الإسلام لا جبر فيه ولا إكراه ولا إلزام بالقوة. وإذا صار وحدث إجبار أو إكراه في الدول الإسلامية من بعض المسلمين، فهذا ليس من الإسلام بل من المسلمين. فنبي الإسلام صلى الله عليه وآله حكم لمدّة عشر سنوات، ولم يكن في حكومته طيلة هذه السنوات، حتى سجين سياسي واحد. وأما اليوم فلا تجد دولة من دول العالم ليس فيها سجين سياسي. وكذلك حكم الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه لمدّة خمس سنوات ولم يوجد في طيلة حكومته سجين سياسي واحد أيضاً. وهذا ما احتفظ به وذكره التاريخ. سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله)...

جميع الدول في البلدان المسلمة انشدت الى ما يمكن اطلاق تسمية (الاسلام المؤل) عليه مقابل (الاسلام المفسر)، في تشييد بنيان سلطة حكامها، وهو ما يمكن ان يعيدنا الى ما يكشفه قول امير المؤمنين عليه السلام (اقاتلكم على تاويل القران كما قاتلكم الرسول على تفسيره).

واحتاجت تلك الحكومات في تبرير افعال استبدادها الى عقائد وفلسفات جبرية، تحيل كل شيء زورا وبهتانا الى قدر الله وقدرته، في مصادرة لعقل الانسان وارادته في الفعل والاختيار..

من هنا نشأت تلك النقود نحو الدين (واقصد به الاسلام تحديدا) والى نصه المقدس (القران الكريم) بسبب ما اجترحته تأويلات الحكام لآياته دعما لسياساتهم..

لكن الحقيقة غير ذلك، فهي تعود - أي تلك الافعال - الى ممارسات المتدينين وليس الى الدين، من هنا كان منشأ الاستبداد وجذره في مجتمعاتنا.

وهذا الجبر والقسر والاكراه الذي مارسته الحكومات، وتبعتها بعد ذلك في عصور متأخرة حركات الاسلام السياسي بتنويعاتها العديدة، يتناقض مع النص المؤسس الاول الذي منح للانسان حريته في اخص وادق شأن في حياته وهو حرية الاعتقاد..

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256

وهذه الآية ردٌّ حاسم على الذين يتهمّون الإسلام بأنّه توسّل أحياناً بالقوّة وبحدّ السيف والقدرة العسكرية في تقدّمه وإنتشاره، وعندما نرى أنّ الإسلام لم يسوّغ التوسل بالقوّة والإكراه في حمل الوالد لولده (وهو ما يذكره الطبرسي في مجمع البيان في سبب نزول هذه الآية) على تغيير عقيدته الدينيّة فإنّ واجب الآخرين بهذا الشأن يكون واضحاً، إذ لو كان حمل الناس على تغيير أديانهم بالقوّة والإكراه جائزاً في الإسلام، لكان الأولى أن يجيز للأب ذلك لحمل إبنه على تغيير دينه، في حين أنّه لم يعطه مثل هذا الحقّ.

لكن المسلمين وبعد ان استبد حكامهم وبرروا لاستبدادهم بشتى النصوص، اصبحوا بعيدين عن هذا النص المؤسس للحريات ونصوصا اخرى غيرها كثيرة، وهو ماجعل كل ذلك الانحراف في الفهم مدخلا تلج منه الكثير من حركات الاسلام السياسي الى القسر والاجبار والاكراه بالقوة على تغيير معتقدات الناس، ووصلت بهم الحال الى القتل بهذا الشيوع والانتشار لكل مخالف لجبريتهم تلك، التي انتقلت من السياسة الى الاجتماع والتربية..

وقد ميز الامام الصادق عليه السلام بين الجبر والاكراه كما في الحديث المروي في الكافي

(لا يمين في غضب، ولا في قطيعة رحم، ولا في جبر ولا في اكراه، قال: قلت: أصلحك الله، فما فرق بين الجبر والاكراه؟، قال: الجبر من السلطان، ويكون الاكراه من الزوجة والام والاب، وليس ذلك بشيء).

انسحبت تلك الجبرية في السياسة والاجتماع والتربية، الى سلب لحريات اخرى منها حرية التعبير التي تثير خوف ورعب المستبدين من كل الاشكال والالوان، وادى ذلك الى قمعها واقصائها عن حياة المسلمين، فكثرت تبعا لذلك عمليات القتل والسجن والتشريد لكل من امن بالنص الاول وفهمه على حقيقته، وليس مثال ابي ذر ببعيد عن الذاكرة الاسلامية التي يوجد فيها الكثير..

وهذا الاقصاء وتلك المصادرة عبر عنه السيد صادق الشيرازي (دام ظله) بالسجين السياسي، وهو سجين تعبيره عن رأيه الذي لا يتوافق مع تأويلات المستبدين للنص الاول المؤسس لحريات الانسان كما ارادها الله سبحانه وتعالى لخليفته في الارض.. وهي الحرية التي امتازت بجانبين، جانب فطري تؤيده مظاهر الحرية في فطرة الإنسان، وجانب مكتسب وذلك بإبراز هذه الفطرة وتنميتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0