بعض الأطراف من بينها دول إقليمية وأخرى بعيدة، لا يروق لها أن ترى العراق قويّا قادرا على إدارة شؤونه بقرار داخلي مستقل، بل هناك قوى دولية تعلن أنها مع العراق، في حين تعمل في الخفاء على إضعافه، وتضع عراقيل كثيرة بينه وبين الاستقرار والتقدم، وفي الغالب تسعى لإضعاف قراره السياسي، وهو أمر بالغ السوء بطبيعة الحال.

وما يثير الدهشة ويحزّ في النفس أن هناك من المحسوبين على القوى العراقية يؤيدون مثل هذه التوجهات ويساعدون على تنفيذها ويسهمون بتخطيط وإصرار مسبق الى إحباط الشعب وتهشيم إرادة صنع القرار المستقلة، وثمة مشكلة في هذا الإطار يشترك في صنعها وتأجيجها العاملون في الميدان السياسي بالعراق ، إذ ما أن تلوح في الأفق السياسي بوادر انفراج بين أطراف العملية السياسية من أحزاب وكتل وشخصيات، حتى تظهر أزمة هنا أو هناك لتزيد الشعب إحباطا وامتعاضا من الصراعات التي باتت تشكل إشارات مزعجة لاسيما أن العراقيين يحققون تقدما في مجالات عديدة وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب وطرد داعش من العراق.

لقد اعتاد الشعب العراقي على سياسة تدمير الإرادة المستقلة، وعلى الرغم من أننا لا نستطيع إنكار هذه الظاهرة في العمل السياسي الداخلي، إلا أننا ينبغي أن نستسلم لمثل هذه السياسات، ولا يصح أن نوافق على التضليل الذي يقوم به البعض فيعلن شيئا ويبطن سواه، فالمشكلة التي يواجهها العراقي في المجال السياسي والإداري على الصعيد الداخلي، أن جميع الساسة يتحدثون عن شراكة وطنية، والجميع يقولون بضرورة أن يشترك الكل في عملية صناعة القرار، والكل أيضا يرفضون عزل الآخر، أو الاستئثار بالسلطة وما شابه، لكن ما يراه الشعب غير هذه الأقوال، أي أن الكلام شيء وما تفرزه الوقائع الملحوظة شيئا آخر، حيث تبدو الخلافات ظاهرة للعيان وبعضها يحمل تناقضات حادة في المبادئ والأفكار والسلوك الفعلي أيضا، حيث تتطور هذه الخلافات بين الفرقاء السياسيين لتنعكس بصورة حادة على الواقع الاجتماعي.

وقد لوحظ على مدى السنوات التي تحركت فيها القوى السياسية في العراق، أنها تتشبث بموقف من لا يسمح بالتصحيح وفض القبول بتحمل المسؤولية، فالجميع يقولون أنهم لم يرتكبوا أي خطا، وفي الوقت نفسه يرمون مسؤولية الأخطاء على غيرهم من الساسة او المرافقين لهم في العمل السياسي، حيث يصيب مثل هذا السلوك إرادة الشعب في الصميم، فالمشكلة الواضحة هنا أن الجميع لا يريد أن يتحمل أخطائه ومسؤولياته.

دور الإعلام في تأجيج التناقضات

بهذا المعنى فإن لغة الاعتراف بالخطأ غائبة تماما، كما أن لغة الحوار تكاد تفتقد لأهم عنصر داعم لها ألا وهو الثقة المتبادلة بين المتحاورين، حتى يبدو أن الجميع لا يريد أن يثق بالجميع، وهذه ظاهرة لا يمكن أن تسمح بوحدة النسيج السياسي او المجتمعي فضلا عن إلحاقها الضرر في كيفية صنع القرار المستقل بعيدا عن التدخلات الخارجية عبرا أذرعها في الداخل.

ثمة مشكلات جديدة حدثت في ظل الحرية النسبية الممنوحة للإعلام، حيث بدأت بعض وسائل الإعلام تغذي الخلافات وتسهم (ربما بلا قصد مسبق) في إضعاف الإرادة السياسية المستقلة، وهذا كما يتفق المتابعون، يمثل هدفا للطامعين بثروات العراقيين من خلال إضعاف قدراتهم على إدارة شؤونهم السياسية والاقتصادية وسواها.

في أوقات وفصول معروفة، كل المؤمّل أن تعي الكتل والأحزاب والشخصيات السياسية تلك الأخطار الجسيمة التي تحيق بالقرار العراقي المستقل، نعم كان العراقيون يأملون من قادتهم أن يتوحدوا وأن ينصهر العراقيون بأقلياتهم وأعراقهم ومذاهبهم وتنوعهم في بوتقة وطنية واحدة تحمي حقوق الجميع، وتحمي النظام التعددي، وتنبذ المركزية، وتعاضد حماية الحريات والحقوق.

ولكن لا تزال هنالك بعض الخروق التي ينبغي رصدها ومعالجتها، يحدث ذلك من لدن بعض أقطاب العملية السياسية، حيث تظهر بعض الخلافات فيما بينها، في حين يتابع الشعب ذلك بنوع من اليأس والامتعاض مما يجري، ويبدو أن هؤلاء الساسة لا يمكنهم تقدير ردود الفعل المنعكسة من خلافاتهم على الشعب، لهذا نلاحظ حضورهم الإعلامي المكثف في الفضائيات والصحف والإذاعات لتبرير مواقفهم والدفاع عنها استنادا من مبدأ تخطئة الآخر وليس قبوله او التحاور معه على أساس حضور الثقة المتبادلة، وإذا كانت مثل هذه الأجواء مقبولة ومتوقعة في أوائل سنوات التغيير السياسي والاقتصادي وسواهما، فإن ما يحدث الآن من صراعات ومشاحنات بين السياسيين، لاسيما في هذه المرحلة الحساسة لم يعد مقبولا أو مناسبا.

إن طبيعة المرحلة الراهنة تحمل معها ملامح تفوق عراقي ملحوظ، خاصة في معارك الشعب وقواته القتالية المتنوعة وتلك الانتصارات الكبيرة التي يسطرها المقاتلون البواسل في ساحات التحرير، وهذا يعطي زخما قويا لوحدة العراق وقوة النظام السياسي التعددي، بعد أن كان الشعب محبطا، وهذا القول لا يعود لأحد أبناء الشعب بل لنواب البرلمان، والسبب هو فشل السياسيين في طريقة إدارة الحوار بينهم، وعدم تقديمهم النموذج الجيد للعلاقة السليمة بين جميع الأطراف الناشطة في الميدان السياسي.

نهاية الصراع بين السياسيين

مما لا جدل حوله أن الشعب يتابع ما يجري بينهم وأن الخلافات مهما كان نوعها فإنها ستنعكس على الشعب سلبا، بسبب فشل بعض القنوات الإعلامية والوسائل الأخرى في كيفية التعامل مع الأحداث الجديدة التي ينبغي أن تكون قائمة على دعم الأوضاع الجديدة في الساحة الداخلية لاسيما في مجال التطورات العسكرية الكبيرة التي تصب في صالح استقلال القرار السياسي العراقي وتوحيد الشعب بمكوناته وتنوعه المجتمعي.

يقول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في احد المؤتمرات الإعلامية التي عقدها إن بعض الأطراف لا يروق لها الانتصارات التي حققتها القوات العراقية بتشكيلاتها كافة، وقال نصا أن بعض هؤلاء ينظر الى النصر العراقي كزلزال، وهذا يعني بطبيعة الحال، أن ثمة قوى إقليمية تنظر بعين الريبة والخشية من هذه الانتصارات، لأنها حتما سوف تنعكس على قوة القرار السياسي المستقل للحكومة العراقية، وهو أمر يضعف قدرة هؤلاء على نهب خيرات العراق وتحكمهم به، وهذا ما لا يصب في تحقيق أطماعهم.

لذلك ينبغي أن يتنبّه السياسة العراقيون الى أهمية وحدة القرار السياسية وقوته واستقلاله، من هنا لابد أن تنتهي مهزلة التضاد الذي يأخذ شكل الصراع بين من يشترك اليوم في العملية السياسية بمحض إرادته، ومطلوب أن تسود لغة الحوار الموثوق، ومطلوب أن يحترم الساسة مشاعر الشعب العراقي وتطلعاته أيضا، لاسيما عندما يظهرون في شاشات التلفاز إذ ينبغي أن تكون تصريحاتهم متوائمة مع البطولات الكبيرة التي يظهرها المقاتلون العراقيون الأشاوس في سوح القتال.

السؤال الذي تفرزه الوقائع الحاصلة، هو مدى قدرة الساسة العراقيين على مؤازرة ما يتحقق من نجاحات في صعد كثيرة تمضي بالعراق قُدُما نحو الاستقلال والقوة، علما أن ما يحدث يغيض كثيرين، ويهدد مصالحهم، لكنه في المقابل يصب في صالح الدولة العراقية القوية، ويقوي من إرادة الشعب، ويسهم بصورة أو أخرى في دفع الساسة الى التوحد في صناعة القرار الذي يصب في صالح العراق الواحد اللامركزي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0