لم تتبلور بعد ظروف القفزة النوعية للعراقيين باتجاه العالم المتقدم والانضمام له بجدارة، ثمة أسباب كثيرة وكبيرة تعيق هذا الاستحقاق الذي ينبغي أن تتصدى له الأنظمة التي تُنسب نفسها الى الديمقراطية، تلك الأسباب والعوامل والظروف هي السبيل الوحيد لتحقيق القفزة النوعية والانتقال من مربع التخلف الى فضاء التقدم.

من بين تلك الأسباب والعوامل، توافر القاعدة الثقافية القادرة على صنع رجل الدولة، وتحييد دولة الرجل، حيث تنطوي شخصية القائد على مواصفات وملكات حددها العلماء المعنيون في بحوثهم ودراساتهم، منها على سبيل المثال، الحكمة المقرونة بالحزم، والتوازن، والانبساط، والقدرة على التعامل بحنكة مع الأزمات، وقوة الشخصية، والثقة المطلقة بالنفس، والصبر، والابتعاد عن العزلة، ومشاركة الجماهير في همومهم وتطلعاتهم، وبعد النظر، والحس الإنساني والابتعاد عن المصالح الفردية والعائلية والحزبية.

وقد أثبت العلم أن الحاضنة الحرة التي تتمتع بفضاء ديمقراطي واضح، هي الأكثر من سواها قدرة على صناعة رجل الدولة الديمقراطي، لذلك فإن معظم الزعماء والقادة السياسيين المتميزين في التاريخ هم نتاج العائلات الديمقراطية، فالمحيط العائلي الذي يسمح بتداول الأفكار ومناقشتها وتعدد الآراء والابتعاد عن تكريس السلطة في فرد واحد والاندماج تحت مظلة الفكر والرأي الأحادي، كلها عوامل مساعدة على صناعة دولة الرجل.

وهنا سوف تنمو النزعة الدكتاتورية، وسوف لا يساعد هذا الأسلوب التربوي على صناعة شخصيات قيادية ديمقراطية، تتعامل مع إدارة الأحداث والآراء وفق نظرة بعيدة وسعة أفق في التعاطي مع شؤون الدولة أو المؤسسة التي يقودها، ومثل هذه الشخصيات غالبا ما تكون نتاج حاضنة عائلية ديمقراطية ترفض الهيمنة والتسلط وتقبل تعدد الآراء.

في بيئة تربوية كهذه يخرج قادة أقوياء يحبذون تعدد الآراء ويمقتون الأحادية، فتنمو في ظل قيادتهم التعددية بسبب تطور هذه الشخصيات القيادية التي ستصبح مؤهَّلة لقيادة الآخرين بسبب المنهج التربوي غير المتزمت، في المقابل لا يمكن للعائلات ذات السلطة الأبوية الصارمة والكابحة للآراء والمواهب أن تساعد على ظهور الأفراد القياديين، مضافا الى تدخّل الجينات الوراثية في صناعة القائد، إذن هناك عوامل موروثة وأخرى مكتسبة تؤهل الأفراد لكي يكونوا قادة، فيما يُحرم آخرون من التصدي لمهمة قيادة الآخرين، بسبب البيئة السلطوية التي تسود المحيط العائلي، فتنتج عنها شخصيات ضعيفة عاجزة عن التعامل مع الرأي الآخر، وغالبا ما تتسم بالتعصب والتهرب من المسؤولية.

الخبرات وصياغة الشخصية القيادية

في مثل الظروف المعقدة التي يعيشها العراق والعراقيون، لا يصح أن يعمل في السياسة كل من هبّ ودب، قد يكون ممكنا أن يتدرب العاملون في السياسة على العمل السياسي ولكن لا يمكن منحهم مناصب الصدارة في إدارة الدولة، إن عامل الخبرة يتدخل بقوة في صقل موهبة القيادة لدى الأشخاص، بمعنى أن القائد مضافا الى توافر العوامل الداعمة بشقيها المكتسب والموروث، هناك عامل مهم آخر هو مدى قدرة القائد على الاستفادة من التجارب والدروس والأزمات التي يمر بها هو شخصيا، أو غيره من القادة، ثم يحاول أن يتأملها ويدرسها بتركيز عال، لكي يطور من خلالها حنكته القيادية مع مرور الوقت، ونستطيع أن نعثر على أمثلة على ذلك في تجارب الدول الأخرى، فعلى سبيل المثال، أن رئيس أقوى دولة بالعالم أمريكا، انتخبت رئيسا لا خبرة له في عالم السياسة لأنه لم يعمل في هذا الميدان.

ولكن هذه الدولة محكومة بدستور ديمقراطي ذي قواعد صارمة لا تقبل الخطأ، لذلك لا خوف عليها، أما دولة مثل العراق مع ضعف القانون والتجاوز المحتمل على الدستور تكون الحاجة الى رجل الدولة مسألة لا يمكن إهمالها، فصناعة القرار تحتاج الى خبرة كبيرة، وإذا كان النظام الديمقراطي لا يعتمد القرارات الفردية، فإن مجموع المشتركين في صياغة القرار لابد أن يتحلوا بمواصفات القيادة الجيدة، صحيح أن نظام المؤسسات الدستورية يمنع تركيز السلطة في شخص واحد، لكن هذا لا يعني تسلل الضعف في اتخاذ القرارات الى نفوس الأشخاص القياديين، فضلا عن افتقارهم للخبرات، لذلك يحتاج العراقيون والدولة العراقية الى رجل دولة ذي خبرات واسعة في دهاليز السياسة، فضلا عن إمكانية التعامل مع الأزمات والمواقف الإقليمية والداخلية التي تحيط بالعراق كدولة تكافح من أجل تثبيت النظام التعددي.

يظهر العامل التربوي قويا في شخصية القائد، لاسيما في حالة تصدّر سدة الحكم والوصول الى السلطة بعناية، فإذا ما تطلب ظرف سياسي معين أن يُتَّخذ قرار صائب وسريع ينبغي أن لا تكون الديمقراطية عائقا لمثل هذا الإجراء القيادي الهام، ولابد أن تظهر هنا الملكات القيادية للقائد الأعلى حتى لو كان تحركه وقراراته محكومة بالدستور وسقف الصلاحيات الممنوحة له، فهناك دائما هامش لموهبة القيادة والحنكة والخبرة القيادية، تتيح للقائد أن يتخذ القرار المطلوب، وبهذا سوف يظهر جليا دور الحاضنة التربوية والبيئة التي عاش فيها رجل الدولة، لأنها سوف تنعكس على حكمته أو تهوره في صناعة القرار السياسي، لاسيما اذا كانت مؤسسات الدولة الدستورية في طور النمو والتكوين، لهذا لا يمكن أن تتخلى الدول عن شرط قوة الشخصية القيادة مع رجاحة العقل والسلوك المستند الى الخبرات التراكمية.

رجل الدولة والحنكة القيادية

قد يكون عنصر التوازن هو السمة الأساسية التي تتحلى بها الشخصية الديمقراطية، وقد لاحظنا في التاريخ أن الحكام الطغاة الدكتاتوريين، غالبا ما تنقصهم سمة التوازن والحكمة، ويغلب عليهم طابع العجرفة والتعالي والغرور، وتذهب بهم حالة التضخم الذاتي الى حتوفهم، ولكن يحدث ذلك مع إلحاق الخسائر الفادحة بشعوبهم.

توجد أمثلة كثيرة عن مثل هؤلاء القادة الفاشلين في إدارة الدولة، في حين توجد شخصيات قيادية تتسم بالتوازن والقوة في الوقت نفسه، هؤلاء هم الذين تربّوا في حواضن اجتماعية عائلية ديمقراطية وليست سلطوية، في العراق ظهرت شخصيات قيادية قادت البلاد الى الخراب وهم قادة الانقلابات العسكرية والعهود الجمهورية، في التجربة الجديدة ظهرت شخصيات ديمقراطية ضعيفة، وأخرى ذات نزعة دكتاتورية جلب للبلد خسائر وتبعات سلبية كبيرة.

حاجة العراق اليوم لرجل الدولة تكاد تكون عنصرا حاسما في نقله من دولة الرجل الى رجل الدولة وقائدها الى بر الأمان في ظل الضوابط الدستورية، ومع احترام هذه الضوابط والالتزام بها لكن هذا الأمر لا يعني أن تكون الشخصية القيادية الديمقراطية ضعيفة او مترددة او غير قادرة على اتخاذ القرار المهم والصائب في الوقت المناسب، فالشخصية التي يتميز بها رجل الدولة متوازنة حكيمة منضبطة قوية واعية مصانة من مرض التضخم الذاتي واللهاث وراء المجد الفردي.

هل يمكن للعراق أن يحصل على قائد من هذا النوع، لاسيما في ظل المؤشرات الجيدة التي يفرزها الواقع الراهن، فالعراق كدولة ذات مقومات جيدة أخذت تمضي الى الأمام حتى لو كان ذلك يحدث ببطء، ولكن تشيرا الوقائع السياسية في معظمها الى أن رجل الدولة يتبلور بهدوء، ويسعى لتحقيق ما عجز عن تحقيقه جميع القادة في التاريخ السياسي الحديث للعراق، هذا الكلام يطرح رأيا وتساؤلا واضحا، هل العراق يسير حاليا باتجاه الدولة الموحّدة المتوازنة القوية في ظل رجل الدولة المتوازن؟، سؤال سوف تجيب عنه السنوات القليلة القادمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2