يبدو ان هناك للوهلة الاولى تناقضا بين ما تدعو اليه الحداثة والليبرالية من افكار وقيم، من احترام للتعددية والتسامح والاعتراف بالآخر، وبين ما تقوم به فاعليات ثقافية وسياسية تجاه نفس ما تدعو الى الاعتراف به واحترامه من خلال الاساءة اليه وانتهاكه..

هذا التناقض عبر عن نفسه في اكثر من مرة سابقا، ويعبر عن نفسه في الحاضر، وسوف يعبر عنها في المستقبل ايضا، لتبقى تلك الاشكالية قائمة، وهي التناقض بين الدعوة للقيم الانسانية العليا، وفي نفس الوقت انتهاك تلك القيم عبر اقصائها عن الفضاءات العامة للتواصل مع الآخرين..

رغم كل الاشواط الطويلة التي قطعتها الشعوب الاوربية منذ عصر الانوار وحتى الان، إلا ان هناك فجوة بقيت موجودة بين التحديث السياسي الذي عبر عن نفسه بقيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وبين التحديث الثقافي الذي بقي يراوح في مكانه من خلال بقائه مسجونا في صور الكراهية التي انتجها الخطاب اللاهوتي المسيحي في القرون الوسطى..

وهي صور كان سببها التنافس بين حضارتين اسلامية وغربية، شابها الكثير من المواقع الحربية والاقتتال والحروب المقدسة.. في الراهن الاوربي الحالي، ورغم ان العلمانية قد قطعت اشواطا طويلة في فصلها للدين عن الدولة في المجتمعات الاوربية، الا انها بقيت ذات هوية ثقافية دينية ثابتة، تعود الى جذرها اللاهوتي الاول الذي رسم تلك الصور النمطية للإسلام والمسلمين..

قد يقال في معرض الاعتراض على هذا الكلام، ان المجتمعات الاوربية قد هجرت الكنائس واصبحت مجتمعات ملحدة او (لا ادرية) في غالبيتها العظمى، وبالتالي فان تلك الصور السابقة من الكراهية والتي تعود الى القرون الوسطى لايمكن ان يكون لها ذلك التأثير على تفكير تلك المجتمعات في نظرتها الى الاخرين..

يكمن الجواب على مثل هذا الاعتراض، ان الدين ليس له علاقة بارتياد الكنيسة، وان الهوية الثقافية الدينية لايمكن اختزالها بعدد من الشعائر والطقوس كي يقال عمن يمارسها انه متدين، انها ابعد من ذلك، فهي في المجتمعات الغربية، بحث مستمر عن يقين وايمان بهذا اليقين وتثبيته، وان الدين تجربة فردية وليست جماعية، ليس لها علاقة بارتياد الكنيسة..

على سبيل المثال (الكنيسة اللوثرية الإنجيلية) في الدنمارك ينتسب إليها حوالي 84% من السكان حسب إحصائيات سنة 1998. ونحن نعرف ان دولة مثل الدنمارك وصلت فيها العلمانية وفصل الدين عن الدولة الى اقصى حدود ما تسمح به تلك العلمانية او القيم الليبرالية وقيم مابعد الحداثة.. ومثلها التدين في المجتمع الامريكي، باختلاف تنوعه الكنسي والعرقي..

مثل اخر من فرنسا هذه المرة، وهي موطن الازمة الاخيرة التي اشعلتها صحيفة (شارلي ايبدو) برسومها الساخرة والمسيئة، فحسب استطلاعات عديدة ودراسات سابقة قبل سنوات، تجد الدولة العلمانية نفسها تحكم مجتمعا يتدين بتصاعد وهذه مفارقة مقلقة جدا للدولة الفرنسية، أثارها أكثر من مفكر ومحلل سياسي ورجل دين..

في العام 2004 وعلى غلافها الاول اشارت الاسبوعية الفرنسية لوبوان إلى عودة الدين إلى قلب السياسة والسياسيين بالعاصمة الفرنسية باريس. وصفت "لوبوان" عودة الديني إلى الحياة السياسية بالعودة المتوارية عن الأنظار منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه الوزير الأول رافاران تكوين فريقه الحكومي صباح الاثنين 17 يونيو/يونيو 2002..

ومع أن رئيس فرنسا علماني في حياته العامة، إلا أنه لا يخفي التزامه الديني الكاثوليكي في حياته الخاصة، إذ يستغل أوقات عطلته في "بريغانسون" لشهود القداس بـ"بورم لي ميموزا"، أما وزيره الأول السابق جان بيير رافاران فلا يتردد في رفض دولة ملحدة لا دين لها ولا في الإفصاح عن تدينه لأسبوعية "لوبوان نفسها في مارس/آذار 2003: "أنا مسيحي، غير أنني، بغض النظر عن إيمان كل فرد، أظن أن في كيان الإنسان جزءا مقدسا".

ويوم 3 مايو/أيار 2003، أمام الجمع العام لمجلس الديانة الإسلامية وضع الرجل النقط على الحروف مؤكدا أنه "يلاحظ حاليا عودة الديني، وأقول لكم بكل صراحة، ولقد قال لنا أندريه مالرو من قبل إن القرن الواحد والعشرين سوف يكون دينيا روحانيا.. (الطاقة الحقيقية اليوم هي القيم الروحية والإنسانية)..

أما نيكولا ساركوزي الرئيس السابق، فقد نشر كتابا عن لقاءاته مع الأب فيليب فيردان والفيلسوف الفرنسي، بعنوان "الجمهورية والديانات والأمل" حيث عبر بالمكشوف عن التزامه الديني ونظرته لإصلاح العلمانية الفرنسية ومساء يوم كل أحد يفتح رجل الدين الدومينيكي بوابة الكنيسة ليستقبل الوزير وينصت لاعترافاته الروحية. ولا يتردد ساركوزي في التعبير عن إيمانه المسيحي ورغبته في الصلاة أمام منظر طبيعي خلاب.

الالتزام الديني لرؤساء فرنسا ووزرائها وسياسييها ليس وليد اليوم، فقد سبق للزعيم الشهير ديغول أن عبر عن إيمانه العميق بالله واليوم الآخر، وكان لا يتغيب عن القداس الديني الأسبوعي في كنيسة كولومبي كل يوم أحد، حسب شهادات ولده فيليب ديغول السيناتور بالتجمع من أجل الجمهورية وصاحب كتاب "ديغول، أبي".

كيف يمكن فهم مثل هذا التناقض بين العلماني والديني في دولة مثل فرنسا؟ تكمن الاجابة في الوجود الاسلامي وانتشاره في الجمهورية العلمانية، ومما يمكن ان يؤكد ذلك هو كاتبتان معروفتان ومتناقضتان لكنهما متفقتان حول هذه النقطة- وهما ميشيل تريبالا صاحبة كتاب "الإسلام والجمهورية" وجوسلين سيزاري صاحبة كتاب "الإسلام في اختبار الغرب" حيث قالت الأولى وهي معروفة بتطرفها اللاديني ورفض الوجود والتمثيل الإسلامي: "إن التدفق المفاجئ للإسلام في الحياة العامة كان هو السبب في "وخزة تذكيرية مهمة" أحدثها النشاط الإسلامي فتذكر الفرنسيون بها هويتهم المسيحية".

وقالت الثانية وهي معروفة بموضوعية علمية معترف لها بها، وبإيمانها بعلمانية راعية للدين غير محاربة له: "من المثير أن نلاحظ أنه في كل أوروبا، أعاد مجيء الإسلام فتح ملف اعتبر مغلقا منتهيا من أمره، وهو ملف العلاقة بين الدولة والديانات، فتنوع أوضاع "الأوروإسلام" يعكس الخصوصية السياسية والثقافية لكل بلد أوروبي أكثر مما يعكس الاستثناء المدعى للإسلام". هذه الوخزة التذكيرية هي ما ذكرته في السطور السابقة (الهوية الثقافية الدينية الثابتة) بالنسبة للفرنسيين او غيرهم من الاوربيين، وهي الخصوصية الثقافية التي تبرز امام الاخر المختلف، وهو هنا الاسلام والمسلمين.. وهي وخزة تعيد تصور هذا الاخر المسلم، فردا وجماعة، الى الصورة النمطية من الكراهية والتي بدأت في القرون الوسطى، سبق ظهور هذه الصورة، التي استعملت الرسول كشخصية محورية في الفترة القروسطية، كما يذكر العديد من الباحثين، سبقها خطاب ثابت ومنظم يستهدف تشويه الرسول كسبيل رئيس لتشويه المسلمين الذين كانوا يسمون في الخطاب اللاتيني "Saracens".

انتقل هذا الخطاب خلال القرن الـ12 الميلادي نقلة نوعية، خاصة من حيث طبيعة الاتهامات وانتظامها وتحولها إلى صيغ ثابتة يتم ترديدها عبر المجال المسيحي الأوروبي.

ففي هذه الفترة كتبت أربع سير للرسول صلى الله عليه واله وسلم باللغة اللاتينية قامت بالإعلاء من قيمة سلسلة من القصص المختلقة في التراث الفلكلوري المسيحي تركز على أنه محتال ومتعطش للدماء.

وباستعمالها المخيال الشعبي المسيحي كمصدر أساسي أسهمت هذه السير التأسيسية لصورة الرسول صلى الله عليه واله وسلم في الغرب المسيحي في إعادة تصويره في المخيال المدرسي، وكذلك في ترسيخ الصورة الشعبوية عوض تصحيحها.

ومن الواضح للباحثين أن هذه "الصورة" المكتوبة كانت المصدر الرئيس للصورة المرئية التي ستنشأ فيما بعد، فوفرت الصورة وسيطا مناسبا يقتصد مفردات النص وأصبح من المناسب تركز صورة الإسلام والمسلمين في صورة شخص الرسول نفسه.

وكما يذهب عديد من الباحثين في الدراسات المقارنة، فقد ظهرت أولى الصور من هذا النوع ضمن مؤلفات متأثرة بالسير الأربع التأسيسية.

من هذه الصور المبكرة صورة لشخص يشبه وحشا ذا لحية طويلة وردت في مخطوط لاتيني من القرن الـ12 الميلادي بعنوان "في ظهور محمد" لراهب فرنسي من دير Cluny (محفوظ في مكتبة الأرسنال في باريس برقم 1162).

صورة أخرى لقيت رواجا من حيث استنادها لروايات فلكلورية مسيحية وتهتم خاصة بقصة وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم، حيث تتحدث عن "أكل الخنازير" للرسول صلى الله عليه واله وسلم.

وتترجم الصورة هذه الرواية من خلال تصوير شخص برفقة خنزير وذلك في مخطوط يرجع إلى أواسط القرن الـ13 ميلادي (محفوظ في مكتبة معهد كوربوس كريستي في كمبردج تحت رقم 26).

نوع آخر من صور الرسول صلى الله عليه واله وسلم ذات الطابع العنصري في الفترة القروسطية هو تصوير وحش أسود يخرج من فمه لحظة موته ويقع تصوير وجه الرسول بشكل يذكر بصور الشياطين المستعملة في القاموس المرئي القروسطي.

ولا ننسى الحروب الصليبية وما ادت اليه من تكثيف في خطاب الكراهية وصورها المتعددة، التي ظهرت عبر كتابات او رسوم لازال التاريخ المدرسي الاوربي يعتمد عليها مصدرا رئيسيا في فهمه للآخر المسلم..

ويذهب الدكتور الصادق رابح في بحثه الموسوم (تجليات خطاب الكراهية في الوسائط الإعلامية الفرنسية: بحث في المصادر) الى (إن الآخر المسلم والعربي غالبا ما تتم مقاربته، في المخيال الغربي، من خلال منظومة من المفاهيم التي تراكمت عبر فترات زمنية طويلة حيث يتداخل الخطاب اللاهوتي بالخطاب الغربي الحديث. فـ"الشبكة التي يرى "العقل الأوربي" العالم من خلالها وبواسطتها شبكة تهيمن فيها علاقة أساسية هي علاقة "الأنا" و"الآخر"، لا علاقة "آخر" "بآخر".").

فلو ألقينا نظرة أفقية سريعة على مجموع ما كُتب حول هذا الآخر في الفضاء الغربي، عموما، سنجد أنها تختزله في البداوة، وعدم التّحضر، والصّعلكة، واللصوصية، ومحدودية التفكير، والخلود الى الأرض، والإقبال المفرط على المتع الجنسية، وشخوص عالم ألف ليلة وليلة بغرائبه ومتعه التي لا يحدها الخيال، والافتتان بالحروب المقدسة، الخ. كما يحيل فضاء الإسلام والعروبة، عموما، الى سواعد اللصوص المبتورة وأعناق غير المسلمين وهي تقطع، والنساء، مرتكبات الزنى، وهن يرجمن. وقد اتسعت هذه الصورة لتشمل موضوعات جديدة أخرى، أهمها الإرهاب والتّطرف كإحدى الثيمات (الموضوعات) التي يكثر الحديث عنها في كل الخطابات. فهذه الخطابات، على تنوعها وتعدد مشارب أصحابها، غالبا ما تتمحور حول ثيمات التّعصب، والتّطرف، والحرب المقدسة، والإرهاب، وغيرها. فلا حديث إلا عن المتطرفين والأصوليين والمتعصبين والإرهابيين. وضمن الفضاء الجغرافي الغربي نفسه، يتكثّف الخطاب في ايقونات لغوية وبصرية، فيختزل هذا الآخر في المهاجر البائس رمز "العربي الخامل"، ويتعدى ذلك الى اختزال المنحدرين من الفضاء الإسلامي والعربي، رغم "غربيتهم" القانونية على أقل تقدير (فرنسيين، بريطانيين، الخ)، الى "حثالة" يتطاولون عليه.

كيف ينظر الى الاسلام والمسلمين في فرنسا موطن صحيفة شارل ايبدو؟ يمكن تلمس ذلك من خلال ثلاث دراسات مختلفة الاولى دراسة دومنيك منجنيو حول خطاب وإيديولوجية المدرسة في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، يذكر أن الدين الإسلامي قُدِّم على أنه مأخوذ من الديانتين اليهودية والمسيحية، ويحمل بين ثناياه الكثير من الخرافات والممارسات العقيمة، وهو دين جنس وملذات، وتطرف يحث أتباعه على شن الحروب المقدسة ضد الشعوب الآمنة والمسالمة ؛ إنه دين غزوات ومذابح، وهو لا يشجع على تطور الإنسانية. أما الرسول فهو "شخص يدعي أنه بعث من طرف الإله، وتتسم عقيدته بأنها تجمع بين بعض الحقائق والأكاذيب. وقد كوّن أمة من المتطرفين لا هم لهم إلا الغزو وذبح الآخرين."

أما في الدراسة الثانية، والتي قامت بها الباحثة مارلين نصر (صدرت في كتاب تحت عنوان "صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية")، فقد تناولت نفس الموضوع في الكتب المدرسية في الوقت الحاضر. فالعالم الإسلامي والعربي يُختصر في "العربي"، "البدوي"، "ساكن الصحراء"، "المور"، التارقي"، "المزابي"، وهي مترادفات تستعمل مكان بعضها. والعربي في هذه الكتب ليس له وجود مستقل، فهو موجود بوجود الفرنسي. أما علاقته بهذا الأخير فهي علاقة دونية، بمعنى أنه يحتل موقعا دونيا مقارنة بالفرنسي. "ودونية "المسلم أو العربي ثلاثية الأطراف، فهي عقلية، وأخلاقية واقتصادية.

والدراسة الثالثة أجرتها الجمعية الفرنسية "الإسلام والغرب". وقد بينت أن صورة الإسلام، التي ترسمها الكتب المدرسية، ولو أنها تحسنت قليلا إلا أنها مازالت تخضع لنفس النموذج التاريخي السلبي الاختزالي والغرائبي للإسلام والعالم الإسلامي والعربي في الرؤية الغربية عموما. فهي وإن لم تتسم بالعداوة المفرطة والمباشرة لكل ماهو إسلامي وعربي، فإنها تحمل في طياتها وبصورة، غير واعية أحيانا، مفاهيم وأفكار تحط من الإسلام والمسلمين ("تطرف، تواكل، قمع، خشونة، عدم تسامح."). وتظهر العالم الإسلامي والعربي في الوقت الحاضر كعالم متخلف، يعتمد على المساعدات الخارجية الغربية، غير منتج، ولا يملك إلا تصدير البترول واليد العاملة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0