هذا السؤال ينتقل بالفعل من شخص الى آخر، ومن جماعة الى أخرى حول حضور المثقف العراقي او غيابه عن المشهد الراهن، أين هو؟؟ ما هو دوره؟ ماذا يفعل؟؟ هل هو غائب أم حاضر أم مغيّب أم محارَب، فمن المعروف أن العلاقة بين المثقفين والمسؤولين الحكوميين الحكام متشنجة دائما، حيث يخشى الحكام من التأثير الايجابي للفكر عفي الشعب، ونحن نتحدث هنا عن النظام السياسي الذي لا يعترف بدولة المؤسسات ولا يفصل بين السلطات بل يجمعها كلها في شخص القائد.

هل المثقف العراقي أبعد نفسه عن واقع الحال خوفا او ترددا او عجزا، وهل هو حاضر في الأحداث الكبيرة التي تعرض لها البلد؟، أين هو من هذه الأحداث وما هو تأثيره في الواقع، لقد كان للفكر والثقافة قصب السبق في تحريك الأمم وتغيير وإدارة قناعتها وزرع بذور الثورة في أعماقها، لذلك يبقى السؤال القائم على الدوام، أين هو المثقف، ما هو دوره فيما يحدث، وأين نتائج التأثير الثقافي على الأرض؟؟.

ثمة مشاهد عديدة ومتداخلة من الفوضى، يتحرك فيها السياسيون والاقتصاديون وآخرون، في الغالب تحركهم مصالحهم، ومع كل هذا الضجيج الذي يدور في ربوع العراق أرضا وشعبا، في مجالات السياسة والتخطيط والاقتصاد والتعليم والصناعة وسواها، مع كل هذه الفوضى التي تجتاح العراق، نلاحظ تحييدا مبرمجا لتغييب المثقف، أو غيابه، وانتفاء أي دور مبرز له، مع أننا نتفق كما تؤكد التجارب في الأمم والشعوب الأخرى، أن نخبة المثقفين، في الغالب، هي التي ينبغي أن تقود الطبقات والشرائح المجتمعية الأخرى.

فهل يفعل المثقفون ذلك، وهل يتصدى المثقف العراقي لهذا الدور الحاسم في هذه المرحلة القلقة التي يقطعها العراق من تاريخه الحديث، في الحقيقة كل المؤشرات تقول أن دور المثقف يفترض أن يكون كذلك، فالطبقة المثقفة ينبغي أن تكون الأكثر تأثيرا في تغيير قناعة الجماهير نحو الأفضل، وهذه الطبقة هي التي تتحكم في دفة التوجيه، وتنشر الوعي بين من أهم أقل وعيا، وأقل معرفة ببواطن الأمور وخفايا المخططات السياسية مما يحيط بهم.

فالوعي الذي ينقص في الغالب الشرائح البسيطة، يجب أن يملأه المثقف، عبر حضوره الفاعل في المشهد المتحرك على مستوى الشعب عموما، فهل يحصل مثل هذا الدور بالفعل، أم هناك تقصير من الطبقة المثقفة، ومن المفكرين العراقيين، طبعا هناك من يقول انه لا يستطيع ان يؤدي دوره كما يجب في ظل العشوائية التي تطول كل شيء، ولكن هذه الحجج تبقى واهية وغير مقبولة أو أنها ذات طابع تبريري ذرائعي للتهرب من المسؤولية.

مصابيح الثقافة تبقى مضيئة

ففي جميع الأحوال وفي أصعب الظروف وأشدها ظلامية، ينبغي أن تكون مصابيح الفكر والثقافة حاضرة دائما، لتؤدي دورها كما يجب، وفي ظل مثل هذه الأوضاع التي يعيشها العراقيون منذ سنين، وفي ظل تداخل الأوضاع واشتباكها واختلاطها، الى درجة فقدان الرؤية والسلوك معا، وعدم معرفة الاتجاه الأبيض من الأسود كما يقال، ومع الحاجة القصوى لمساعدة الشعب على الأبصار، ومضاعفة البصيرة لدى الشرائح الأقل وعيا، مع هذا كله، نلاحظ تراجعا لدور المثقف.

فيظهر مجددا ذلك السؤال الذي يُطرح على المفكر والمثقف، أين دورك، ما هو فعلك وانجازك في ظل ما يحدث الآن؟، فيُثار التساؤل مجددا، ويسأل الجميع، لماذا لا نلمس حضورا واضحا للمثقف والمفكر وصاحب الرؤية الأوسع والأكثر وضوحا وتأثيرا في الجماهير، فالكل يقول أين المثقف وأين دوره؟ لماذا هذا الغياب الغريب، وهل هو غياب بمحض الإرادة، أم تغييب قسري تقوم به جهات أخرى، تعمل بالضد من ارادة المثقف، بطبيعة الحال هناك من يسعى الى محاصرة العقل المثقف والفكر النافذ، ولكن في كل الأحوال هناك تراجع في دور الثقافة والمثقفين في المشهد الراهن.

إن المتضرر من حركة المثقف وانتعاش الفكر هو السياسي، فهؤلاء لا يرغبون بانتعاش الثقافة، ولا يفضلون تطور العقول، ولا يرغبون بشعب مثقف، فالثقافة والوعي تهدد مصالح السياسيين، لاسيما أنهم غير مهنيين أصلا، لأنهم أصحاب مآرب تتركز بالحصول على المناصب والأموال والسلطة، وليس هدفهم بناء الدولة وإنصاف المجتمع.

لذلك يعمل السياسيون باتجاه محاصرة الثقافة والفكر، ونشر الجهل وفق سبل يعرفونها جيدا، ويمهدون لها، فكما هو متوقَّع، ان الغياب والتغييب، يؤديان الى الهدف المطلوب، بخصوص تحييد المثقف ودوره، وإبقاء الوعي الجمعي او الشعبي، في المستوى الأدنى دائما، وبالتالي يتحقق للجهات التي تسعى لتجهيل الشعب هدفها، وهو هدف خبيث وخطير، يعمل على تخدير الطبقة الكادحة من المجتمع، بشتى الوسائل، مع شن حرب ضروس على الفكر، وعلى مشاعل الفكر، وهو هدف واضح ومعروف.

الانتصار للشعب ضد الظلم

علما يحدث في مراحل معينة نوع من الوعي للمفكرين الذين يعون حجم المسؤولية الكبيرة، فيتصدون للسلطة والظلم وينتصرون للشعب، ويؤدون دورهم كما يجب وكما هو مفترض من الثقافة والمثقفين، ولذا يوجد لدينا مفكرون قارعوا الأنظمة القمعية ولدينا مثقفون تم إعدامهم بسبب أفكارهم المتحررة، ومع ذلك بقيت النسبة الأكبر من المثقفين بعيدة عن اداء دورها كما ينبغي.

لذا مطلوب من المثقف والمفكر والطبقة المثقفة أن يتصدوا لدورهم الثقافي، على الرغم من وجود مصاعب جمة في طريقهم، بيد أن الجانب الخطير في هذا الأمر يتضح لنا بجلاء، عندما يقوم المثقف نفسه بتغييب دوره!!، أي انه يقوم بمساعدة السلطة على تحييد دوره الريادي، بدلا من خوض الصراع مع تلك السلطة بأشكالها المختلفة، لتعميق الوعي العام، وتحقيق الدور المطلوب للمثقف، بالإضافة الى نشر الوعي الثقافية والسياسي الجمعي لدى عموم الجماهير.

لذا يرى المختصون بالشأن الفكري والثقافي أن هناك نوعين من المحاصرة للدور الثقافي، منه ما تقوم به الطبقة الحاكمة، ومنه ما يقوم به المثقف، أي يتنحى جانبا، ويترك مسؤولياته في بث الوعي الجمعي وحمايته ومضاعفته، ويتخلى عن دوره، وهو بهذا الفعل يشترك مع الطبقة الحاكمة في تجهيل الشعب، ومحاصرة الوعي، بل وتخدير الشعب، حتى يتسنى للسارقين والمختلسين الإيغال أكثر في سرقة ثروات الشعب، ومن ثم التجاوز على حقوق الأغلبية من الفقراء، ليس في الجانب المادي كالأموال والثروات وما شابه، بل حتى في جانب الارتقاء بالعقل والفكر والرؤية العميقة للحياة.

وهكذا ينبغي أن نعترف بأن دور المثقف والثقافة ليس فتعلا ولم يؤد دوره، فهناك مشاركة من المثقفين أنفسهم في تغييب هذا الدور ومحاصرة المثقف، من خلال السماح لمثقفين طارئين، بتصدر الحراك الثقافي، وتراجع النخبة الثقافية المعنية فعلا بتدعيم الوعي وقيادة الثقافة، فضلا عن إبداء المحاباة للسلطة، وهو امر يثير الشكوك لدى الجميع، إذ كيف يلتقي المثقف والحاكم في ظل ظروف تؤكد الخلل في إدارة شؤون الدولة من قبل الحكام؟؟.

خاصة ما يتعلق بالتجاوز على الحقوق المدنية، وحقوق الفقراء عندما تتعرض ثروات الشعب للتجاوز، في أشكال وطرق منظمة، تديريها شخصيات، تمتهن سرقة قوت الشعب، على مرأى من المعنيين، كل هذا يمكن أن يحدث عندما يتخلى المثقفون والمفكرون عن دورهم الحقيقي في التصدي لمهمة زيادة الوعي الشعبي الجماهيري والمشاركة الفعالة في توجيه الجماهير نحو بوصلة التغيير المتجدد والأفضل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0