هل يعي القائمون على الدولة والمجتمع، ماذا يعني أن تكون المرأة مربية مثقفة صالحة، وهل يعرف المجتمع نفسه، ماهية النتائج والثمار التي سوف يقطفها عندما تكون المرأة فيه مربية متميزة؟؟، لا شك أن الجميع يعرف ذلك وإن كانت هذه المعرفة تحصل بدرجات متفاوتة، تبعا لمستوى الانسان الثقافي ودرجة احتكاكه ونشاطه مع الشرائح والطبقات الاخرى، وعلى العموم ثمة معادلة يمكن استخلاصها في هذا المجال، تتضمن التالي: كلما كانت المرأة في المجتمع أعلى مستوى في الثقافة، سيكون المجتمع نفسه أعلى وعيا وثقافة وأفضل من الناحية التربوية.

لماذا تُعطى المرأة مثل هذه الأهمية والمكانة؟، ومن أين تحصل عليها أصلا، أو بكلمة أخرى لماذا تستحق المرأة مثل هذه المكانة؟؟، أمر بديهي أن المرأة المربية المثقفة سوف تسهم حتما بصناعة أسرة متميزة واعية ومثقفة، وأولاد مثقفين واعين متميزين، وعندما تكون نسبة النساء المربيات المثقفات عالية في المجتمع، فهذا يعني أننا ازاء مجتمع ينطوي على نسبة عالية من الثقافة والوعي والتربية المبدئية المتميزة.

هذا يقودنا بالنتيجة الى أهمية صناعة المرأة المربية والمحصّنة بثقافة انسانية راقية، لأنها سوف تقودنا الى أقصر الطرق لصناعة مجتمع مثقف وواعي ومستقر ومتعايش ومنشغل بالابداع وانتاج وليس بالمشاكل والفتن، واستنادا الى النتيجة البديهية التي تقول، إن المرأة المربية تصنع أسرة مثقفة متميزة، وبما أن الأسرة هي الصورة المصغرة للمجتمع، فإن مجموعها يؤلّف النسيج المجتمعي الواعي، وهكذا لا يمكن التخلي عن صناعة المرأة المربية المثقفة، كونها تمثل الحجر الأساس في صناعة المجتمع المحدث.

تبقى هنالك الخطوة الأهم في هذا المجال، وهي تطرح سؤالا مهماً، كيف يمكن صناعة المرأة المثقفة، هنالك جملة من اشتراطات التي تؤسس للبدء والشروع بصناعة شخصية نسائية متميزة، يتقدم جميع هذه الاشتراطات النموذج او القدوة الحسنة التي تأخذ منها المرأة خصالها وصفاتها ومبادئها وحنكتها وانسانيتها واسلوبها في التعامل مع مجريات الحياة كافة، بطريقة تنم عن قوة ووعي وثبات وصبر لا يحيد عن الجادة الصوب او عن طريق الحق.

تُرى هل هناك نموذج متوافر عبر الواقع أو التاريخ الاسلامي، للمرأة المسلمة، العراقية والعربية والمرأة في عموم الدول الاسلامية والعالم أجمع؟، الجواب نعم، يوجد لدينا المرأة النموذجية التي يمكن من خلالها أن يباشر المسلمون جميعا، في بناء امرأة مثالية في صفاتها وخصالها وقدراتها ومواهبها في أن تكون امرأة مربية قادرة على تربية مجتمع واعي متميز قوي متعاون انساني متعايش، هذا النموذج، هو (الزهراء)، فاطمة بنت الرسول الكريم (ص) وعقيلة سيد البلغاء الامام علي (ع)، وأم سيد شهداء الجنة الامام الحسين (ع).

فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، لها مواقف لا تحصى، كلها عبارة عن دروس للانسانية، لسبب بسيط، أنها تنبع من مدرسة الدوحة النبوية الكريمة، فقد نشأت الزهراء (ع) في بيت نبي الرحمة والسلام والانسانية، ونهلت من اخلاقه ومبادئة، وتشكلت شخصيتها وفقا لشخصية ابيها، وكانت منزلتها عن ابيها لا حدود لها لدرجة أنه (ص) منحها لقبا لم تحصل عليه امرأة في التاريخ لا سابقا ولا حاضرا وهو لقب (أم أبيها)، وقد تعلمت في بيت ابيها الصبر والتعاون والمحبة ومساعدة المحتاج والرحمة، فهذه خصال قائد دولة المسلمين الذي بنى اعظم دولة ولم يبدأ حربا ضد عدو كما اثبتت شواهد وصفحات التاريخ بمختلف أسانيده ومصادره.

خصال ومواقف الزهراء (ع)

لهذا فإن شخصية الزهراء (ع) تم بناؤها بنفحات محمدية تامة، أخذت كامل صفاتها وحنكتها وصبرها من ابيها الرسول (ص)، فقد أعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أهل بيته فاطمة وعلياً والحسنين عليهم السلام لمرحلة ما بعده.. فلا تنقصهم المعلومات ولا التوجيهات، ولا اليقين بما سيكون، فقد حكاه الله لنبيه مفصلاً فحكاه لهم، فآمنوا به على مستوى الحس لا الحدس، وأخذ عليهم النبي العهد والميثاق أن يصبروا ويعملوا لإنقاذ ما يمكن، وأعطوه العهد على ذلك عن إيمان ورضا، ووطنوا أنفسهم على العطاء لله من حقّهم وكرامتهم حتّى يرضى!.

لهذا كانت فاطمة الزهراء عليها السلام ولا تزال وستبقى القدوة والاسوة الحسنة والنموذج المثالي للمرأة المثالية، بصبرها وقوة شخصيتها وثقافتها وقدراتها الكبيرة على ادارة اصعب المواقف، وكل هذه الصفات وغيرها الكثير هي صفات المرأة المربية المتميزة، بصفات تليق بالمرأة المربية القادرة على الإسهام في صناعة مجتمع متماسك، ودولة لا تُقهَر، في العلم والسلم وفي ميادين التطور والاستقرار والانتاج المبدع.

إن هذه المرأة المربية، هي ليست امرأة عادية، إنها ابنة أعظم خلق الله، إنها ابنة الرسول الأكرم (ص)، فكيف لا تكون مثالا عظيما لجميع النساء، فلقد اشارت الكثير من صفحات التاريخ، الى كرامات ومعجزات (سيدة نساء العالمين) ومنها على سبيل المثال: (رويَ في كتاب الأربعين: اشتد بالحسنين الجوع وأخذ منهما مأخذا وبعد مرور ثلاثة أيام طلبوا من أمهم - ناموس الله الأكبر - شيئا يأكلاه وليس في بيت فاطمة (عليها السلام) من شيء، فكانت المخدرة الكبرى تسليها في كل مرة وتقول: سيأتي جدكما ويحمل لكما شيئا، فيذهبان ويعودان مرة أخرى ويبكيان، فتصدع قلب فاطمة لضعفهما وجرت الدموع من عينيها، قامت إلى جفنة وجمعت فيها الحصى وصبت فيها الماء وأشعلت النار تحتها لتشغلهما حتى يغلي الماء، وقالت: يا ريحانتي رسول الله ويا روح أمكما، صنعت لكما طعاما إصبرا حتى ينضج ما في القدر، فكانا يخرجان ساعة ويعودان ويقولان: يا أماه أحضري لنا الطعام إن نضج، وتعللهما فاطمة الطاهرة وتصبرهما وتقول: الآن وضعته على النار، إصبرا ساعة حتى ينضج، فقام الحسن (عليه السلام) إلى القدر ورفع عنه الغطاء، وقال: يا أماه أحضري لنا شيئا منه إن كان ناضجا أو بعد لم ينضج، فأخذت فاطمة صحفة وعمدت إلى القدر وهي تقول: العجب إن كان هذا الطعام ناضجا. فلما رفعت غطاء القدر وإذا فيه طعام فاح قتاره، فاغترفت منه وقدمته لهما فأخذا يأكلان، فقامت فاطمة (عليها السلام) وجددت وضوءها ووقفت تصلي ركعتين شكرا لله، وكانت كلما وقعت فاطمة الطاهرة في شدة جمعت من ذلك الحصى ووضعته في القدر، فكانت تصنع منه طعاما لذيذا تقدمه لولديها. فلما سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر قال: الحمد لله الذي جعل لفاطمة ما جعل لذرية الأنبياء).

دور المرأة المربية

ثمة سؤال يتم طرحه في هذا المجال، ما أهمية أن نصنع امرأة مربية بمواصفات معينة؟، ولماذا التركيز على هذا الأمر، ثم ألا يكفي أن نصنع رجالا متميزين، ثم لماذا الاصرار على أن تكون (فاطمة الزهراء ع) نموذجا للنساء وقدوة لهن؟، الاجابة عن هذه الاسئلة ستأتي على التوالي، بأن أهمية صنع مرأة مربية متميزة ومثقفة ومبدئية وواعية، كونها تصنع الأساس الأول للمجتمع، ونعني به الطفولة ولاسرة الصالحة، فالمجتمع يتكون من مجموع الأسر والطفل الواعي الذكي الصبور الواعي هو اللبنة الصغرى للمجتمع المتميز.

بطبيعة الحال لا يكفي أن نصنع رجالا متميزين، فهذا الأمر لا يكفي لصناعة مجتمع متطور مستقر قوي متميز وواعي، بل سيشكل ذلك نصف الهدف، والنصف الآخر يتمثل بالمرأة، فإذا اردنا صناعة مجتمع متميز يجب أن نبدأ بصناعة امرأة مربية متميزة، كونها مصدر أساس لصناعة مجتمع متميز.

أما لماذا الاصرار على فاطمة الزهراء (ع)، كنموذج لمرأة المربية، فقد سبق الكلام عن الحاضنة التي تربت ونشأت وترعرعت فيها السيدة الزهراء، فقد اخذت من شخصية ابيها (ص) كل الصفات والمَلَكات العظيمة، في الصبر والجلد والرحمة والانسانية والحنكة ومواجهة المصاعب برباطة جأش قلّ نظيرها، لذلك تعد فاطمة الزهراء النموذج الأفضل والأروع للمرأة المربية القادرة على صناعة مجتمع متقدم ودولة متطورة.

وفي خلاصة الامر نقول، ان اطلاق يوم الزهراء العالمي، يأتي لكي نصل معا بجهود مشتركة وتخطيط سليم وتعاون مستمر، للمساهمة في صناعة امرأة مربية تأخذ من فاطمة الزهراء (ع) خصالها وسماتها وقدراتها، حتى يكون بمقدور هذه المرأة، ادارة ورعاية اسرة مثقفة واعية، بالامكان ان تكون لبنة وأساس مناسب لمجتمع ناجح ومتميز.

انقر لاضافة تعليق
سليم ناجي محمد
العراق
كيف نصنع المرأة المربية في ضوء سيرة الزهراء، عليها السلام؟ هذا هو السؤال الذي نبحث الاجابة عنه، لاسيما عند نسائنا، ففي مجتمعنا - على الاقل- يتفق الجميع على كون الزهراء، نموذجاً راقياً ومتكاملاً، بيد أننا بحاجة الى تطبيقات عملية للمفاهيم والقيم السماوية تتجسد في نسائنا - ولو بشكل نسبي- كما تجسدت في شخص الصديقة الزهراء بشكل متكامل، حتى نحقق الاقتداء بشكل صحيح. وشكراً2016-03-27

مواضيع ذات صلة

2