في مقال سابق تطرقنا الى ظاهرة تُضعِف التعليم في العراق، تتعلق بتسرّب التلاميذ من المدارس لأسباب عديدة، من هذه الأسباب، طبيعة الأسلوب التربوي والتعليمي الذي يقدم فيه المعلم والتدريسي موضوع الدرس الى طلابه، فعندما يكون هناك حاجز بين الطالب والمعلم، بسبب عدم قدرة الأخير على توصيل المعلومة ومادة الدرس للطالب، فإن الحضور الى الصف يغدو ضربا من العبث، لذلك تعد أساليب التدريس من اهم الاسباب التي تؤدي الى تسرّب التلاميذ.

وطالما أن الإصلاح يبدأ من التعليم، فهذا يستدعي من الجهات المعنية، الحكومية والأهلية، الشروع بمعالجات علمية عملية، تتصدى لحالات الضعف والتأخّر التي تعاني منه أساليب التربية والتعليم، حتى نقضي او نقلل من ظاهرة التسرّب، فالظواهر السلبية في التعليم متداخلة مع بعضها، واهمال ظاهرة واحدة، يؤدي الى اهمال آخر لظواهر أخرى وهكذا.

أما الشروع في معالجة ظاهرة تعيق التعليم، فهذا يعني معالجة اكثر من ظاهرة مرتبطة معها، وهذا يساعد على عملية التقويم والتصحيح بطبيعة الحال، فعندما يدخل الطالب الى الصف ويحصل على مادة جديدة باسلوب معاصر وجديد، سوف يتفاعل معها بسبب فهمه لها، فشرط فهم المادة وتقديمها للجديد، يزيد من تفاعل الطلاب معها، وهذا لن يتحقق من دون اعتماد اسلوب تعليمي محدث، يقدم المادة بوضوح وعمق.

علما أن شخصية المعلم لها تأثيرها الكبير في هذا المجال، وهناك ربط واضح بين شخصية المعلم وبين قدرته على توصيل المادة العلمية بصورة جيدة، بغض النظر عن صعوبتها او تعقيدها، وعندما يحبّ الطالب شخصية معلمه، فإنه سوف يحب درسه، وسوف يساعد ذلك على استيعاب الطالب للمادة، بل سيكون هناك شغف بمادة الدرس من لدن الطلاب عندما تكون علاقتهم الانسانية جيدة مع معلمهم.

العلاقة الانسانية بين الطرفين

وقد أثبتت التجارب العملية أن طبيعة العلاقة الانسانية بين المعلم وطلابه، تنعكس ايجابا او سلبا على درجة ومستوى فهمهم للمادة العلمية التي يقدمها الاستاذ لهم، فإذا كانت علاقة الطرفين تقوم على الانسجام والتفاهم وتبادل الاحترام والمودّة، فإن استيعاب الطلاب للمادة سيكون بمستوى جيد، وعلى العكس من لك اذا كانت العلاقة الانسانية فاترة بين المعلم والطالب، فهذا الفتور سوف ينعكس على قدرة الطلاب لاستيعاب المادة، وهو امر ثبتت صحته ميدانيا.

وطالما ان الاستبيانات واستطلاعات الرأي تبيّن وتشير الى نتائج غير مشجعة لهذه العلاقة بين الطرفين، فإننا سوف نستخلص من ذلك ضعف مستوى الاستيعاب لدى الطلبة، ولا يقتصر ذلك على مرحلة دراسية بعينها، بل حتى المرحلة الجماعية، فقد اشار استطلاع عن طبيعة العلاقة لطلاب جامعة مع التدريسيين، الى تشنج العلاقة بينهما.

كما نلاحظ ذلك في الاستطلاع التالي، اذ يقول منظّم هذا الاستطلاع، من خلال ملاحظتنا لواقع العلاقة بين المدرس والطالب، ومن خلال قراءة المصادر والإحصائيات المتوفرة عــن جامعات ومدراس في دول مجاورة مثل دول الخليج ومصر وسوريا والأردن، وجدنا أن العلاقة بين المدرس والطـالب تمتاز عموماً بنوع من الجمود وعدم التوافق والانسجام بين المعلم والمتعلم.

ويمكن إثبات ذلك من خلال عرض بعض استطلاعات الرأي المختلفة ومراجعة المصادر المتوفرة عن هذا الموضوع، فمثلاً تشير نتائج استطلاع الرأي الذي قام به عدد من طلاب النشاط الطلابي في كلية العلوم، جامعـة البصـرة لعيّنة عشوائية من طلاب كليات الهندسة والعلوم والتربية بلغ عددهم (٣٨٦) طالب وطالبة، حول طبيعــة العلاقـات الاجتماعية داخل الجامعة إلى تدني مستوى العلاقة بين المدرس والطالب.

حيث كانت ورقة الاستطلاع تحتوي عــدد من الأسئلة من بينها السؤال التالي: (كيف ترى طبيعة العلاقة القائمة بينك وبين مدرسيك؟ هل هي علاقــة جيـدة أم علاقة سيئة؟) وكانت نتائج الاستطلاع كآلاتي:

- أمتنع (٥٠ %) من الطلاب المشاركين في الاستطلاع عن الإجابة عن السؤال الخاص بعلاقتهم بالمدرســين. أي أن (١٩٣) طالباً لم يجب عن هذا السؤال بينما أجابوا على الأسئلة الأخرى، وقد برر أحد الطلاب ذلك بالقول: (إننــا نخاف أن يعرف المدرسين رأينا فيهم وبالتالي يعاملوننا بصورة أسوء).

أما النصف الآخر من الطلبة والذين تجرؤوا على الإجابة عن هذا السؤال فان (٥٤ %) منهم قالوا إن علاقتنا سيئة مع المدرسين، ولو جمعنا عدد الطلاب الذيــن رفضوا الإجابة على السؤال مع عدد الذين أجابوا بالسلب، فان مجموعهم يبلغ (٢٩٨) طالب وطالبة، أي ما نســبته (٧٧ %) من العدد الكلي للمشاركين. وهذا يعطي انطباعا بل نتائج واضحة عن طبيعة العلاقة بين المدرس والطالب، فهي كما يتضح ليست جيدة، وهذا ينعكس على مستوى الاستيعاب، وبالتالي يتأكد لنا، أن ضعف الاسلوب في تقديم المناهج العلمية للطلبة يسهم في إضعاف البنية التعليمية في العراق بصورة عامة.

كيف نصحح أساليب التعليم؟

يُقصَد باسلوب التعليم، الطريقة التي يقدم من خلالها المدرس مادة الدرس لطلابه، وهي عبارة عن خطوات مبرمجة يسعى التدريسي عبرها توصيل المعلومات بصورة جيدة لأكبر عدد ممكن من طلاب القاعة او الصف، وهناك وسائل علمية تساعد المعلم على تحقيق هذا الهدف بالاضافة الى العوامل النفسية والانسانية التي سبق التطرّق إليها في أعلاه.

وينبغي على التدريسي أن يواكب طرق التدريس على المستوى العالمي والاقليمي فضلا عن الاستفادة من تجارب التعليم المحلية، لاسيما من ذوي الخبرات المتراكمة في هذا المجال، فمن طرق التدريس الحديثة على سبيل المثال، هي طريقة الحاسب الآلي، حيث يقوم المعلم باصطحاب طلابه إلى معمل الحاسبات ليروا عن قرب كيف يمكنهم الاستفادة علمياً من تشغيل الحاسب وتعلم بعض الدروس عن طريق هذه الأجهزة.

ويقول بعض المهتمين بشأن التعليم، إن النقلة الحضارية التي تمت في الدول المتقدمة خلال 50 سنة الماضية كانت نتيجة عقول خبراء متخصصين تم الاستعانة بها وتوظيف قدراتها لتطور العصر، وهي تتعلق بالتنمية الذهنية التي تهدف الى تنمية القدرة على التفكير الذي يستند إلى العقل والمنطق واستخدام التفكير الناقد والمحاكمة العقلانية والمنطقية في حل المشاكل.

ان ما تم ذكره من طرائق للتعليم، ينبغي أن يحصل على اهتمام التدريسي بدرجة قصوى، كي يتقن الخطوات الصحيحة، وقبله ينبغي أن تهتم الجهات المعنية بتطوير ادوات المعلم، كأن تشركه في دورات خارجية لتطوير اساليب التعليم، والاطلاع على احدث الطرق المتبعة في هذا المضمار، ويمكن أن يدخل ذلك ضمن خطط التوأمة التي تتبعها الجامعات العراقية مع الجامعات والمؤسسات التعليمية في العالم المتقدم.

علما ينبغي الاهتمام بالكادر التدريسي للمراحل كافة، فإذا كان المعلم في الابتدائية حاصلا على ما يكفي من التدريب والتطوير التربوي العلمي والنفسي والانساني، هذا يعني بناء شخصية جيدة وواثقة للطالب، وهذا الأساس التعليمي اذا كان صحيحا، فإن المراحل اللاحقة سوف تستقبل طالبا معدّا بصورة جيدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1