وليم اوكام1300-1350 William occam كان أكثر الفلاسفة الانكليز الذين أثّروا في القرن الرابع عشر، ويعتبر اوكام الوريث الشرعي للنزعة العلمية التجريبية التي بدأها روجر بيكون الذي أخذ عنه اوكام مقولته الفلسفية "التجربة هي الاساس المعياري لكل معرفة". معتبرا "مبادئ العلم الطبيعي لا يمكن البرهنة عليها وأثباتها وحسب، وأنما هي أساسية لا يمكن أجتنابها وتعتمد الخبرة. وقضايا العلم الانفرادية التي يعتمدها العلم الطبيعي كقضايا واضحة هي ليست واضحة ذاتيا".

هنا يؤكد اوكام عدم وجود معرفة كليّة نسقية هي مجموع التجارب العلمية الانفرادية التي تبقى بلا وضوح منهجي في تعبثرها اللانسقي، ولا تكتسب تلك التجارب الانفرادية نسقيتها العلمية في الوجود المعرفي الكلي ألا داخل العقل كتجريدات فكرية فقط وليس خارجه كحدوسات وأحساسات واقعية معرفية متفرقة.

يطرح أوكام مسألة بالغة التعقيد مفادها "كل ما يوجد خارج العقل موضوع فردي ومنفرد لا وجود للكلي معه، بمعنى أن معرفتنا العالم الخارجي يجب أن تكون عن طريق الادراك الحدسي. وهذا النوع لا يمكن الاستدلال عليه قياسيا. فالمعرفة الحقيقية يتم التزود بها على اساس هذا الادراك الحسي أي من الخبرة المباشرة." يمكننا القول بضوء عبارات اوكام المار ذكرها أنه:

- يعتبر التجربة العلمية لا تعبّر عن حقيقتها في وضوح ذاتي كاف لها، أي بمعنى التجربة العلمية التي لا تنمّي وتزيد تراكمها بالخبرة المعرفية الدائمة لا تكون دليلا علميا قاطعا في انفرادها الذاتي غير النسقي. معتبرا اكتساب الخبرة المعرفية لا تتم من غير وسيلة الادراك الحسي.

- تعبير أوكام كل ما يوجد خارج العقل فردي ومنفرد ولا وجود للكلي معه، بمعنى كل ما هو انفرادي لا يمثل نسقا كليا لتعامل العقل مع معارفه المكتسبة. العقل رغم طبيعته البيولوجية التكوينية في منظومة الادراك أنه نسق كلي معرفي شامل في معرفته للوجود، الا أن ما هو مكتسب من معارف العالم الخارجي لا يمثل غير ذاته في عدم الوضوح ولا يمثل كليّة العقل العلمية المعرفية النسقية التي تشكل فيها المعارف المنفردة معيارا قياسيا لمنهج العقل المعرفي التجريبي حسب فهمنا لاوكام.

- من الصحيح جدا بضوء فهم اوكام أن كل انجاز فردي علمي لا يمكن تعميمه على نسق علمي كليّاني للعقل. من حيث أن كلية العقل النسقية المعرفية العلمية لا تحددها المنجزات الفردية المتفرقة الانفرادية خارج العقل في عالم الوجود الخارجي. كليّة العقل النسقية العلمية هي تراكم خبرة دائمية من تعاقب معرفي. لكن لا يمكن الوثوق بمعارف اكتسبت تجربتها العلمية أن تكون معرفة كليّة وحتى أن تكون معرفة معيارية للنسق العقلي الكلي الذي يتعامل في بناء كليته النسقية العلمية على معطيات تجريدية هي أفكار لا تتوائم مع تجارب علمية لم يكتسب العقل تراكم خبرة كافية منها.

ايضا هذا الرأي الذي ادرجناه هو بحسب قراءتنا اوكام. رغم أن اوكام يعتبر صلاحية الخبرة الانفرادية المكتسبة لبرهانها العلمي خارج العقل من العالم المدرك المحسوس من الممكن أن تكون دلالة معيارية في البرهنة على قضايا أخرى مطلوب اثباتها. هذا الاستنتاج المعياري التطبيقي صحيح على صعيد معالجة قضايا متفرقة بمنهج علمي، لكنه لا يمثل نهجا نسقيا يمثّل العقل في التفكير والمعالجة التطبيقية.

- يعتبر اوكام في منتهى الارباك الفلسفي التعبيري له في قوله ما معناه العقل ليس كلّية، والكليّة العقلية هي فكر مجرد أي هي موضوع يتم عمله من خلال العقل وليس له وجود فعلي الا في تصورات النفس.

أننا لا نجانب الخطأ في تحفظنا على قول أوكام أن التجريد العقلي هو من تصورات النفس، وأن العقل لا يمثل كليّة معرفية. فتجريد العقل في كليته النسقية التجريدية مع حقائق ومعارف الوجود خارجيا واستبطانيا ليس للنفس الدور الريادي الفصل في هذا التجريد العقلي. فالعقل التجريدي يتقدم النفس وملاحقها المتعالقة بها من عواطف وضمير ووجدان وغير ذلك.

وكما يتم تصنيع أي موضوع تجريدي داخل مصنع الحيوية الدائمية لفعالية العقل التوليدية للأفكار المعبّرة عن الواقع أو عن مواضيع الخيال، كذلك يكون تصنيع العقل للنفس هي من ميزة العقل التوليدية الانشائية لنمط الافكار التجريدية التي تعبر عنه في فهمه الاستيعابي لمجمل تمظهرات الحياة التي يعيشها.

النفس هي أدراك عقلي مصدره التأثر بالعالم الخارجي، وعالم الاحاسيس الجوّانية التي تعتمل داخل جسم الانسان المستمدة من أجهزة وتكوينات بايولوجيا الجسد، من مهامها تشكيلها انبعاث العواطف والوجدانات والضمير ونزعة الحب وغيرها. بمعنى النفس وما يتفرع عنها من عواطف ومشاعر شعورية ولا شعورية يكون مصدرها العقل ولا تولد النفس وتعبيراتها الملحقة بها من فراغ خارج وصاية العقل عليها.

حين نقول العاطفة بكل اشتمالاتها تقاطع العقل صحيح لكن ألا يكون للعقل تداخل من الوصاية العاطفية امر مشكوك التسليم به، اذ يؤكد هذا علم النفس بمختلف تفرعاته الاختصاصية.

اوكام والميتافيزيقا

كما يطرح اوكام مسألة فلسفية هي في غاية الارباك الفلسفي رغم نزعته الفلسفية العلمية في اعتباره (الميتافيزيقا) بمعنى البرهنة على وجود الله هي ليست (علم واقعي) بالمعنى الذي وردنا وورثناه على لسان جميع الفلاسفة الذين سبقوه في تأكيدهم قضايا الميتافيزيقا، والميتافيزيقا هي أوهام ماورائية لمدركات الطبيعة التي تحدها القوانين الثابتة التي ندركها بالتجربة العلمية ولا ندرك ما وراءها من تخيلات وهمية.

ولم يطرح الفلاسفة قبل اوكام الميتافيزيقا علما واقعيا يمكن البرهنة التجريبية عليه كما زعم اوكام امكانية البرهنة لعبارة الميتافيزيقا ليست علما واقعيا في تحليل فلسفي لم يوفق به يدور حول اعتماد مركزية وحدة الوجود الذي لم يكن تبلور في عصره القرن الرابع عشر كمصطلح فلسفي - صوفي كما نجده لاحقا عند فلاسفة ومعتنقي مذهب وحدة الوجود الصوفية وعند اسبينوزا كمصطلح فلسفي لم يذكره اوكام كون يفصله عن القرن السابع عشر ثلاثة قرون كاملة، وفي محصلة بحثه يعود اوكام لتأكيد المقولة التي أراد الالتفاف عليها بمنهج غير واقعي ولم ينجح. من المختصر أن نجد اوكام سعى الى فهم قضايا الميتافيزيقا بأسلوب خلع عليه بصمة العقل الذي لم يستخدمه في فلسفته وهكذا عاد من رحلته خالي الوفاض كما بدأها.

نجد مهما الاشارة الى أن افلوطين كان وضع مبدأ وحدة الوجود في نزعة صوفية ولم يستعمل المصطلح وحدة الوجود ايضا بداية القرن الاول الميلادي ولم تتم بلورة الاتفاق على المصطلح الا في القرن السابع عشر مع فلسفة اسبينوزا بهذا المجال، لعل الصوفية الدينية كما هي عند فلاسفة العرب وغير العرب المسلمين تحديدا وفي البوذية والهندوسية وصولا الى المسيحية كانوا يتعاملون صوفيا بمبدأ وحدة الوجود من غير الاتفاق الصوفي الديني عليه كمصطلح مجمع عليه يغطي مختلف التجارب الصوفية.

أوكام يحاول التمّلص من بديهية تقاطع النزعة العلمية العقلية التجريبية التي يؤمن بها هو مع الميتافيزيقا، في صياغة ابتداعية خاصة به عبّر عنها" الميتافيزيقا في أمكانية أن تكون واقعية علمية باعتبارها أنها لا تأخذ تصور الموجود في حد ذاته، أي الموجود الكلي، مؤكدا عدم وجود فردية خارج العقل، كما وليس هناك حسب تعبيره تمييز بين الوجود والماهية، ولا يوجد سوى تصور واحد مشترك بين الله وموجوداته".

اوكام هنا يراوغ في عدم امتلاكه منهجا واقعيا علميا يجعل من مواضيع الميتافيزيقا علما واقعيا على طريقته الفلسفية الخاصة وليس على طريقة الفلاسفة الذين سبقوه في رأيهم استحالة أن تكون الميتافيزيقا مبحثا علميا واقعيا يمكن البرهنة العقلية على قضاياه منها اثبات وجود الله. ورغم الارباك البادي في تعبيرات اوكام عن الفردية والكلية وعلاقة العقل بهما، وهي تعبيرات لا تحتمل مناقشتها أكثر مما أوردناه سابقا لكنا نؤكد بضوئها ما يلي:

- في تبنّي اوكام عدم التمييز بين الوجود انطولوجيا والماهية كجوهر ، يمكننا تعميم أن جميع موجودات الطبيعة يمكننا ادراك التفريق المجرد بين وجودها الانطولوجي في صفاتها المركة خارجيا فقط وليس في ماهيتها المضمرة غير المؤكدة برهانيا من وجودها وعدمه بوسائلنا الادراكية العقلية المحدودة، وهذه الحقيقة تجعل أنفراد الله الخالق يحتفظ لوحده في تعذر معرفة وجوده ولا صفاته غير التي تخلعها توصيفات الكتب الدينية وتعاليم وطقوس الاديان الوثنية، وليس معرفة ماهيته ولا حتى معرفة تداخلهما الافتراضي في تلازمها معا(الصفات والماهية) كحقيقة مطلقة لا تتقبل المناقشة في محاولتها أثبات وجود الله عقليا.. فقضايا الميتافيزيقا لا يمكن البرهنة عليها بنفس وسيلية البرهنة التجريبية العقلية في أثبات موضوعات الطبيعة والوجود الانطولوجي للاشياء.

اوكام ومذهب وحدة الوجود

اذا نحن أخذنا بمبدأ وحدة الوجود الذي تبلور بوضوح شديد في فلسفتي افلوطين بداية القرن الاول الميلادي واسبينوزا لاحقا في القرن السابع عشر، يعني بعد عصر اوكام بثلاثة قرون، نجد حقيقة استحالة فصل الماهية عن الوجود في الميتافيزيقا تحديدا التي تبدو أكثر وضوحا منها في استحالة عدم فصل الماهية عن الوجود في موجودات الواقع والطبيعة والعالم الخارجي. موجودات الواقع الخارجي يمكننا إدراك صفاتها الخارجية بمعزل عن عدم قدرة إدراك ماهياتها الجوهرية. وهذا على خلاف كبير أننا لا ندرك صفات أي شيء هو من ضمن تعبيرات الميتافيزيقا التي نحن نخلع عليها صفاتها وماهيتها بلغة ما نستعمله في وصفنا الاشياء في وجودها الانطولوجي في حياتنا العادية. قضايا الميتافيزيقا بمقدار ماهي غامضة عصيّة على ادراك العقل، فأننا نعمد خلع توصيفاتنا لها بمفردات لغوية هي مزيج من قاموس الكتب الدينية مع مفردات اللغة الدارجة التي نستعملها في حياتنا.

هذه الحقيقة تؤكد أن كل ما هو ميتافيزيقي لا يدرك عقليا، يكون موزعا ادراكياً بين تداخله بالطبيعة بغّض النظر عن غياب أمكانية تفريق ما هو ماهوي ذاتي جوهري غير مدرك عن ما هو وجود له غير مدرك ايضا. فالخالق في مذهب وحدة الوجود في الصوفية عموما والفلسفة خصوصا هو وجود تتوزعه الطبيعة في موجوداتها وتجلياتها وظواهرها بضمنها وجود الانسان بما هو نزوع ديني ميتافيزيقي. وصفات الاشياء والمخلوقات والموجودات الموزعة في الطبيعة هي دليل قاطع حسب مبدأ وحدة الوجود حضور الله في كل شيء.

- حتى مبدأ مذهب وحدة الوجود في توزيع الصفات الالهية على موجودات الطبيعة حيث يوجد الله في كل شيء يدركه العقل أو لا يدركه. نجد اوكام يتراجع عن هذا الفهم لمعنى وحدة الوجود الصوفية كما جاءت لاحقا في فلسفة اسبينوزا. حين يقول اوكام" لا توجد كلية شمولية خارج العقل بل توجد موجودات فردية خارج العقل"5، سبق لاوكام في أسطر سابقة مررنا عليها أنه قال لا توجد موجودات فردية خارج كلية العقل الداخلية التي هي كلية تقوم على التجريد.

- أن كلية العقل النسقية التي تنتظم موجودات الطبيعة (خارج) العقل، والكلية النسقية على مستوى الافكار فقط حسب تعبير اوكام تكون داخل العقل لا خارجه، هو تلاعب في مقولة راسخة ثابتة تفيد بأن كليّة العقل الجمعية هي تجريد منتظّم من الافكار النسقية العقلية داخل وخارج العقل لا فرق بينهما، ومن الخطأ أن ننسب الكلية خارج العقل، ولا ننسبها بنفس المعيارية القائمة داخل العقل، وكلا الادراكين الداخلي الاستبطاني والخارجي الحسّي هما تجريدان من الافكار الصورية اللغوية التمّثلية لموجودات الواقع الانطولوجي وموضوعات المخيلة ايضا على السواء. وما يدركه العقل خارجيا من الموجودات والمواضيع هو نفس ما يدركه عنها استبطانيا داخليا ولا يمكن التفريق بين الادراكين عقليا. كون ليس هناك من وجود إدراك عقلي لا يكون تجريدا تمثلياً للأشياء وللموضوعات في تجريد لغوي تصوري على حد سواء. بمعنى المدركات الخارجية في عالم الاشياء، ومدركات العقل لموضوعات الاستبطان داخليا لا يتم التعبير عنهما الا بوسبلة واحدة هي تجريد صوري لغوي واحد لا غيره.

- أراد أوكام اعتبار كل المدركات خارج العقل تقود الى (واحد) هو الله خالقها، في تصوره أن كلية العقل الخارجية هي تشتيت لهذه الوحدانية النسقية الميتافيزيقية. وأراد أوكام استبدال أمكانية أثبات وجود الله في نسق من الادراك الكلي الميتافيزيقي الى نسق مغاير هو في وجود توزعات الادراكات الفردية غير الموجودة في الكليّة النسقية خارج العقل بل داخل الادراك العقلي على مستوى تجريد الافكار الاستبطانية.

في حين أن وحدة الوجود الصوفية الفلسفية لدى اسبينوزا تحديدا، هي إدراك حدسي لكليّة العقل الخارجية الموزعة على موجودات الطبيعة الانفرادية وقوانينها الثابتة. هذا الابداع النسقي الاعجازي المنظم في مدركات الطبيعة ندركه بالحدس المعرفي الميتافيزيقي والحسي الانطولوجي في الاشياء، وليس بالبرهان الواقعي العقلي في البحث عن وجود الله كما حاوله اوكام كرغبة لم يستطع تحقيقها.

- يقول اوكام ايضا " اذا كانت توجد معرفة طبيعية بالله، فيجب أن تكون هذه المعرفة مبنية على هذا التصور المشترك بين الله والموجودات، ونظرا لأنه ليس لدينا أي معرفة حدسية عن الله، عليه لا يوجد لدينا أي تصور مجرد ملائم له " 6 في العبارة السابقة اوكام يحدد معنى مفهوم مذهب وحدة الوجود الذي لم يذكره كمصطلح متعارف عليه اليوم صوفيا وفلسفيا، لكنه عبّر عنه بالتصور المشترك بين الله وموجودات الطبيعة ، ولكن هذا التحليل يفقد مبرره كوننا لا نمتلك الحدسية المعرفية على حد زعم اوكام لذا لا يكون هناك لدينا تصورا مجردا ملائما له أي يناسب الله. باعتبار هذا التصور غير حقيقي بل هو من اختراع مخيّلة العقل المحدودة.

السؤال إذا كنا لا نجد الله وجودا حسيّا ولا حدسيا، في موجوداته الطبيعية فكيف يمكننا الأخذ بسلامة استنتاج اوكام بأننا لا نمتلك تصورا مجردا ملائما له؟ أي هو ألغى الفهم الميتافيزيقي السليم في عجز تعبيرنا عن الله الذي لا ندركه لا بالصفات ولا بالماهية ولا بالوجود الحسي في موجوداته انطولوجيا، بنفس الوقت الذي جاهد طويلا في العودة لإثبات ما سبق لغيره قوله الميتافيزيقا هي ليست علما واقعيا. محاولا أثبات ذلك الوجود بمنطق الكلية والانفرادية للعقل في محاولته أثبات وجود الله بغير منطق مذهب وحدة الوجود في اجتهاد فلسفي عقيم لم يثمر عن شيء في عصره.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.
الهوامش:
1. د. امل مبروك، الفلسفة الحديثة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5