كل سلوك يبدر من الانسان، الفرد، الجماعة، مصدره ثقافة منتجة لهذا النوع من السلوك، فالتطرف على سبيل المثال تقف وراؤه ثقافة متطرفة، والتعايش ورسوخ التعددية تقف وراءها ثقافة مناقضة تماما للتطرف، هذا ما يؤكده العلماء المعنيون بدراسة علم الاجتماع، فلا توجد حركة ذات مردود مادي ملموس من دون ثقافة تحركها وتوجّه مساراتها.

وثقافة التظاهر، هي المسؤولة عن طبيعة هذا النشاط المجتمعي الإحتجاجي، فمن الممكن ان تثيرها ثقافة عنف تؤدي بها وبالمظاهرات الى الصدام والعنف، وثمة العكس عندما تكون الثقافة التي تقف وراء المظاهرات، ثقافة سلمية هدفها الاول والأخير تطوير حياة المجتمع، وبناء ركائز الدولة الحديثة، وفق سبل البناء التي تواكب ملامح ومستجدات العصر.

وكما يؤكد الخبراء والباحثون المعنيون، فإن حق التظاهر هو أحد حقوق الإنسان الذي يظهر نتيجة عدد من حقوق الإنسان المعترف بها، إن حق حرية التجمع قد يتضمن حق التظاهر، ولا يوجد أي آلية لحقوق الإنسان أو دستور يمنح الحق المطلق للتظاهر، إلا أن العديد من لوائح حقوق الإنسان والدساتير تنسب حق التظاهر إلى حرية التجمع أو حرية التنظيم وحرية الكلام والتي ينص عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدساتير في الكثير من الدول.

على أن يتم التعبير عن هذا الحق ضمن ضوابط وتشريعات نافذة متفق ومصوَّت عليها من ممثلي الشعب، فكما هو معروف، أن حق التظاهر هو حق أصيل من حقوق الإنسان الذي يظهر نتيجة عدد من حقوق الإنسان المعترف بها، كما أن حق حرية التجمع قد يتضمن حق التظاهر، ولا يوجد أي آلية لحقوق الإنسان أو دستور يمنح الحق المطلق للتظاهر، إلا أن العديد من لوائح حقوق الإنسان والدساتير تنسب حق التظاهر إلى حرية التجمع أو حرية التنظيم وحرية الكلام والتي ينص عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدساتير في الكثير من الدول.

وثمة بعض الاختلافات في تفسير او تعريف التظاهر او الاحتجاج، فهناك من يرى أنه حق لا يجوز المساس به من الدولة إلا في حالة تشكيله خطرا على الحياة العامة والممتلكات والارواح، وهناك من يعرف حق التظاهر السلمي بأنه إحتجاج على خطأ ما بقصد إصلاحه او تعديله وعادة ما يكون الغرض منه سياسيا، إلا إنه احيانا يأخذ منحى إقتصاديا أو إجتماعيا لمكافحة التمييز بأشكاله او إذا حدث ثمة انتهاك جسيم لحق ينظمه القانون او لعدة حقوق، ويأخذ أشكال المسيرات او الحشود أو التجمعات المنظمة المطالبة بهذه الحقوق، ويجب ان تكون أشكال التعبير عنه سلمية، وينبغي أن يكون هناك إقرار من المتظاهرين بالإلتزام بعدم الإخلال بمبدأ سلمية المظاهرة المراد القيام بها، تعبيرا عن حاجة او مجموعة موجبات اساسية للحياة.

متى وكيف يلجأ الجمهور للإعتصام؟

لاشك هناك أسباب توجب التظاهر، فهي لا يمكن أن تكون عبثية، ولا يمكن لشعب ما يعيش بسلام، وكل احتياجاته الحياتية قائمة ومع ذلك يخرج محتجا على حكومته، لم يذكر لنا التاريخ أمرا كهذا، فالتظاهر ليس شكلا من أشكال الترف، انما له اهداف واضحة وملحة ومهمة لدرجة أنها تستوجب التنفيذ بأقصى سرعة ممكنة من لدن المعنيين من اجل كبح جماح توسعها وانتشارها، وهو أمر يربك السلم الأمني، لاسيما في العراق الذي يواجه في الجبهة الخارجية جملة من المخاطر ترقى الى تهديد الوجود.

لذلك توقيت التظاهر ينبغي أن يكون مدروسا وليس عبثيا او عشوائيا او منطلقا من رغبة (خالف تُعرَف)، حتى يكون مردود المظاهرات نافعا للجميع لاسيما أن حق التظاهر في الدول التي تحكمها أنظمة ديمقراطية مكفول، مثلما كفلت هذا الحق العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية الحق فى التظاهر والحق في التجمع السلمي، وحددت أطراف معينة لمقتضيات تقييد ممارستها بأن يكون القيد ضروريا ووفقا لما نص عليه القانون.

في هذا المجال مثلا اعترف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بموجب المادة 2 منه بحق كل إنسان في الاشتراك فى التجمعات والجمعيات السلمية، ولم يضع هذا النص أية قيود على ممارسة هذا الحق، بل أقر به مطلقا من أية قيود قد تعوق ممارسته، كما أقرت المادة 2 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الحق فى التجمع السلمي، وحظرت وضع القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، فى مجتمع ديمقراطي، ومن المعايير التي وضعتها هذه المادة للقيود التي يمكن أن تفرض على الحق فى التجمع (حفظ الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم).

أما كيفية الاحتجاج فهو يمثل مظهرا أو ركنا اساسيا من اركان المظاهرات، نعم هناك حق مكفول للمتظاهرين ولكن هناك محددات ينبغي الالتزام بها للحفاظ على النظام العام، وقول المعنيون أن هناك قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن الحق فى التجمع السلمي فى دورته الحادية والعشرين بشأن الحق فى حرية التجمع السلمي وفى تكوين الجمعيات، بأن على الدول أن تحترم وتحمى بالكامل حقوق جميع الأفراد فى التجمع السلمي وتكوين الجمعيات بحرية، وأن تتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان أن تكون أية قيود على الممارسة الحرة للحق فى حرية التجمع السلمي والحق فى تكوين الجمعيات، متوافقة مع التزاماتها بموجب القانون الدولى لحقوق الإنسان، ولكن من الجدير بالذكر، الاهتمام بالشرط السلمي لحق التظاهر، كونه اذا خرج بعيدا عن هذه الحدود، فإنه سوف يدخل في مظاهر الفوضى والإخلال المتعمَّد بالأمن، خاصة اذا رافق ذلك تجاوزات على الممتلكات الخاصة والعامة، وإلحاق الأذى بالآخرين.

نعم لحق التظاهر المنضبط

في حال يستوجب الأمر خروج مظاهرات جماهيرية، نتيجة اهمال حكومي او فساد او ضعف في الأداء كما هي الحال في العراق مثلا، فإن حق التظاهر مكفول، حيث يكفله الدستور وفق اجراءات قانونية ينبغي الحصول عليها قبل الشروع بالتظاهر، هذه البنود تتعلق بالمكان والزمان ومدة التظاهر، على أن تتكفل الحكومة حماية المتظاهرين وهي مسؤولة عنهم بشكل كامل.

ان مثالنا اليوم في العراق، والاعتصامات والمظاهرات الحالية التي تقام على تخوم بوبات المنطقة التي تسمى بالخضراء، على الرغم من الظروف الحساسة التي تحيط بها، ولكنها تبقى مكفولة في حالة التزامها بالشرط السلمي، ولعل اهم نتيجة يمكن أن نضمنها من الالتزام بهذا الشرط، هو منع وقوع اي نوع من التصادم بين العناصر الآمنية والمتظاهرين، وبالتالي التزام الهدوء التام مع الاستمرار بالتظاهر بصورة سلمية.

تشير جميع الأدلة الى انضباط المتظاهرين العراقيين، ما يعني أن ثقافة التظاهر السلمي قد أتت بنتائج مثمرة جدا لحد الآن، ولعل الجميل في الأمر تلك المواقف الرائعة التي أظهرتها العناصر الأمنية ازاء المتظاهرين من خلال توزيع قناني الماء او بعض انواع الطعام وما شابه، وهذه علامات تؤكد حسن واكتمال ثقافة التظاهر السلمي والتزام العراقيين بها، ما يعني أننا نسير في الاتجاه السليم حتى الآن.

ان درجة الانضباط في الاعتصامات، دليل ثقافة رصينة، ووعي كبير يتحلى به المتظاهرون، فمثلا لا يصح غلق الطرق ولا حمل الاسلحة من اي نوع كان، تعبيرا مطلقا عن سلمية المظاهرات، وكلما كان هذا الشرط حاضرا، سوف تنال الجماهير المعتصمة او المحتجة اعجاب الشعب، واحترام الجهات الاخرى، وهذا في الحقيقة يسهم بطريقة فاعلة في تسريع الاستجابة لما يطالب به المتظاهرون من مطالب مشروعة من واجب الحكومة أن تستجيب لها.

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0