بين الفلسفتين البنيوية والتفكيكية كما عند فلاسفة عديدين خلاف حول اسبقية تراتيبية الكلام الشفاهي على أختراع الكتابة وبالعكس، أذ تذهب البنيوية كما هو معلوم الى تغليب أبتداع الانسان كلام المشافهة التخاطبي قبل توصله أختراع الكتابة الصوتية الابجدية، وهو أستقراء طبيعي تعتمده معظم نظريات تأصيل نشأة الكتابة في مجاراة هذا المنحى الذي ترجع أصوله التاريخية أعتماد اركيولوجيا التاريخ القديم وتنقيبات اثنولوجيا (لا تاريخ) ألاقوام البدائية كما دعى شتراوس له بدايات القرن العشرين.

الا أن جاك دريدا أراد قلب هذه النظرية التراتيبية التحقيبية التاريخية بين الكلام الشفاهي اللغوي والكتابة الابجدية في تغليبه أولوية وأسبقية الكتابة على التخاطب الشفهي كما في أدبيات الفلسفة التفكيكية. ولم يوضح دريدا أي نوع من الكتابة يقصد أسبقيتها على الكلام الشفهي، وما جدوى هذا التعسف المفتعل حول قضية لا مجال التحقق من صدقيتها وسط عالمنا اليوم الذي يمور بصخب قضايا الانسان المصيرية التي يهدد بعضها البشرية بالانقراض. علما أن دريدا لا يقصد بالكتابة المدونة الابجدية للافكار وأنما هي الكتابة (الام) التي لم تعد موجودة وأنما يتوجب علينا أبتداعها.

دريدا واختلاف النشأة

يذهب دريدا في كتابه (في علم الكتابة) الصادر عام 1967م رفضه النظرية البنيوية التي ترجّح أسبقية الكلام على الكتابة قوله (أن اشتقاق الكتابة المزعوم من الشفاهة مهما كان حقيقيا، ومهما كان عظيما، لم يكن ممكنا الا بشرط واحد هو أن اللغة الاصلية الطبيعية لم توجد بتاتا، أو لم تمسها الكتابة ولم تلمسها وأنها كانت كتابة في حد ذاتها، وهي الكتابة الام التي نريد أن نبين ضرورتها ونحدد مفهومها)1.

دريدا رغم قناعته الضمنية الاقرار غير المعلن حقيقة أنه لا يمكن الحديث عن الكتابة بمعزل عن مرجعية أسبقية الكلام عليها، يحاول القفز من فوق حقيقة تلازم الكلام الشفوي التخاطبي مع الكتابة بدءا من النقوش على جدران الكهوف التي لم تكن عند تلك الاقوام البدائية تعتمد الصوت الدلالي للرمز المرسوم كما لا تعتمد نوعا من الابجدية ولا حتى المقطعية المقترنة بدلالة صوتية لغوية لها بل تعتمد الشيئية لما يحيط به من اشياء. تلك قضية مفروغ منها في علوم اللسانيات والانثروبولوجيا أن تلك الرسومات الكهفية لم تكن كتابة لغوية بل علامات مرسومة للتعبيرعن الحيوان وأدوات الصيد المصنوعة من الحجارة.

دريدا بعباراته المقنّعة في ترجيحه أن الكتابة التي أطلق عليها اللغة الام ولم يستطع تعريف ماهي؟ ومم تتكون؟، وكيف انبثقت؟ وما هو أصل نشاتها؟، وكيف الوصول لها لدراستها، وما هي الحقبة التاريخية التي ظهرت بها تحديدا؟ وأين ظهرت؟ وهل هي لغة ماض أم لغة مستقبل يريد أبتداعها دريدا؟ وغير ذلك من اسئلة صادرها دريدا في بحثه الافتراضي عن لغة أصلية (أم) لم تلمسها الكتابة ولا تمت الكتابة بقرابة لها بحسب تعبيره. وهذه اللغة الاصلية في منظوره لم توجد بتاتا، فلا نعرف بأي نوع من الكتابة الميتافيزيقية ألّف دريدا كتبه مطبوعة؟ وهل من المتاح أمامنا فصل لغة الكتابة عن لغة الافكار ولغة الكلام الشفهي؟ وما هي ابجدية تلك الكتابة وكيف نعتمدها وما هي مقوماتها النحوية لنعرفها.

دريدا من خلال قراءتنا عبارته السابقة يقصد باللغة الام التي تسبق لغتي الكلام والكتابة المعروفتين هما غيراللغة (الام) الذي يقصده بالمعنى الميتافيزيقي للمصطلح في البحث عن كيفية برهنة وجود لغة ليست تاريخية بالمعنى الدقيق في التعبير عن التحقيب الزمني الانثروبولوجي، ولم يعلن دريدا عنها صراحة فعلا بل تلميحا تنظيريا فلسفيا مجردا. كيف نبحث مع دعوة دريدا عن اللغة الام التي نريد بيان ضرورتها ونحدد مفهومها وهي لم تكن موجودة بتاتا على حد تعبيره؟ وهي أي الكتابة الام لا تمت بأدنى صلة لانثروبولوجيا نشأة اللغة.

مفهوم دريدا لغة الكتابة يسوّقه بتغافله عن لغة الكلام التي لم تولد جاهزة حسب تأكيد علماء اللغة من فلاسفة البنيوية ومن فلاسفة غير بنيويين وعلماء اللغة فقد مرت لغة المشافهة الصوتية بمراحل تاريخية طويلة من التطور الصوتي الذي لم يكن ظهر فيه أي نوع من لغة الكتابة التصويرية سابقة على لغة الصوت الابجدية الذي جاءت متأخرة من تاريخ الانسان في المراحل الحجرية وما تلاها.

ولم تتحول هذه اللغة الصوتية الشفاهية الى نوع من كتابة صورية غير أبجدية الا مع بداية بلوغ الانسان العصر الزراعي بما يتميز به من الاستقرار القبائلي البسيط قرب الانهر والمياه وتدجين الحيوانات والرعي وأدخار الغذاء وتخزين الحبوب والمحاصيل الزراعية وقد كان تحقيب هذه الفترة التاريخية حسب علماء الانثروبولوجيا هو في 7500 عاما قبل الميلاد ولم تكن الكتابة معروفة في ذلك الوقت حيث كانت اللغة التخاطبية لغة حوار شفاهي بسيط جدا تساعدها حركات اليدين وترافقها أشارات بعض أجزاء من الجسم وكذلك تعابير الوجه والتي بقيت موجودة طيلة تلك الاحقاب التاريخية حتى وصلتنا في مرحلة تاريخية متأخرة حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد، وهذه اللغات التصويرية المكتوبة في ابجدية صوتية بسيطة، وعنما نقول عنها كتابة غير أبجدية نعني أن تلك اللغات آنذاك كانت رسومات تعبيرية مقطعية وليست حروفا منطوقة ولا مقاطع يقترن الصوت فيها الدال لكل حرف أو علامة أو رمز كما نجده في اللغات المكتوبة واللهجات الشفاهية اليوم.

مرحلة العصر الزراعي لم تتطور الى معرفة الكتابة الا بعد مرور فترة تاريخية طويلة في بروز أقدم كتابة عرفها الجنس البشري هي اللغة المسمارية في بلاد الرافدين ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد في تزامن تاريخي متقارب لا يتعدى القرن في ظهور الكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية وظهور انواع من الكتابة في الهند والصين وغيرهما من بلدان العالم في تلك الاحقاب التاريخية والعصور المتقاربة، والى وقت متأخر ظهرت الكتابات باللغات اللاتينية في اليونان واللغات السامية والارامية في الجزيرة العربية واليمن، والسريانية في العراق وبلاد الشام وجميعها تعتمد رسم الحرف تلازمه الدلالة الصوتية له.

والمرحلة التاريخية الممتدة بدءا من العصر الزراعي المتقدم قبل الاقطاع ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد الى سبعمائة سنة قبل الميلاد كانت هذه الفترة التاريخية هي ميلاد الحضارة الانسانية الاولى التي رافقتها الكتابة والتدوين وبروز الاديان الوثنية والكهانة، وبدايات السحر والشعوذة والخرافات في العبادات الطوطمية وصولا الى تعدد الالهة في حضارة اليونان التي أنجبت الاساطير والميثالوجيا وفي بلاد الرافدين أنجبت وثنية تعدد الالهة اسطورة كلكامش وغيرها من اساطير.

كل هذا التطور التاريخي الموثق رغم تعاقب اكتشافات جديدة أهملها دريدا معتبرا أن الكتابة قفزة في مستقبل نوع مجهول من كتابة بلا هوية نسعى خلقها لم تمسّها الكتابة، هي متحقق معطى جاهز دفعة واحدة ولم تمر الكتابة المستقبلية الميتافيزيقية التي يطلق عليها دريدا اللغة الام حالها حال اللغة الشفاهية بمراحل تطورية يتلازم فيها كلام المشافهة مع الكتابة التدوينية. وهذه الكتابة الام هو ما يرغب دريدا ايجادها بالفلسفة التجريدية التي لم تمسّها الكتابة من غير سند تاريخي موثق يجعل من تصورات دريدا الفلسفية الميتافيزيقية واقعا يفرض أهميته في ابتداعه لغة جديدة بلا مقومات ساندة توثيقية تعتمدها.

دريدا ومصطلح الكتابة الام

دريدا أبتدع مصطلح الكتابة الام في اسبقيتها على لغة الكلام المنطوقة وكل شكل من اشكال الكتابة القديمة والمعاصرة أعتسافا دونما يقصد بالمعنى اولا ما نعنيه عادة بهذا المصطلح الذي هل هو تدوين كل كلام شفاهي وكل فكرصامت بحروف ومقاطع وكلمات مكتوبة؟، ويقصد باللغة الكتابة ثانيا ظاهرة غامضة لا وجود حقيقي لها تقع علينا مهمة استحضارها هي (الكتابة الام) ويجري تفريق هاتين الفرضيتين كالتالي حسب فلسفة دريدا:

1. تندرج الكتابة الام في طبيعة اللغة حتى قبل أن تتحقق في لغة المشافهة.هذا رأي دريدا بمعنى هي اللغة التي سبقت تاريخ الكتابة، وتمثل مستقبلها الذي نسعى حضوره في ميتافيزيقا لغوية لا نمتلك ملامحها ولا نشاتها ولا ماهي؟.

2. في مجال اللغة تلتصق الميتافيزيقا بمركزية اللغة،2 وهذا الحكم المسبق يقضي أسبقية الكلام على الكتابة، ويؤكد صوتية الكتابة على رسم الحرف بدلالة صوتيته. وهو رأي أجماع علماء اللغة واللسانيات ما عدا دريدا.

على خلفية هذا التفريق (الدريدي) يجب علينا مناقشة ما تعنيه الكتابة في معناها التاريخي كخاصية اخترعها الانسان منذ احقاب طويلة ومارسها في حياته. حيث يتأكد معنا أن الكتابة هي لغة صوتية شفاهية أكتسبت صفة الفكر المدّون بالكلمات، بمعنى لا يمكننا تصور لغة صوتية صورية نتعامل معها كلاما لا يستتبعها بالضرورة المتعالقة بها تدوينيا كتابيا في امكانية تحويل الصوت اللساني للمتكلم الى رمز كتابي دال على معنى ما يقصده ويقوله. وهذا يقودنا استنتاج أن المشافهة التخاطبية أو الكلام هي بالاصل لغة كتابة لم تكتسب التدوين الابجدي الحروفي لها لكنها تفتقد التأصيل الموجودي كلغة مكتوبة.

وكل صوت لغوي لم يكتسب التدوين كتابة فهو بحكم العدم والزوال لا يمكننا تاكيده ولا يمكننا أسترجاعه لا من الماضي ولا في حاضره. والكتابة الام لدى دريدا بمعنى المصطلح الميتافيزيقي أنها لغة كلام شفهي غير مدون كمصطلح كتابة حسب دريدا وهي ليست لغة اصوات مجردة عن تعالقها مع الكتابة أو يمكننا فهمها بمعزل عن امكانية ترجمتها الى رموز وعلامات كتابية دالة. اللغة الشفاهية في تداخلها المتأخر مع الكتابة التدوينية لا تولد برغبة يتفق عليها شخص أو بضعة اشخاص ويتم أستيلادها أختراعا من فراغ تاريخي لا وجود طبيعي انساني لها.

والنزوع اللاارادي نحو مركزية اللغة اليوم يقضي أسبقية الكلام على الكتابة من حيث اللغة أصبحت اليوم، كتابة مركبة من تعبير شفاهي مع تدوين كتابي، أي اللغة في حياتنا أصبحت اليوم علامات ورموز واشارات ودلالات تعبيرية متلازمة مع أمكانية ترجمة الصوت الذي تحمله الى دلالة تدوينية ابجدية ترسمها الكتابة، وأصبح علينا من الصعب فهم تجريد اللغة عن الدلالة الصوتية الشفاهية أو المكتوبة في التعبير وفهمنا الواقع من حولنا، فاللغة بلا تجريد صوتي ملازم للكتابة لا يمكنه التعبير عن دلالة قصدية مفهومة تواصليا.

وعندما نقول اليوم لغة فأنما المقصود بها أنها لغة كلام وكتابة معا في تداخل عضوي لا يمكننا أفتكاكه وفصله واقعيا...بما ينهي مباراة مناظرات الاجتهادات الفلسفية حول الاسبقية بين الكلام والكتابة أذ لم يعد هذا التفريق يخدم قضايا اللغة والفلسفة بشيء جديد يستحق الاهتمام به في عصرنا الحالي حتى على مستوى مناقشته فلسفيا تجريدا.

دريدا ومصطلح المركزية اللغوية

في فرضية لمصطلح ابتدعه دريدا أيضا في التفكيكية أطلق عليه المركزية اللغوية في الغرب وأرتأى تقسيمه الى تعريفين متوازيين بمعنى انعدام أمكانية التوفيق في التقائهما علما أن التعريفين هما متلازمين ومتداخلين في معنى واحد وهما:

1. تقضي المركزية اللغوية الاعتقاد أن الكتابة ثانوية بالنسبة للكلام الشفاهي الذي تكون الكتابة تمثيلا له.3 وهذا رأي فلاسفة البنيوية وعلماء اللسانيات الذي ليس بحاجة لتاكيده من ناحية أسبقية تاريخية وليس من ناحية الاهمية المعرفية، أذ بالتاكيد حينها تكون غلبة الكتابة المعرفية على الكلام أكثر جدوى مقبولية ولكن ليس بالمعنى الذي أورده دريدا في مساواته بين ميكانيكية نقل الكلام الشفاهي كتابة التي هي ذاتها ميكانيكية آلية نقل الفكر كتابة، فالكلام العادي لا يوازي دلالة الفكر في المعادلة المعرفية وهذا لا يمنع آلية ترجمتهما الاثنين الفكر والكلام بعملية الكتابة في آلية لا نمتلك غيرها.

2. تعتقد المركزية اللغوية حسب دريدا أن الكتابة هي مجرد نسخ للكلام الشفاهي بمعنى هي صورة لا تضيف شيئا الى القدرات المعرفية.4 وهذا الرأي لدريدا الفلسفي الذي سنناقشه أيضا.

علينا هنا التفريق بين الكتابة التي هي ليست كما يذهب دريدا عملية وآلية نسخ الكلام الشفاهي فقط دونما أضافة معرفية من الكتابة على ماهو شفاهي، فالكتابة تفكير لغوي قبل أن يكون ترجمة كتابية حرفية سواء أكان كلاما شفاهيا أو كتابة أبجدية مقروءة. الكتابة تفكير تجريدي مدوّن وليست رسما علاماتيا شكليا ميكانيكيا عابرا لكلام تخاطبي.

أن الانسان كائن مفكر وكائن ناطق لغويا، والحقيقة أن الذي يغّير مسار الانسانية أنما هو الفكر المدوّن حسب تعبير بوشنسكي. بمعنى أن الفكر الذي يسبق تعبير اللغة هو الذي يحدد أمكانية الاضافة المعرفية التي نكتسبها بالكتابة التدوينية للفكر وليس تدوينية النسخ في كتابة الكلام الشفاهي ميكانيكيا. أن التاكيد هنا على فاعلية الفكر كمضمون عقلي تخليقي هو الذي يقوم بتغيير القدرات المعرفية وليست اللغة كشكل تأطيري تعبيري لمضمون التفكير العقلي،فالفكر مضمون عقلي واللغة تأطير شكلي له.

والفكر نظرية متأملة، والموجودات وقائع تحملها الصدف الادراكية بها أوالوعي القصدي لمعرفتها. عليه نؤكد أن ترجمة نقل الكلام كتابة ليس هو نفسه ترجمة نقل الفكر كتابة ليس من الناحية الالية في الترجمة النقلية بل من ناحية التفريق بينهما بالترجمة المعرفية في الدلالة...فالكلام سواء أكان شفاهيا أو مكتوبا فهو لا يحمل قيمة معرفية كما يحملها الفكر المكتوب.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما للوجود الخارجي، وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول (ان فعل المعرفة لا يقوم في عملية ادراك الموضوع، بل في فعل خلق الموضوع، وأن الوجود لا يوجد في ذاته، انما الفكر هو الذي ينشؤه).

ببساطة متناهية الفكر التجريدي لا ينشيء وجودا ماديا من فراغ وجودي سابق عليه، بل من موجود او موضوع مدرك له سابق عليه، لكنه (الفكر) يضطلع بمهمة تغيير وتبديل الاشياء والموجودات كمواضيع يدركها العقل ويعمل على تخليقها في جدلية من الصيرورة الدائمة غير المنتهية بين الموجودات ولغة الفكر المعبّر عنها. نخلص من هذا أن الفكر لا يمثل الكلام الشفاهي رغم أن التعبيرين هما لغة واحدة من حيث المصدر لكنهما مختلفين في المعنى المضموني أحدهما عن الاخر، ولا يعني هذا أن الكلام لا يحمل تفكيرا مسبقا قبل تعبير اللغة عنه أو ترجمته ونقله كتابة.

في هامش ص 138 من مصدر هذه المقالة كتاب (فلسفة اللغة) وقعت على هذه العبارة في معرض محاججة دريدا حول أسبقية الكلام على الكتابة لمؤلفي الكتاب (عندما نمّثل آلية أنتاج الكلام نمثل شيئا مختلفا عن مجرد نقل ترجمة الحركة الصوتية، أي الكلام الحي الذي تهدف الكتابة نقله وحده فقط). ص 38.

نرى أن الكلام والكتابة هما ناتج عملية ادراكية واحدة، فالفكر في الكلام الشفاهي لا يختلف عن الفكر الصامت المتأمل من حيث آلية ترجمتهما في الكتابة في نقل التفكيرين الى تصويرات وتصورات أبجدية، لكن يبقى السؤال عالقا هل آلية انتاجية الكلام لسانيا هي نفسها آلية آنتاج الفكر الصامت عقليا الذي هو تخليق ذهني ناضج وليس كلاما سطحيا عابرا؟، في حين الكلام الشفاهي تلعب به تعابير اللغة الارتجالية أكثر من تركيز الذهن المفكر الذي يكتب كتابة. عليه لا تكون ترجمة الكلام الشفاهي كتابة هي ذاتها نقل كتابة الافكارالصامتة.

علما أن الفعاليتين مصدرهما الذهن واستيعابهما في الترجمة النقلية هما كتابة واحدة من حيث الشكل لكنهما في الجوهر المضموني مختلفين ولا يمكن مساواة الكلام مع الفكر معرفيا وكلاهما تعبير لغوي لكنه مختلف فمثلا هل يمكننا كتابة كلام شفهي تحاوري بنفس أهمية كتابة محاضرة بالتاريخ أو الفلسفة؟ وكلاهما قبل الكتابة كانا كلاما شفهيا مسموعا. لكن في الكلام تكون الغلبة للسان اللغوي الناطق قبل التفكير العقلي اللغوي الناضج بالكتابة. الكتابة ليست عملية ميكانيكية من حيث آلية تحويل الفكر اللغوي الصامت هي نفسها الية تحويل الكلام المنطوق وأن اللسان الناطق شفاهيا يكون مختلفا في تعبير الفكر في كتابة اللغة الشفاهية والصامتة بلغة واحدة لا تختلف في ترجمة الكلام الناطق عن ترجمة الفكر الصامت كتابة. لكن تبقى حقيقة أن الفكر ليس هو الكلام الشفاهي حقيقة لا يمكن القفز من فوقها.

الكلام الشفهي لا يحتاج لغة تعبير مضمونها فكري صامت، بل يحتاج لغة تعبير ارتجالية تحاورية زائلة سواء ترجمت كتابة أم لم تترجم، عكس الفكر الذهني التخليقي فهو معرفة لغوية ثابتة باقية تحمل المطاولة والامتداد بخلاف مشافهة الكلام.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.
..........................................................................................................
الهامش: فلسفة اللغة /سيلفان اورو، جاك ويشان، جمال كولوغلي / ت بسام بركة صفحات 113، 138،132، 136.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12