.

وعلى ذلك، وإلى جوار العمل على إزاحة الاستبداد بالطرق السلمية، يجب إيجاد ملاذات آمنة للناس تقف أمام إنسياقهم وراء انفجارات نفسية أو عملية خطيرة.

الملاذات الآمنة والملاذات الخطرة

والكثير من الناس يجدون ملاذاتهم الآمنة في (المخدرات) وآخرون يجدونها في أنواع شتى من الانحلال الأخلاقي والجنسي الفوضوي (من مشاهدة الأفلام الخليعة، إلى ممارسة الفحشاء والرذيلة وعلى نطاق واسع إلى التحرش الجنسي وغير ذلك).

وفي المقابل يلجأ الكثير من الناس إلى ملاذات آمنة من نوع آخر فبدل أن يتجه إلى المخدرات لينسى همومه أو إلى الجنس لينفس عن عقده النفسية وهي ملاذات شيطانية، يتجه إلى مجالس وطقوس متنوعة تشعره بالسكينة والأمن والطمأنينة، ويشعر فيها بالتضامن والرضا، وذلك يفسر إلى حد ما توجه كثير من الناس في إيران، رغم المنع الحكومي الضاغط، إلى مظاهر جديدة لم يعهدها الشيعة من قبل، من أنواع الطقوس مثل المشي على الأشواك أو التقلب على الزجاج المهشم أو ما أشبه.

إن الحل يكمن في أن تصلح الدولة منهجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والأساس الأعظم أن تكون الاحزاب حرة متنافسة بدون ولاية فوقية، وانتخابات حرة نزيهة بدون سلطة قسرية تقصي من تشاء، وتداول سلمي للسلطة وأن يشمل ذلك حتى مركز السلطة الأساسي وهو القائد أو ولي الفقيه، فهذا هو الحل الأساسي لتأخر البلاد وتحطم الاقتصاد وتفكك المجتمع وازدياد الحقد والعداء بين الدولة والشعب وبين شرائح واسعة من الناس مع شرائح اخرى.

أما منع الناس من تقليد هذا المرجع أو ذاك أو من الانتماء لهذا التيار أو الحزب أو ذاك، أو من ممارسة هذه الشعيرة أو تلك، فإنه لا ينتج إلا دفع الكثير منهم إما إلى الانفجار بوجه الدولة كأعظم ما يكون الانفجار (والتاريخ دائماً يكرر نفسه) أو توجه الكثير منهم إلى الانتحار أو المخدرات أو الجنس الفوضوي أو غير ذلك.

فأيهما أفضل لدى الموازنة، من منظار علم النفس والاجتماع ومن منظار الفطرة والعقل؟

هل الأفضل أن نتركهم أحراراً ليمارسوا طقوسهم كما شاؤوا، ما دام لا عدوان فيه على الآخرين ولا ضرر بالغاً على أنفسهم وأن نفسح لهم المجال لأن يقلدوا من شاؤوا من المراجع وينتموا إلى أي حزب أو نقابة أو اتحاد أرادوا و...، أو الأفضل أن نكبتهم حتى في هذا الحق الإنساني البديهي كي ينفجروا بعنف وقسوة أو ليلجؤوا لأساليب وطرق خطرة تبدأ بالجنس والمخدرات ولا تقف عند حد ؟!

................................
(1) كـ(المشي على الجمر) مواساةً لأطفال الإمام الحسين عليه السلام إذ هربوا على وجوههم حفاة في الصحراء بعد حرق الخيم ـ كما يستدل المؤيدون ـ وكـ(المشي على الأشواك) أو (التقلب على الزجاج المهشم) أو (الزحف على الأرض) كما يفعل الجنود في دوراتهم التدريبية، حتى تدمى الركبتان والكفان مثلاً.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0