مفردة "الأخ" لها رنين في السمع ورفيف في النفوس والقلوب، لما تستدعي من مشاعر القربى والمودة والمحبة، ثم تحولت الى مدعاة للتعصّب العائلي والقبلي، فجاء الاسلام على يد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، وأخرج هذه المفردة من إطارها الضيق الى رحاب القيمة الحضارية، لذا كان التآخي بين المهاجرين والانصار في مقدمة الاعمال التي بادر اليها النبي في المدينة المنورة لتشكيل المجتمع الاسلامي الاول وتثبيت ركائز الدولة الاسلامية، فبات الأسود أخ للأبيض، والسيد أخ للعبد، والعربي أخ لغير العربي.

ومن أبرز انعكاسات هذا التطور الاجتماعي على واقع المسلمين في المدينة آنذاك، معالجة مسألة الفقر والبطالة، لان لم يبق هنالك شخص دون عمل او محتاج الى المال، بفضل توفر فرص العمل للجميع، فالسوق في عهد النبي الأكرم، كان متاحاً للجميع بأن يتاجروا ويعملوا وفق الضوابط والاحكام، يكفي أن يكون مسلماً، فانه يمارس أعماله التجارية في ظل نظام يعطي كل ذي حق حقه، ولا يسمح بأي نوع من التجاوز والانتهاك او الطغيان، وهذا ما فتح الباب على مصراعيه لتفجر الطاقات والمواهب الذهنية التي أسدّت الى الاسلام الخدمات العظيمة، وكانت البداية من سلمان المحمدي الذي كان وراء فكرة حفر الخندق حول معسكر المسلمين، هي مستوحاة من علوم الحرب لدى الفرس، لضمان الجبهة الخلفية، ثم استمر المسلمون يرفلون وينعمون بنعمة الأخوة الاسلامية في عهود متعاقبة، فظهر العلماء والفقهاء في هذا البلد وذاك، ومعظمهم من غير العرب.

والى فترة عقود من الزمن، نسمع – وما نزال- بوجود أنظمة سياسية ترفع شعار الاسلام وتطبيق "الشريعة الاسلامية" بيد أن تصطدم دائماً بالحقيقة المرّة التي أوجدتها هي بنفسها، عندما أزالت من قاموسها السياسي والاجتماعي مفردة "الأخوة" سواءً في إطار الاسلام أو حتى في إطار البلد بحدوده الجغرافية المصطنعة، واستبدلته بمفردة "المواطن"، فأصبح المواطن في اندونيسيا لا علاقة له بالمواطن في العراق، وهذا المواطن لا علاقة له بالمواطن في افغانستان او باكستان أو أي بلد اسلامي آخر، وإن كانت ثمة مواهب او كفاءات، فهي خاصة بذلك البلد وضمن حدوده الجغرافية، وإن ظهرت ستكون ضمن نطاق محدود وبتأثير محدود ايضاً.

ولم يتوقف الامر الى هذا الحد من الضيق في مفهوم الأخوة، بل تعداه الى داخل حدود البلد ، ليكون هذا "المواطن" غريباً عن أخيه المواطن الآخر، بسبب التمايز الطبقي او تفشّي المحسوبية والفساد الاداري، وهنا حلّت الطامّة الكبرى بمعظم البلاد الاسلامية – إن لم نقل جميعها- عندما ضاعت الكفاءات والطاقات العلمية، يكفي أن يفقد طالب في المدرس او الجامعة، مراقي الزلفى الى هذا المدير أو ذاك المسؤول، حتى يشعر بتفاهة نفسه والطاقات التي لا جدوى منها.

ولنا ان نتساءل عن الاسباب المؤدية الى هذا المآل، ومن يقف وراءها؟

سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- طالما أكد على قيمة الأخوة ودورها الأساس في تقدم الامة والشعوب الاسلامية في كل مكان، مستشهداً بالتجربة الاسلامية الاولى في عهد النبي الاكرم بالمدينة المنورة، ففي كتابه "عالم الغد"، يعد سماحته الاخوة؛ من الأسس الخمسة التي انطلقت منها الحضارة الاسلامية، الى جانب وجود الدولة، والامة، والشريعة، والحرية.

وطالما دعا الى تطبيق هذا المبدأ على الواقع العملي بإزالة الفوارق بين المسلمين بغية استخراج الكفاءات المدفونة في الادمغة والحؤول دون قتلها بقرارات جائرة وسياسات بعيدة كل البعد عن المنطق والعقل.

يكفي أن نأتي بمثال واحد من واقعنا "اللاإسلامي"! الذي كبّد المسلمين خسائر فادحة، ليست في الاموال وإنما في خطوات بعيدة في مسار التنمية الاقتصادية والتقدم في المجالات كافة، بسبب الاحتكام الى معايير عنصرية وقومية وطائفية، دفعت بالبلاد الاسلامية الى مجاهيل التخلف والتبعية في الاصعدة كافة، فقد حصل أن أقدم "رجل مسلم" من إحدى البلدان، على الزواج من "امرأة مسلمة" من بلد آخر يحظر الزواج من رعايا البلدان الاخرى، فانتهى به المطاف في المحكمة أمام القاضي ليحاكم على انتهاك القانون، وصادف أن كان الى جانب هذا القاضي نسخة من المصحف الشريف، فقال له الرجل، إن القرآن الكريم الذي الى جنبك ينفي العنصرية والقومية، ويفضّل معيار التقوى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فجاء الجواب صادماً: "القانون أولاً، ثم القرآن ثانياً"!

والمثير حقاً؛ أنه رغم التخلف المشهود في اقتصاديات البلاد الاسلامية، واتضاح الخطأ التاريخي القاتل في انتهاج تلكم المعايير، فان معظم بلادنا ما تزال متشبثة بعنصريتها، ومتبجحة بقوميتها، على أن التفوق العلمي والقدرة على الانتاج والابداع كون صاحبه يعود الى هذه القومية او تلك، وإن حصل أن حاول شخص العمل بما لديه من كفاءات علمية في بلد آخر من غير قوميته، فانه يواجه صعوبات جمّة وضغوطات من الدوائر الحكومية المختصة.

وهذا بحد ذاته يستوقف المتابع وأي شخص يشعر بالمسؤولية على المستقبل الاقتصادي والسياسي لبلده، إذ من المفترض ان يعاد النظر في كل تلكم المناهج والسياسيات البالية واستبدالها بالمنهج الذي خطّه النبي الاكرم في الواقع الاجتماعي للأمة منذ اربعة عشر قرناً.

وقد كتب سماحة الامام الشيرازي كتاباً في سني الستينات تحت عنوان "القوميات في خمسين عاماً"، وتضمن مناقشات صريحة مع دعاة القومية في العراق، وكانوا يتعكزون على "الوحدة العربية" على أنها البديل عن الوحدة الاسلامية، فقال سماحته لمحدثه بأن وحدة العرب لم تكن عامل قوة للمسلمين فقط، إنما كانت عامل هدم، لأمور ثلاثة ذكرها ومنها؛ تحطيم الكفاءات "إذ انت ترجح قومك وإن لم يكن كفئاَ على غير قومك وإن كان كفئاً".

ومن أكثر الفقرات طرافة في إجابات الداعية الى القومية العربية، أنه أجاب على كلام الامام الشيرازي بأن المبدأ الاسلامي مطابق للمنطق والعقل، عندما يحكم على الافراد بمعيار الكفاءة وليس الانتماء القومي والعرقي، بأن "إذا فتحنا أبواب العراق لكل المسلمين، صارت نفوسها مائة مليون، ولم يبق للعربي العراقي حتى رغيف الخبز"!! فكان جواب السيد الشيرازي بنفس الخطاب المنطقي والعلمي: "بالعكس؛ إذا فتحنا أبواب العراق بوجه كل مسلم، كان العراق، كأمريكا ـ ولا مناقشة في المثال ـ تجتمع فيه الكفاءات مما يوجب تقديم البلاد إلى الأمام".

ونخرج بنتيجة مما مرّ؛ بأن الحديث عن الاهتمام بالكفاءات والقدرات العلمية، لن يكون ذو فائدة حقيقية في حاضر ومستقبل بلادنا، ومنها؛ العراق، ما لم تتحطم جميع القيود المقيدة للعقول والادمغة لاسيما ما يتعلق بالشباب، ومن ثم تصحيح الخطأ القاتل والقديم، بأن "كلما أبقينا على شبابنا وكفاءاتنا ضمن رقعتنا الجغرافية كان أضمن للمصلحة الوطنية...."! بينما واقع الحال أمامنا يؤكد نقيض هذا التصور، حيث التقييد وخنق الكفاءات أدى الى اقتحام الحدود والهروب براً او بحراً او جواً الى البلاد البعيدة التي تفتح ابوابها ليثبت الشاب او صاحب الاختصاص، جدارته العلمية هناك، حتى وإن كان بعيداً عن اخوانه وأبناء بلده.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2