شاع مصطلح "التطرف" في السنوات الاخيرة عندما أضيف اليه "الديني"، ليكون علامة شاخصة لأي سلوك او نمط تفكير آحادي في قضية من أهم وأخطر القضايا في الحياة؛ وهي الدين، ويترك اسقاطاته على الحياة الاجتماعية ومنها السياسية ثم الامنية وحتى الاقتصادية، بمعنى أن المشكلة تبدأ من افراد داخل المجتمع ينتمون الى هوية دينية، تمثل طائفة او تيار فكري يحاطي طائفة معينة، وإلا لو اخذنا المصطلح من الناحية اللغوية، وجدنا أنه لم يكن أقل تسبباً في المشاكل في عقود خلت من القرن العشرين، عندما في لباس السياسة، وفي سلوك الاحزاب السياسية المتصارعة على الحكم حتى آخر قطرة دم لدى أنصارها وايضاً لدى عموم الشعب، وكذا الحال في الاقتصاد، وتطرفه البشع نحو الرأسمالية في بعض الدول ونحو الاشتراكية في دول اخرى، ونرى كيف أن الشعوب دفعت – وماتزال- اثماناً باهظة بلقمة عيشها واستقرارها وكرامتها بسبب هذا التطرف الشديد.

وفي بلادنا الاسلامية، لم تكن البداية في التطرف الديني الذي يكثر الحديث عنه في الاوساط الاعلامية والسياسية عبر العالم، إنما المشكلة أوسع من هذا بكثير يعود الى عملية التفكير بالاساس، فقلما يتحدثون عن السبب، بينما يكثر الحديث عن النتيجة، لان التطرف الفكري هو الذي جعل المجتمعات تبتلى بالتطرف الديني وتتحمل تبعاته و اسقاطاته في جوانب عديدة من الحياة.

وفيما نشهد مآلات هذا التطرف في دمويته وتخريبه وتدميره المادي والمعنوي، نجد نأي الاحزاب السياسية والجهات الحاكمة بنفسها عن حالة التشظي الاجتماعي ومخاطر التفكك التي واجهتها الأسر والعوائل في غير بلد بسبب شيوع حالة التمرّد لدى ابنائها وتخلّيهم عن الرباط العائلي وتفضيل الرباط الفكري عليه. علماً أن الايديولوجيا والسياسة لم تكن يوماً بريئة ابداً من تنمية مشاعر التمرّد لدى الشباب على وجه الخصوص لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية في معترك النفوذ والهيمنة.

وهذا يبرر لنا الجزم بعدم أهلية أطراف متورطة في تنمية مشاعر التطرف والتلاعب بالأدمغة والتضليل، في معالجة هذه الظاهرة وإيجاد الحلول الناجعة، ومن ايجاد البديل الصحيح بالتفكير المعتدل والعقلائي، لذا فان على المجتمع بنفسه، ان يأخذ بزمام المبادرة لخدمة نفسه بنفسه، من خلال خطوات عدّة تتخذ داخل حريم الأسرة؛ بين الأبوين او الأخ الكبير وهكذا؛ الأقرب فالأقرب.

احترام المشاعر

يتفق معظم الخبراء في علم النفس وقضايا المجتمع، بأن التنافر السائد بين افراد الأسرة، وتحديداً بين الشاب او الشابّة، وبين الابوين، هما المؤديان الى التسلل خارج محيط الأسرة بحثاً عن أجواء التوافق بما يوفر لدى الشاب الراحة النفسية والاطمئنان الى ما يفكر به، بغضّ النظر عن صحة او سقم ما يذهب اليه، وهذا ما توفره جماعات ومؤسسات معينة، توهم الشاب بأن شخصيته وكرامته إنما تتحقق في هذا التجمع او ذاك.

وكما هي الظواهر اللااخلاقية التي تشكو منها بعض المجتمعات والبلاد بسبب ظهور شريحة من الشباب المتشظي من أسر قاصرة ثقافياً وتربوياً، فان ظواهر التطرّف الفكري – هي الاخرى- تعبر عن ذات الحالة غير الطبيعية في الأسرة، حيث الجفاء والإلغاء يعجّ بين افراد الأسرة، ويكون من الصعب على الشاب او الشابة التعبير عن مشاعرهم وآرائهم في زمن يموج بالافكار والمعلومات السريعة عبر العالم بالصوت والصورة، بل إن مجرد الاصطدام بكتاب ما في البيت، او باتصال معين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بما يسمى بـ "القروبات"، او حتى بحديث معين، بحد ذاته كافياً لاتخاذ قرار صعب وغير سليم بالبحث عن مكان آخر أكثر هدوءاً وراحة، وهذا لايتم دائماً بشكل مسموع، إنما يكون على الأغلب خلف جدار الصمت، وهو الاكثر خطورة.

نعم؛ ترد الكثير من الملاحظات الصحيحة على ما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي وايضاً القنوات الفضائية والكتب وسائر وسائل التثقيف، ولكن؛ في نفس الوقت يجب ان نتذكر أن ما هو خاطئ لدينا، صحيح لدى الشاب او الشابة، بحكم التنوع في الاستيعات والفهم والادراك، لنأخذ الطفل وتفاعله العميق مع مشاهد افلام الكارتون، حتى يكاد تجسيد ابطال القصة واحداثها داخل غرفته الصغيرة بحركاتها واصواته...! فهل يدفع هذا الابوين الى محو القنوات الخاصة بالاطفال؟

إن محاكاة فهم ومشاعر الشباب ليس بالأمر الهيّن، فهو يحتاج الى مستوى من الثقافة والمعرفة والاخلاق لاستقطاب الشباب، وتطمينهم بأن مشاعرهم و افكارهم محل عناية واحترام وتفهّم، ومن مصلحة الجميع التبادل الفكري والثقافي في أجواء ودّية يسودها الاحترام المتبادل.

وخير تجربة تفيدنا في هذا المجال، ما نُقل عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أنه كان شديد الحرص على اختيار الكلمات الاكثر تناسباً مع افراد المجتمع، فلم يكن يختار – في كثير من الاحيان- الاسلوب المباشر في الارشاد لعلمه المسبق بتنفر النفس منه، وفي كتابه "المرأة والعائلة" يستقي سماحة آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي –قدس سره- هذه التجربة من مسألة شرعية واردة في كتاب "من لا يحضره الفقيه" للشيخ الصدوق، في باب؛ ما يُصلى فيه وما لا يُصلى فيه، ويتحدث السيد المرجع الشيرازي عن الخطاب الاجتماعي للنبي، بأنه "كان يعبّر عن حرمة عمل ما بـ "إني أكره هذا...".

هذا النوع من الاعراب عن مشاعر معينة من قبل الابوين أو كبار الأسرة، قطعاً يستتبع السؤال عن السبب من قبل الشباب وحتى الصغار في السنّ، وهو ما يفتح باب الحوار الهادئ والمنطقي بالدليل والبرهان، وربما خلال دقائق معدودة، يكون بالامكان تصحيح مسار تفكير معين او التخلّي عن فكرة ما وهكذا.

ثقافة القرآن الكريم

يمثل الخطاب القرآني نموذجاً متكاملاً للحوار الناجح بين افراد المجتمع لاعتماده العقل في طرح المسائل العقائدية وما يتعلق بالخالق والوجود، لان أعزّ ما عند الانسان هو عقله الذي يميّز له بين الخطأ والصواب وبين الخير والشر، ولذا نقرأ في غير سورة الاشارة الى العقل والتذكير والتفكير بصيغ مختلفة، مثال ذلك ما جاء في "سورة البقرة" في سياق الاجابة غير العقلانية للرافضين الرسالات الإلهية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}، والآية الأخرى في "سورة يونس" عن ابتعاد الأمم عن السبيل المؤدي الى معرفة الخالق: {...أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟! وبذا نجد أن سبل المعرفة القرآنية تعتمد الاقناع بالدليل والبرهان، واذا ما فشل الانسان من الوصول الى هذه المعرفة والحقائق القرآنية، فانه لن يكون متطرفاً يدّعي صحّة ما يقول، إنما يكون كافراً وجاحداً وايضاً السبب في شقائه واندثاره كما يتحدث القرآن الكريم عن الأقوام التي تنكّرت لخطاب العقل وركبت رأسها واستجابت لأهوائها ومصالحها الآنية فكان مصيرها الى زوال.

ان المشكلة التي تعاني منها المجتمعات والشعوب في الوقت الحاضر، تدخّل السياسة والامن وحتى الاقتصاد لمعالجة ظاهرة ليست من اختصاصها، وربما يكون التجنيد الواسع لمواطنين من اوربا و اميركا في صفوف تنظيم "داعش" خير دليل على أن المشكلة ليست اقتصادية ولا سياسية، إنما هي اجتماعية – أسرية بامتياز، فالنجاح الذي حققه هذا التنظيم الارهابي في عقر دار الغرب، إنما جاء من خلال فشل الأسرة في الغرب من الحؤول دون تسرّب ابنائها الى مهاوي التطرف والارهاب ، ومن ثم الانتقام من المجتمع ومن الانسانية جمعاء.

وهنا يقفز التساؤل عن حجم اهتمام الأسر في البلاد الاسلامية بالثقافة القرآنية، وليس بالقرآن الكريم تلاوةً وحفظاً؟

ان التلاوة والقراءة، مع ما لها من فضل وآثار عميقة على النفس، فان القراءة مع المذاكرة والمدارسة تترك آثاراً ذات ابعاد واسعة في حياة الفرد والمجتمع، لاسيما اذا مع الاستعانة بالكتب والمؤلفات التي تشرح الدلالات والمضامين القرآنية وتستخرج العبر منها، بما يسهل عملية رسم خريطة سليمة للتفكير توصل صاحبها الى حقائق الحياة والكون وكل ما يهم الانسان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0