المظلومية من ظاهرها تستدعي صور الاستضعاف والقهر لطرف يستنفذ قواه فيستقوي عليه طرف آخر فيظلمه في حقوق مختلفة وبوسائل متعددة، ربما أبرزها إزهاق النفس البشرية، ثم الاستيلاء على المال والممتلكات وغير ذلك.

وعندما نتصفح تجارب الأمم والشعوب نجد أنهم خاضوا تجربة الظلم وكانوا مظلومين، وبقساوة أفظع مما يعيشه الشيعة اليوم، مثل مظلومية بني اسرائيل على يد فرعون مصر، او مظلومية المجتمع الاسلامي الصغير مطلع فجر الاسلام، بيد ان هذه المظلومية لم تلتصق بالاستضعاف على طول الخط، إنما تقدمت خطوة الى الامام نحو المواجهة الشجاعة ثم إحراز النصر على الظالمين، والقرآن الكريم يحفل بأمثلة عديدة لأمم ظُلمت ثم انتصرت بحكم عوامل معينة وانتقلت من حالة الضعف الى حالة القوة والسيادة، ولعل المثال الأبرز؛ بني اسرائيل وما كان يفعل بهم فرعون من الفظائع، ثم تحولوا الى مرتبة أن يخاطبهم الرب – تعالى- في "سورة البقرة" بأن {...فضلتكم على العالمين}.

والمثال الأبرز من تاريخنا؛ كربلاء الحسين، عليه السلام، فالمظلومية التي استشهد بها الامام الحسين، تحولت الى نار مستعرة في نفوس الاجيال تشعل الثورات والانتفاضات بوجه الظلم والطغيان والانحراف، وهذا ما لاحظناه في التاريخ القديم والحديث ايضاً، حتى أضحى اسم الامام، في أي مكان، يثير ردود فعل مختلفة، سواءً في أوساط الناس والجماهير أو في الاوساط الحاكمة.

وإذن؛ فان المظلومية، كحالة انسانية ومآل، ليس الجدار الاخير الذي يقف عنده المظلوم، ليتحول من مظلوم الى انسان ضعيف او مُستضعف بدعوى المقولة الشائعة: "حكم القوي على الضعيف"، لأن التجارب الانسانية والسنن الإلهية في الحياة أكدت أن ليس بالضرورة إحراز القوي الانتصار الحقيقي والدائم على المظلوم الذي يحمل قضية عادلة وينطلق في مطالبته بحقوقه من قاعدة الحق، ولا يختلف اثنان على أن الحق قوة، كما سائر القيم والمبادئ الايجابية، فحتى الديكتاتور والطاغية يدّعي احياناً أنه على حق، ويمارس العدل والانصاف ويتسربل بعض القيم المحببة الى النفوس، بيد أن القضية تختلف عندما تكون هذه القيم والمبادئ في أناس يؤمنون بالله –تعالى- ايماناً مطلقاً، وأنه {إليه ترجع الامور}، حتى وإن خسر الحق والحقوق لفترة من الفترات، فهذا الايمان يمكن ان يحوله يوماً ما، الى رمز بطولي يغير مجرى التاريخ ويصنع احداثاً جسام، من خلالها يشهد جيل من الاجيال الرخاء والنعيم والاستقرار، وأقرب مثال على ذلك؛ العراق، هذا البلد الذي يرى فيه البعض رمزاً للنكد والضيم، بسبب ما تحتوشه من أزمات ومشاكل، فانه تمكن من أن يربط بين معادلة الحق ومعادلة الايمان، فالاولى ترتبط بالانسان والارض، والثانية ترتبط بالسماء والقدرات الخارقة اللامحدودة، لذا حقق ما عجزت عنه دول وشعوب، وإن كانت ثمة كدمات وضربات، فانها – كما يلاحظها المنصف والموضوعي- لا تعدو كونها محاولات فرض أمر واقع ليس إلا.

واذا حصل هذا في العراق، الذي لم يصدق أحد ان الشعب فيه، قادر يوماً على صنع يومه وغده قبل فتوى الجهاد والانقلاب على داعش، فانه يمكن ان يحصل ايضاً في بلاد اخرى في العالم يعيش الشيعة فيها حالة المظلومية لاسباب متعددة، بشرط أن يكونوا هم من يصنعوا واقعهم من الألف الى الياء دون تدخلات خارجية، واذا كان لابد لتحشيد الرأي العام وتعريف العالم بحقائق الامور، فان مهمة المؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية يكون في إيصال صوت المظلومية الشيعية الى جميع شعوب العالم ليعرف الجميع من هو الظالم ومن هو المظلوم، أما أن ينتظر هذا المظلوم النصرة والتضامن من الغير، فانه لن يحصل سوى على المزيد من التدني في الاستضعاف والهوان، والأخطر من كل ذلك، ضياع الحق والحقيقة، وهو جوهر القضية التي من أجلها يتعرض الشيعة للظلم.

وإذن؛ ما ننتظره من العالم ليس فقط إدانة الجماعات الارهابية على ما تقوم به من مجازر بحق الشيعة هنا وهناك، إنما معرفة حقيقة الاسباب التي من أجلها يندلع نار الحقد في نفوس أعداء الشيعة، سواءً على شكل جماعات ارهابية وتكفيرية او على شكل حكومات وأنظمة سياسية، وهنا تحديداً تكمن نقطة القوة القاهرة لدى الشيعة التي ينبغي الالتفات اليها بشدة، لذا نجد علماؤنا ومفكرينا يؤكدون مراراً على هذه المسألة ويدعون الى تسليط الضوء عليها من خلال الاعلام والنشر والتثقيف والتوعية على صعيد الداخل والخارج، ومن أبرز هؤلاء، المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق ا لشيرازي، الذي خاطب ذات مرة، جمعاً من الخطباء خلال موسم للتبليغ، مذكراً إياهم بأن "الشيعة اليوم قطب قويّ من أقطاب القوى بالعالم، بل إنهم الأقوى من حيث الكيفية على وجه المعمورة، وعليهم أن يكونوا الاقوى بالفعل ايضاً، واذا فعّل الشيعة قوتهم، سينعم العالم كله بالحياة، وينجو من المظالم المدمرة".

فاذا كانت القيم والمبادئ التي يحملها الشيعة من شأنها إنقاذ العالم مما يعيشه من مظالم الفقر والأوبئة والطبقية والاستعباد، فان الاولى أن تحقق ذلك لها، وهم اليوم في وضع أفضل بكثير مما كانوا عليه في العقود الماضية، بفضل التطورات الحاصلة على الصعد السياسية والاقتصادية، فهنالك المؤسسات الفاعلة والحضور السياسي المؤثر والصوت الاعلامي المسموع في العالم، كل هذا وغيره، يجعل الشيعة في غنىً عن أي مساعدة خارجية تحمل قضيتهم للتسويق والترويج، لان مظلوميتهم بحد ذاتها، تشكل عامل قوة معنوية هائلة تخترق النفوس والوجدان العالمي وتحقق لهم ما يريدون.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0