قليلة تلك النوافذ الجيدة التي يمكن أن نطلع من خلالها على العالم، بما ينطوي عليه من كائنات وغرائب وظواهر لا تعد ولا تحصى، والقراءة هي النافذة الأوسع والأفضل لفهم ما يدور حولنا في العالم وفي الكون كله، بالاضافة الى إمكانية تعضيد افكارنا ومعرفتنا بالجديد دائما، فالانسان وهو يتبوّأ الصدارة في قيادة نفسه والعالم أجمع، يحتاج على مدار الساعة منذ ولادته للمعرفة بكل فروعها واشكالها، وهذا الاحتياج الضخم والمهم والمعقد في الوقت نفسه، لا يمكن تحقيقه إلا عبر القراءة، إذ حتى وسائل التوصيل الاخرى، كالصورة والصوت وما شابه، لا تمتلك قوة نقل الافكار بمختلف مضامينها، مثلما تقدمه القراءة من مزايا للانسان.

لذلك لوحظ منذ الأزمنة الغابرة، أن الانسان يمكن أن يُصاب بحالة الادمان على القراءة، وهو ادمان من النوع الصحي، خاصة اذا كانت ذائقة القارئ موفقة، وقادرة على التفريق بين الغث والسمين من الكتب والمؤلَّفات الاخرى، فالقراءة كما يصنّفها أهل العلم، والآخرون من المعنيين بمثابة الغذاء الروحي للانسان، وهي وسيلة فعالة لتنمية القدرات العقلية والمهارات، لهذا ينصح احد الكتاب المعروفين القراء قائلا (إقرأ كتاباً جيداً ثلاث مرات أنفع لك من أن تقرأ ثلاث كتب جيدة)، من هذه الجملة الواضحة نستطيع أن نستشف القيمة الكبيرة للقراءة، خاصة أن الجميع يدعو الى مضاعفة الفعل القرائي، وجميع العلماء والمختصون يؤكدون على أداة واحدة، قادرة على تطوير الافراد والمجتمعات بصورة فعالة، ألا وهي القراءة.

من هنا لابد أن نعترف بفضل القراءة على البشرية عبر رحلتها الطويلة، فمنذ ان تم اكتشاف الرموز اللغوية، ودخول العالم عصر الكتابة والقراءة، تغير وجه العالم، وتغير تفكير الانسان، واستطاع أن يحسّن حياته، وينتقل من مرحلة التشابه مع الكائنات الاخرى، الى مرحلة قيادتها والتسيّد عليها، فالقراءة أتاحت له استثمار عقله وذكائه في صنع الافكار وتنميتها وتناقلها، لتسهم في صناعة ثورات المعرفة البشرية، ولتنقل العالم من سكونيته وثباته وروتينية العيش، الى ما سميّ (بحقبة الانفجار المعرفي) التي أسهمت القراءة بصناعتها، فضلا عن الرموز اللغوية التي غيرت وجه العالم، فقد سئل ارسطو مرة هذا السؤال: كيف تحكم على إنسان ما؟ فأجاب: أسأله كم كتابا يقرأ وماذا يقرأ؟.

وهذا دليل قاطع على فاعلية القراءة، فهي وسيلة متنوعة الاستخدام، ولها اهميتها في جميع المجالات المعرفية، بل هي الوسيط الوحيد القادر على نقل الافكار بمختلف توجهاتها بسرعة ووضوح وتأثير كبير، فضلا عن كونها الوسيط الأفضل والأسرع في تناقل الافكار وتحويلها من صيغتها المجردة الى حيّز التطبيق العملي، ويكفي قول المختصين اللغويين بأن الكتابة هي الأداة التي يمكنها رسم الافكار والنوايا عبر حروف وكلمات تعجز عنها جميع وسائل تبادل المعلومات الاخرى، لذلك نلاحظ أن القارئ النهم يتميز على غيره بمزايا كثيرة وكبيرة، أهمها أنه يصبح انسانا معرفيا، يسهم في تطوير ذاته وعقليته وافكاره على مدار الساعة، وينطبق هذا بالضبط على المجتمعات، فالمجتمع القارئ، والميّال نحو فعل القراءة، يتقدم المجتمعات الاخرى دائما، في طراز الحياة وطرائق العيش وما شابه، لذلك يقول العلماء المختصون، أن تطور المجتمعات والافراد مشروط بفعل القراءة، فكلما كان هناك إقبال فردي وجمعي على القراءة، كلما كان الافراد والمجتمعات اكثر وعيا وارتقاءً.

ويحيلنا هذا القول نحو أغراض القراءة وما يمكن أن ينتج عنها في الحيّز المعرفي، فقد شخّص أحد المختصين بالفعل القرائي بعض اغراضها، مؤكدا على أنها تساعدنا في التدريب على السرعة والانتقال وفهم المقروء والوقوف عند تمام المعنى، كما انها تسهم في تنمية الثروة اللغوية وزيادة حصيلة الفرد من مفردات اللغة وأساليبها، وتعمل على تكوين اتجاهات مفيدة نحو الميل إلى القراءة والإقبال عليها وحب الكتابة وملازمة الكتاب واقتنائه، وتدفعنا القراءة الى فهم المقروء والتعبير عنه، وهناك أغراض أخرى للقراءة منها، القراءة لمعرفة رأي ما، وقراءة التثقيف الذاتي والجمعي والاستزادة، وكذلك قراءة الاستعداد والتهيؤ لبرنامج أو مقابلة جمهور، وثمة قراءة لمعرفة وسائل حل المشكلات، وهناك قراءة جمع البراهين والحقائق لموضوع ما، ويرى المختصون اللغويون أن هناك مستويات متعدد للقراءة، فأحد مستوياتها يتمثل بما يسمى بـ ( قراءة السطور) وهناك مستوى (قراءة مابين السطور)، وأخيرا مستوى (قراءة ما وراء السطور)، وقد وضع اللغويون تسميات مختلفة للقراءة منها، القراءة الحرفية والتفسيرية والإبداعية واخيرا القراءة الناقدة.

ولذلك كان ولا يزال وسيبقى دور القراءة حجر الزاوية في التطور المجتمعي، علما أن أثر القراءة لا يتعلق بميزة نقل واكتساب الافكار العلمية المجردة من الأحاسيس والمشاعر، أي نقل الافكار العلمية فحسب، وانما كان للكلمات قصب السبق في إيقاد وقدح شرارة أعظم الثورات في التاريخ، من خليل تطوير العقل وتعضيد المعرفة وترسيخها للفرد والمجتمع، لتدخل البشرية فيما أطلق عليه بحقبة الانفجار المعرفي، وهو العصر الذي أعقب اكتشاف القراءة وانتشار المطبوع الورقي بمختلف اشكاله وتأثيراته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1